أنت غير مسجل في منتديات منارة أبو قرون . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
   

 

         :: كمال رزق: النيل أبوقرون منافق وكذب الرسول الكريم (آخر رد :خالد محمد خالد)       :: ياناس داعش انا ماشيعي (آخر رد :خالد محمد خالد)       :: فيديو حديث شيخ عويس يوم عيد الفطر (آخر رد :أسد المغرب)       :: النيل نعم عارضني ابني، وأنا لست بأفضل من سيدنا نوح (آخر رد :فارس المناره)       :: شيخ جحا الرسوم المسيئة للرسول (ص) خرجت من بعض كتب المسلمين (آخر رد :ودعكاشه)       :: رحبو معي بي محمد الخليفه حسن ابوقرون (آخر رد :فارس المناره)       :: مقتطفات من كتاب آل البيت المحمدي لصاحبه محمد الحسن الشيخ أبوقرون الذي يصدر قريباً. (آخر رد :ودعكاشه)       :: وضع مايسمي بابوقرون في المرتبة الثانية بعد الكافرة ابرار (آخر رد :فارس المناره)       :: المدعو النيل ابوقرون في حوار ساخن مع (السوداني ) (آخر رد :ودعكاشه)       :: سجل سجل يا تاريخ.. كأس سيكافا يغازل المريخ (آخر رد :خالد محمد خالد)       :: الحكومة تستمر في رفع الدعم.. والبرلمان يعلن حسم فوضى الأسواق (آخر رد :ودعكاشه)       :: فرار «الحلو» عقب مطاردة عنيفة بالجنوب (آخر رد :ودعكاشه)      


آخر 10 مشاركات كمال رزق: النيل أبوقرون منافق وكذب الرسول الكريم (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 21 )       ياناس داعش انا ماشيعي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - المشاهدات : 50 )       أضحك يا غير مسجل تضحك الدنيا معك (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 454 - المشاهدات : 27013 )       شيخ جحا الرسوم المسيئة للرسول (ص) خرجت من بعض كتب المسلمين (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - المشاهدات : 47 )       فيديو حديث شيخ عويس يوم عيد الفطر (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 60 )       رحبو معي بي محمد الخليفه حسن ابوقرون (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - المشاهدات : 67 )       النيل نعم عارضني ابني، وأنا لست بأفضل من سيدنا نوح (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 53 )       المدعو النيل ابوقرون في حوار ساخن مع (السوداني ) (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 4 - المشاهدات : 96 )       مقتطفات من كتاب آل البيت المحمدي لصاحبه محمد الحسن الشيخ أبوقرون الذي يصدر قريباً. (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - المشاهدات : 67 )       مقتل مواطنة وإصابة «6» من الشرطة في اشتباكات بمنطقة الديم في الخرطوم (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 24 - المشاهدات : 2154 )      
مختارات      سَلامَةُ الإنْسَانِ في حلاوةِ اللسانِ      
 
العودة   منتديات منارة أبو قرون > الأقسام العامة > المنتدى الرئيســــــــــــــــــــى
 


المنتدى الرئيســــــــــــــــــــى مواضيع تعريفية , مواضيع مميزة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع

قديم 12-09-2012   #1
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

الباب الاول
الفلسفات المادية وروئ التصوف:
يشهد واقعنا المعاصر رؤى الفلسفات المادية حول الإنسان، قدّمت أفكارها لتعزله من كل علاقة تربطه بعالم الروح الكبير. وحَمل تفسيرها النكِد الشرور والشقاء للانسان، وخدعته باسم العلم، حيث وضعت الشك معياراً علمياً للقيم والدين، وأباحت أمامه الرذيلة. أرادت من هذا أن يكون حيوان الشهوة والملذات الجسدية، وقد فسرت كل شيءٍ بالغريزة الحيوانية ،هذا الرهق والعنت لكي تبعد الإنسان عن خلق الدين والفضيلة ،هذه هى حقيقة الفلسفات الماديه ،وماتسعى إليه وهو فصل الانسان عن الدين . ويسوقنا الحديث في هذا إلى أفكار علمائها .
يقول دوركهايم: إن الدين ليس هو الفطرة، وإن الجريمة ظاهرة سوية، والزواج ليس من الفطرة، والأخلاق شيء لا يمكن الحديث عنه ككيان ثابت إنما ذلك من وضع العمل الذي لا يثبت.
ويقول ايضاً كارل ماركس: إن الدين أفيون الشعوب ومجموعة من الأساطير والأوهام ابتدعها الرأسماليون لخداع الجماهير الكادحة، وإن الأخلاق مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي المتطور.
تشارلز دارون: إن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لخلقها، وإن تفسير الحياة بتدخل الله يكون بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي إلى ما لا يحتاجه.
وكانت الطامة الكبرى الأفكار الفرويدية فقد دعت الإنسان إلى إشباع شهوته بلا قيد أو ضابط أخلاقيٍ ، حيث ترى أن الدين ناشيء من الكبت بعقدة أوديب من العشق الجنسي الذي يحسه الولد نحو أمه وسيؤدي إلى رغبته في قتل أبيه.ٍ
ماذا تريد هذه الافكار الفاجرة ..؟ إنه شيء واحد الحرب على معتقد كلمة الله ، والجزاء والحساب والبعث بعد الموت ،هذه الافكار تريد ان تجعل الانسان خلقاً ممسوخاً، وتحرره من كل قيم تعارفت عليها الإنسانية في تاريخيتها الطويلة،وانخدع الناس بهذه الافكار وصدقت مقولتها:ان الطبيعة الصماء هو الإله، وأنها تخلق وتُوجِد وتعدم من غير علم بما تفعل.
رغم الإصرار على هذا الجهل، إلا أن بصيص من المعرفة يتسرب إلى الانسان ذلك بما توارثه من ديانات الانبياء، هذا جعله يبحث عمن يبث له شكواه ،فقد عجزت الفلسفات تماماً عن الحلول لتلك التساؤلات التي تجيش بباطنية الانسان ،وليس لها من حلول أبداً ،وقد دعاها العجز أن تفتح للانسان باب الموبقات بلا حرج ،وقد رأت في ذلك حلاً لها من وصمة العجز، وتسرُب بصيصاً من عقائد النبوات الكريمة، جعل بعض العقول تعترف بأن هناك قوة كبرى تدبر وتسيطر علي هذا الكون ، رغم هذا البصيص إلا أن سحر تلك الفلسفات وبث اعلامها القوي في شبكات الارسال قد استولى على الكثرة ، وكان من الشقوة إعتقادها تلك الأوهام والضلالات التي فتنت العقول ، فقد أفلحت هذه الأفكار الشيطانية وهُيِّئ لها سبل النشر، وساعدها على ذلك وفرة الكتاب والصحيفة ومحطات الفضاء .
ومع هذا فقد عاش إنسانها في الحياة بؤساً نفسياً واضطراباً عصبياً لا يهدأ منه أبدا، فقد جلبت له الخمور وأطنان المخدِرات، وحميت مزارعها بالسلاح، وكان من جَراء هذا الفعل الاجرامي كثرة المصحات في كبرى مدن العالم حضارةً، يرد إليها يومياً المئات والألوف من الناس الذين فتحت باسمائهم ملفات الأمراض النفسية والعصبية.
وليس أتعس على الإنسانية حياةً من أن يُطمس منها كلُّ خلق ارتضته في تاريخها الطويل. وأن يوصف موروثها من الدين الذي ارتضته الفطرة السليمة أنه أوهام وأساطير .
فمن جراء جهل تلك الفلسفات كانت شقوة إنسان الحضارة الغربية فقد عاش الحياة بؤساً وصراعاً نفسياً قاسياً .
وقد فرض هذا النزاع النفسي أوجهاً من الأسئلة عن حقيقة الإنسان ووجوده ونهاية مصيره ،إن العجز عن الاجابة دعى إنسان المدنية الغربية إلى الانتحار ومقادرة هذه الحياة غير اسيف،وذلك لما ارتجّ في مخيلته من أسئلة لم يجد لها جواباً ، ولكن مع تلك الغشاوات الحاجبة عن الإيمان بحقيقة تلك الحياة، إلا أن عند البعض ظنوناً بوجود حياة سعيدة بعد الموت. بلا ريب أن العقل في حالة صفوه يقود إلى القرب من شط الحقيقة
الإنسان منذ نشأته البسيطة تعشقت روحه مناحي الدينونة التي تربطها بالقوة الكبرى، والروح وسط هذا الركام التعس تبحث عما يروي ظمأها،وكان الخلاص الاستجابة إلى دعوة الانبياء عليهم الصلوات .
وقد أصبح الإسلام هو الدين الخاتم "ومحمد النبي المسيا الأخير" وكتابه القرآن هو المفسر لوجود الإنسان ومسيره ومصيره والبعث بعد الموت، فقد اسعد هذا الدين الإنسان بربط واقعه الصغير بالعالم الغيبي الكبير اللا متناهي، وأخذ بيده من شقوة التيه والضلال.
هذا النزاع والصراع النفسي العنيف اللذين عاشهما إنسان المدنيه الغربيه حول حقيقة الروح والحياة بعد المـوت، قد فرض هذا إجابات كثيرة، ولكن ليس إلى ذالك سبيلاً إلا باللجوءِ إلى نبي الاسلام المسيا الاخير، وهو الذي بيده حل تلك المعضلات ،والمدنية المادية التى طمس من خارطتها تماما كل معناً من معاني الروح وهْى الان احوج ما تكون الى تعاليم هذا الرسول  .
وسط هذا العباب المضطرب سمح بتقديم منهج الإسلام الروحي، المسمى بالتصوف. وهو منهج لرحلة الروح إلى عالمها الكبير، وليس هذا بفصم الجسد عن الروح في التعامل، لأن التصوف في حركته مرتبط بتشريعات الدين التي لا يُسمح بشطبها عن حياة الانسان، وقد كان منحى التصوف وهو حقيقة الدين العملية، إذاً فلا حقيقة بلا شريعة وكذلك لا شريعة بغير حقيقة، فلابد من توازي الخطوط في غير إسقاط لطرف من الطرفين.
وقد كانت تجربة التصوف الروحية وهي ديدن الذين هدى الله، وقد عبَّدت طريقه على أسس ثابتة من خُلق الأنبياء صلوات الله عليهم، الزهد والصبر والتوكل والذكر والسخاء والكرم والتقليل من الأشياء الحياتية إلا ما كان لضرورة. يحدوهم إلى ذلك قوله تعالىﮋﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﮊ[القصص: ٨٣] وقوله تعالىﮋ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ[الأحزاب: ٢٨] ، فليس في التصوف ومنهجه من غلو وخروج عن مقتضيات الكتاب الكريم وخلق النبوة الطاهرة ولنا ان نقول. انه مسار عملي يقل فيه التنظير، فحقيقته أنه لا تطيقه الكثرة، وعدم طاقة الكثرة لا يمنع صفوةً من الرجال سلوك مساره.
الصوفي يرى الدنيا دار ابتلاء وامتحان قليلة المتعة، ومع هذا لابد من الأخذ منها ولكن أن يكون ذلك بحذر،ٍ يراعي التخفيف من الأثقال المردية، ويحاول إعداد النَّفْس للسفر الطويل الذي لا رجوع منه، والروح هي المطية التي يعرج بمركبها الإنسان في رحلته لعالمه الثاني. ومن هذا كان الفهم واليقظة القلبية التي أخذت برجال هذا المسلك أن يتجشموا المصاعب، لتحقيق الذات بالعبودية لله وحده، هذا التفاني لا يعني نسيان شيئ من الحظوظ ﮋ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﮊ [البقرة: ٢٠١].
إن النظرة إلى التصوف وما فيه من تقشف وزهد إلا إن هذا لا يخرجه عن بشريته، فهو إنسان تمتلكه المحبة الإنسانية، يحب نفسه ويحب غيره من الناس، ولذلك يعمل لخلاص نفسه ودعوة غيره إلى ما هو عليه، بمقولة: "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك". فزهد فيها رغبة إلى ما هو أبقى. فالحياة الدنيا تعني عنده مرحلة بذل الجهد في مقامات الدين والبعد عن الركون إليها والاغترار بزخارفها، مُقدِراً رضاء الرب سبحانه وتعالى وإتقاء سخطه والخوف أمر ماثل أمام الصوفي، وهذا ما جعله يختار معية الله الدائمة ممتثلاً قوله تعالى ﮋ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﮊ[ ق: ١٦]. بهذه الشفافية والشعور تلاشى عند الصوفي البعد المسافي * والزمني * لما امتلك نفسه من شعور بقرب الله تعالى خوفاً ورجاءً. ومع هذا فانه يمارس أحوال الحياة في واقعه البشري، وقد يقع منه الخطأ والصواب ، ولكنه سريع الاوبه لشفافية الروح.
والصوفي يقدر هذا كله ويراه مكتوباً عليه، فيكابد النفس ليوقفها عند الحدود، فحياة الصوفي الداعية إلى الإلتزام وكثرة المجاهدات لا تعني أن حياته لا تقترف الخطأ والمعاصي، لانه ليست هناك من عصمة غير النبوات الكريمة ، إلا أن منهج التصوف المتحضر في معاملاته يسوق إنسانه بالآداب إلى المعاني الرفيعة. وقد كانت التجربة الروحية لأُولي العلم من الشيوخ هي المفسر لما يُشْكِل على السالك من مسائل في المنحى الروحي، وقد كانت نظرات الشيوخ المتزنة على خُطا العقليات والشرائع وهي المقاييس التي تُوزن بها الأمور في ملتمسها الحياتي والعبادي لا يودون لمن كان علي مسلكهم أن يسلك مسلكاً شاطحاً جامحاً أو جنونياً يحسب عليهم، بل الأمر ضبط الأحوال بالمسلك الحكيم المرشد بالشرعيات، هذا ما جعل منهج التصوف مركباً لرحلة الروح، تعد بالأعمال الصالحة. للقول الكريمﮋ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﮊ [الأعلى].
لا نستطيع بحال من الاحوال أن نبعد التصوف عن النظرة الزهدية، وهي امر من مرتكزاته. والزهد في احواله لم يجلب من نُسك أعجمي، كما تود أن تتهمه بذلك بعض الأقلام، بل هو سمة من سمات النبوة الطاهرة. والصوفي لا يبغض الدنيا ولا يرفضها لأنها مُراد الله لخلقه، أخلفهم فيها وهو ناظر فيما يفعلون، تفاض عليهم الخيرات فيحمدون ويصابون فيها بوصب فيصبرون ويصابرون. ولكن النظرة إلى الدنيا والزهد فيها تحتاج إلى نظرة توفيقية.
لا تتعارض نظرات أولي العلم من أهل التصوف في أمر امتلاك الدنيا والتصرف فيها، فالمال الحلال الطيب فيه منفعة للنفس والولد والزوجة وذي الحاجة من المسلمين، فوجب على المرء اكتسابه بالوجه الشرعي من غير اغتصاب أو وجه تربوي. والمال في عرف التصوف رغم أحقية النفس به، إلا أنه ملك مشاع بين الأخوة في الله تعالى فلا يكنز، ولا يُدَّخر في المصارف لمتعة ورفاه نفسي خاص. ويؤكد هذا مسار الشيوخ في الانفاق والبذل.
ويقودنا التعريف برجال التصوف ان حركتهم في الحياة تنقسم إلى قسمين: رجال عبادة وزهد، وثانياً رجال دعوةٍ بالقرآن والإنفاق والتبشير، وهذا الاخيركان منه حظ رجال القادرية في السودان.
الزهد يعني تطهير النفس من الجشع والبخل والشح وحب الدنيا واكتنازها. وعند هذا وقفة يعالج الإنسان فيها نفسه من كل مظهر كاذب ، وليس عند أهل التصوف من شيء أفيد للإنسان السالك لطريق الله من كثرة العبادة والعمل الصالح على أُسس من الزهد والتواضع ، والسالك يتدرج من زهد في الحرام إلى زهد في المتعة الحلال. وقد تناولت أحاديث الشيخ الجيلاني في كتبه ومجالسه متنوعات التصوف أصولاً وأدباً، فكانت ثروته الروحية والعلمية زاداً لفهم معاني التصوف التي تدق على فهم الكثيرين، وعندما يتحدث عن الزهد لا يبتعد بصاحبه كثيراً عن المألوف.
يقول الشيخ الجيلاني رضي الله عنه: (الزهد إذا تمكن من القلب لا يغيره مجيء الدنيا وتناول الأقسام. والمحب الزاهد لا يتنافى صدق حاله مع تناول الأقسام التي ساقها الله إليه، بل هو يثاب على أخذها كما يثاب على الزهد فيها).
ويقول الشيخ الجيلاني رضي الله عنه: (من الناس من تكون الدنيا بيده ولا يحبها يملكها ولا تملكه، تحبه ولا يحبها، تعدو خلفه ولا يعدو خلفها، يستخدمها ولا تستخدمه، يفر منها ولا تفر منه، فيتصرف فيها ولا تتصرف فيه).
ولا يعني الزهد في الفكر الصوفي ترك العمل أو البطالة، أو أن يحترف من سلكه على جهلٍ التسول مهنةً، يُفهم من أحاديث الشيخ الجيلاني أن التصوف مسلك روحي تربوي عملي. وهو كما دعى إلى العمل الأُخروي فكذلك دعى إلى العمل المشروع في الحياة، وكل عمل مشروع فهو من عمل الآخرة، يترتب عليه الحساب والجزاء. الفهم الصحيح لهذا المسلك يطلب بأن لا تحسب عليه عادات وتصرفات خاطئة. رغم أن التصوف طريق خواص إلا أنه درب غير ممتنع لمن شاء، ويتفاوت الناس في درجاته فهماً وفقهاً وعملاً.
والحديث فيه بالرؤية الجيلانية يلزمنا بتناول أقوال من سبق للتعرف على مصطلحاته ورموزه وآدابه، لأن خلو السفر من هذا الوجه يجعل فهمنا قاصراً يفتقر إلى وشيجة في ربط هذه المعاني. والحديث عن المسلك الصوفي وارتياده يحتاج منا إلى مؤهل علمي وتربوي يرتفع بنا إلى مستوى الإدراك لتلك الاقوال وما تحمل نصوصها من معارف تُفسر بالوجه الذي يقصده المشايخ.
قال الشيخ الجيلاني: المتصوف مكابد لنفسه وهواه وشيطانه، وخلق ربه ودنياه وأخراه، متعبد لربه عز وجل يجاهد نفسه بأمر الله عز وجل، فيخرج من الأكوان، فيصفى من الأحداث، ويتجوهر برب الأنام، فتنقطع منه العلائق والأسباب( ).
ويفهم من هذا أن الفكر الصوفي ثورة على النفس وعلى كثرة الأشياء الشاغلة عن الله عز وجل، وهو تأمل وتفكر في المآل الروحي وما يجب أن ينتبه إليه الإنسان ويتيقظ له في مساره الحياتي. ويزيد الشيخ الجيلاني الأمر جلاءً بتوضيح ما يجب أن يكون عليه الناس من وثوق بما عند الله تعالى أكثر من الأسباب التي استعبدت الكثرة فيقول: (يا موتى القلوب يا مشركين بالأسباب يا عابدي أصنامٍ حولهم قواهم ومعاشهم ورؤوس أموالهم وسلاطين بلادهم، وجهاتهم التي ينتمون إليها. انتم محجوبون عن الله عز وجل)( ).
لقد كانت مجالس الجيلاني وأحاديثه هزاً لكيان طبقات كل المجتمع فهو رجل دعوة من الطراز الأول. ولا بد أن تكون أحاديثه لعامة الناس، ولكنه كذلك لم يتحدث إلى العامة ويترك أهم عنصر يقوم به الدين وهم العلماء، الذين هم بمثابة القلب من الأمة. فإذا فسد العلماء فسدت الأمة وإذا صلحوا صلحت الأمة، فكان لا بد من أحاديث من أمثال الجيلاني توقظ سباتهم وتهز كيانهم، فيستيقظون لمهمتهم في الحياة. يقول لجمعهم بصيغة المفرد: (أما تستحي أن قد حملك حرصك على أن تخدم الظَّلَمة، وتأكل المال الحرام؟. إلى متى تأكل وتخدم الملوك؟ الذين تخدمهم يزول ملكهم عن قريب، تولَّى خدمة الحق عز وجل الذي لا يزول)( ).
لقد وضع بهذا فاصلاً بين العلماء والحكام لأن الحكام مظنة الظلم وجمع المال الحرام وتوزيعه في غير مصارفه، واستمتاعهم به وحواشيهم وحرمان أهل الفاقة والحاجة منه، فيرى أنه لابد للعالم أن يصمد مع الحق ويثق بالله ويعمل بعلمه ويتقي مواطن السوء والجهالة وما يذري بالعلم والعلماء، فلا يميل إلى الحكام وخدمتهم، ويتذلل إليهم بالوقوف أمام أبواب قصورهم. لأن في ذلك مذلة لأهل العلم وضياعاً للدين.
أجل لقد كان للشيخ الجيلاني آراؤه في الحكام الظلمة وكلمته فيهم من غير استحياء أو خوف أو وجل. وهو بهذا يعلم أبناء طريقته مواقف الحق، وعظمة الشهادة عنده (كلمة حق أمام سلطان جائر) وكان هذا الديدن في البعد عن الحكام هو الذي درج عليه معظم شيوخ الطريق الصوفي في السودان لما استبان لهم من ظلم الحاكم وصلفه واستبداده بالرعية.





التصـوف:
التصوف مسلك روحي خطه وعمل به شيوخ العلم والزهد من عصر التابعين الذين أخذوا من جيل الصحابة رضي الله عنهم. فقد ضبط أصوله كبار الشيوخ على نصوص الكتاب والسنة فهماً وروحاً.وبما رؤا من مجاهدات وآداب أخذوا بها.
وهو يعني وعي الإنسان ذاته وملاحظة وجوده وكَوَنِه مع الله في حركاته وسكناته ونواياه الداخلية، فيكون باذلاً جهده وقواه صاعداً نحو الكمال الذي لا يقف عند نهاية، والتحقق بذلك على خطوات صاحب الأسوة الحسنة. وهذا المسار مطلب عالٍ وجب أن تُنفق فيه الأوقات وتبذل فيه الأرواح والمهج، فلا يبلغ الكمال صاحب هوىً أو نفس أمارة بالسوء. فلابد من وجود نفس في الكائن البشري ولابد من مجاهدة ومقاتلة، حتى يكون أخيراً النصر أو الشهادة في سبيل مرضاة الله تعالى. ونتيجةً للصعوبات والعقبات الكؤودة، شمر أصحاب هذه الطائفة وجاهدوا النفس وألعقوها الصبر، حتى ذاقوا حلاوة الإيمان واليقين.
قال القشيري رحمه الله: إن شيوخ هذه الطريقة بنوا قواعدهم على أصول صحيحة في التوحيد فصانوا بها عقائدهم من البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل ولا تشبيه. وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل ولوائح الشواهد( ).
وأول من وضع قواعد التصوف سيد الطائفة الجنيد رحمه الله قال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. وقال أيضاً: علمنا هذا مقيد بحديث رسول الله ().
هذا توضيح للمصدر الذي أخذ منه رجال التصوف ونحن لا نريد أن نخوض كثيراً في خِضِم تعريفات هذا المنهج لكثرة ما ورد فيه من تعريفاتٍ لا يكاد الناظر يقف على واحد منها بعينه حتى يتبين له دقة الآخر وجماله على الرغم من اتحاد المعنى. فلنأخذ بما قاله الإمام القشيري رحمة الله: إن المسلمين بعد رسول الله () لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله () إذ لا أفضلية فوقها فقيل لهم الصحابة. ولما أدركهم أهل العصر الثاني، سمي من صحب الصحابة بالتابعين ورأوا ذلك أشرف سمة. ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين. ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعباد، ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعى أن فيهم زهاداً. فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف. واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين(1).
لقد عَرِفت الديانات السابقة اسم الرهبانية وكانت هي سمة رجالها. وعَرِف أهل الإسلام منذ عصره الأول اسم الزُهد والزُهاد، فكان سمة التصقت بمن تجافى عن الحياة واختار النُسك والعبادة. ومن هؤلاء كثير أبرزهم (أهل الصُفة) الذين انقطعوا في مؤخرة المسجد النبوي للعبادة. وفي عصر التابعين لما كَثُرة الفتن والتناحر على الحياة والتكالب على السلطة، أفرزت أحوال المجتمعات نزوعاً شديداً نحو الزهد والتنسك. ثم تتابع رجال التصوف، فمنهم الذي انصرف للعبادة، وفريق آخر حَمَل لواء الدعوة بالعلم والتربية والإرشاد. وكان لهؤلاء أقوال يعبرون بها عن التصوف ليقتدي بهم المريد والطالب.
قال الجنيد: ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات.
وقال محمد بن علي القصاب رحمه الله: التصوف أخلاق كريمة ظهرت في زمن كريم من رجل كريم مع قوم كرام.
وقال رويم: التصوف استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده.
وقال سمنون: أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شيء.
وقال الجريري: التصوف هو الدخول في كل خلق سني والخروج عن كل خلق دني.
وقال عمرو بن عثمان المكي: التصوف هو أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى في الوقت(1).
فالتصوف هو القيام بحقوق العبودية اتباعاً وتأسياً، وجماع القول هو أن يكون العبد مع الله تعالى في كل لحظة من لحظات حياته.
الحديث عن الصوفي يعني شخصاً قد فرض على نفسه السير نحو الكمال ببذل أقصى ما تطيق ذاته البشرية. وهو في سعيه منقطع الباطن عن الخلق فتراه متصلاً مع الحق، باقياً في الدنيا خائفاً موبقاتها. آخذاً منها ما قل وتاركاً ما كثر وألهى، مجافياً لغرورها، ومستعداً لمغادرتها.
قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: الصوفي هو الواقف على حدود الله تعالى، المجتنب محارمه وهو الذي يأخذ كتاب الله تعالى بيمينه وسنة رسوله بشماله، وينظر بإحدى عينيه إلى الجنة وبالأخرى إلى النار، ويتأزَّر بالدنيا ويرتدي الآخرة ويلبي بينهما للموت(2)اللهم لبيك.
وقال الشبلي رحمة الله: الصوفي منقطع عن الخلق متصل بالحق، كقوله تعالى:ﮋ ﮖ ﮗ ﮊ[طه:٤١]، قطعه عن كل غير ثم قال:ﮋ ﯝ ﯞ ﮊ [الأعراف: ١٤٣].
وقال أبو تراب النخشبي رحمه الله: الصوفي لا يكدره شيء، ويصفو به كل شيء وقيل: الصوفي لا يشقه طلب ولا يزعجه سبب(1) لم تقف أقوال الشيوخ عند حقبة بعينها من الزمان.
قال الشيخ محمد ود بدر رحمه الله: الصوفي من يعرف الحق ويتبعه ويعرف الباطل ويجتنبه ويحبّ أن ينتصف من نفسه ولا ينتصف من غيره، وأن يفتح باب الفقر ويسد باب الغنى، وأن يفتح باب الذل ويسد باب العز، وأن يفتح باب التعب ويسد باب الراحة، وأن يفتح باب الجوع ويسد باب الشبع، وأن يفتح باب السهر ويسد باب النوم. ومن شرطه أن يعطي ما في الجيب ويرجو ما في الغيب، فأقبح القبيح صوفي شحيح. ومن شرطه أن يكون ظاهره موافقاً للشريعة وباطنه مجالاً للحقيقة، لأن الشريعة بلا حقيقة عاطلة والحقيقة بلا شريعة باطلة. ومتى تعدت الحقيقة طور الشريعة فتحقيقه معلول ومشربه مشوب، إنما العدل في لزوم الاعتدال بين مقتضيات الحقيقة والشريعة(2).
مع ما أوردنا من أقوال عن حقيقة الصوفي تشير إلى تجافيه عن الحياة ومتاعها، إلا أن له مشاركة فاعلة في أوجه الحياة المختلفة. وهناك فرق عنده بين البدايات والنهايات التي تتضح فيها الفروق لان تجربتها تتطلب منحىً خاصاً وأحوالاً من المجاهدات، وقد حفظت لنا الذاكرة التاريخية أنماطاً من أحوال شيوخ المسلك الكبار الذين اخذ عنهم التلاميذ، وكان هؤلاء السلسلة الذهبية في دورة الزمان حُفظ بتوجهاتهم التربوية والروحية الدين في الحياة، وقد كانت بداية هذه السلسلة من العظماء.
علي بن الحسين وابنه محمد الباقر وابنه جعفر الصادق وأويس القرني وأبو مسلم الخولاني والحسن البصري وسفيان الثوري وداؤود الطائي وأبو مزاحم ومالك بن دينار وعبد الواحد بن زيد وعتبة الغلام والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والسري السقطي وأبو القاسم الجنيد وأبو سليمان الداراني وأحمد بن الحواري وذو النون المصري وأبو يزيد البسطامي وبشر الحافي والخراز والسُّلمي وأبو طالب المكي والمحاسبي والقشيري ورابعة العدوية وسودة الرملية وغيرهن من نساء، وكذلك كان الغزالي وعبدالقادر الجيلي والرفاعي والدسوقي والبدوي والشاذلي والتجاني والسهروردي.
وبعدهم على توالي الزمان وتفرق المكان، شيوخاً رسخوا معارف الدين في النفوس الإنسانية. ولبلادنا من هؤلاء نصيب كبير الشيخ إدريس ود الارباب والشيخ حسن ود حسونة ثم قَدِم الشيخ البهاري وسلك عليه الشيخ محمد ود عبد الصادق والشيخ عجيب المانجلك والشيخ بانقا الضرير والشيخ عبد الله العركي، وتوالى الذين أخذوا عليهم، الشيخ دفع الله المصوبن والشيخ المسلمي والشيخ ود العجوز والشيخ عبد الباقي النيل والشيخ يوسف أبو شرا والشيخ عوض الجيد والشيخ طه البطحاني والشيخ الكباشي والشيخ ود بدر والشيخ عبد الباقي المكاشفي. ومن سماني المدينة قدم الشيخ الطيب ود البشير وعنه الشيخ التوم ود بانقا والشيخ عبد المحمود والشيخ أبو صالح قريب الله.
وتواتر كذلك الختم الكبير واسماعيل الولي والتجانية والشاذلية والأحمدية والبرهانية والتسعينية. وعلى الضفاف الغربي من النيل بالبراري الشريف الهندي .
فقد أثرت حركة الطريق الصوفي في مختلف مناحي البلاد، وتجلى ذلك في البيوت والقبائل السودانية بحيث صارت صوفية الأحاسيس والمشاعر الفياضة، بالرأفة والرحمة وغير ذلك من معاني روحية ثرة حفظت حقائق الإيمان في البُنِية السودانية. وقد أشار إلى عطاء رجال التصوف في الحياة أحد الكتاب فقال: وكيف ننسى هذا التراث الروحي أو ننقص من قيمته وهو جزء مهم من تاريخنا الوطني والسياسي فهؤلاء المتصوفون الأعلام هم الذين قاوموا طغيان الحكام وانتصروا للشعب في محنته، وكان لهم أكبر الأثر في توطيد دعائم الإسلام بين البربر في مراكش الاسلامية، ثم تجد حركات صوفية في القرن الماضي من مكة كرمها الله إلى القاهرة، ومن جغبوب إلى بغداد، ومن القسطنطينية إلى فاس وتمبكتو والخرطوم وزنجبار، إلى جاوة وكلكتا. وقد انتشر الإسلام في جاوة على أيدي أتباع الطرق الصوفية( ).
وكما قيل الصوفي (هو ابن وقته). إنها اصدق مقولة تعبر عنه. فهو تارة في محراب العبادة والذكر وتارة في ميدان الإرشاد وإصلاح ذات البين ومواقف وتحديات في مجابهة الطغيان والظلمة، ومثال لهذا نذكر مقولة الغزالي للسلطان سنجر بن مالك شاه السلجوقي الذي كان يحكم خراسان: (أسفًا أن رقاب المسلمين كادت أن تنْقَصُ بالمصائب والضرائب، ورقاب خيلك تنْقَصُ بالأطواق الذهبية).
وكذلك الشيخ عبد القادر الجيلاني. إنه لما وُلى المقتضي لأمر الله أبا الوفا المشهور بابن المزاحم الظالم. قال على المنبر (وليت على المسلمين أظلم الظالمين، فما جوابك غداً عند الله؟) فارتعد الخليفة وبكى وعزل القاضي لوقته( ).
وتحمل ذاكرة التاريخ عبر مسارها الطويل وقفات عظيمة وجليلة لرجال التصوف أمام الطغاة والحكام الجائرين، رغم ما كانوا عليه من انصراف للعبادة، واعتزال في بعض الأوقات لترويض النفس وتقوية الإرادة، فالصوفي بلا ريب له أحواله الخاصة في العبادة، ولكن هذا لا يمنع من أدائه لدوره في الحياة و المشاركة في ما يطلب منه الوقت من مقتضيات.
فعندما غزا التتار العالم الاسلامي في القرن السابع الهجري وأثخنوه جرحاً وقتلاً ولم يتركوا فيه إلا روحًا ضعيفة ونفساً خافتاً. قام هؤلاء الدعاة المخلصون الذين لا يزال تاريخ الدعوة والإصلاح على إحصائه يجهل أسماء الكثير منهم وأخذوا يتسربون في هؤلاء الغلاظ الشداد يفتحون قلوبهم للإسلام حتى تفتحت لهم محبة، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجاً، ولم يمضِ على زحفهم على العالم الإسلامي وإذلالهم له وقت حتى أسلم جلهم أو كلهم( ).
ولم يرتبط جهاد وإصلاح رجال التصوف بوقت أو مكان فقد ظهر على شكل ثورات في ليبيا ضد الغزاة الإيطاليين بقيادة السنوسي، وفي السودان كانت ثورة الإمام المهدي، وكان جنود الثورة وقياداتها ومقاتلوها من رجال التصوف على امتداد خطوط البلاد، وهذا يجعلنا نقول أن الصوفي إنسان القضايا الكبرى، وقضايا القيم والروح ، وكانت كلمات شيوخ المسلك هي المشعل المضيء لتفسير أحوال الصوفي الذاهب لربه من غير توان أو التفات، لا يدرك فلسفته الروحية إنسان نذر حياته لجمع حطام الدنيا من عرق الشعوب واختزنها في المصارف المغلقة.
قال الشيخ الجيلاني رضي الله عنه: "من أراد سلوك طريق الله فليهذب نفسه قبل السلوك فيداوم المجاهدات فتفتح عينها وينطبق لسانها"( ).
فدعوة الشيخ الجيلاني إلى التهذيب تعني تغيير ما بالنفس من طباع غليظة لا تصلح للصحبة ومجالس الرحاب الربانية، فالتهذيب يعنى تغيير ما ألفت النفس وتطبعت عليه في حياتها الفانية، فمن هذا كان لابد من حوار مع النفس يستبين به الصواب من الخطأ.
يقول الجيلاني: تألف النفس بعض العادات وترتاح إليها حتى يمسي صاحبها أسيراً ذليلاً لها لا يمكن الإفاقة من سيطرة ما ألفت النفس فتتواتر عليه الآفات( ).
الإنفكاك عن المألوف والعادة ليس بالشيء السهل المتيسر فهو يحتاج إلى ثورة عنيفة على ما تطبعت عليه النفس. فلهذا كانت دعوة أولي العلم إلى عدم الرضا عن النفس، وكان التعبير عنها بالقول الكريم ﮋ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﮊ [يوسف: ٥٣]. ﮋ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑﰒ ﮊ [النساء: ٧٩]. ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﮊ [طه: ٩٦].ﮋ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﮊ [المائدة: ٣٠]. ﮋ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵﮊ [النجم: ٢٣].ﮋ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮊ [البقرة: ٥٤].
كان من هذا فهم الصوفي للنفس، وفهم معنى القتل له في الآية الكريمة، وهو نزع الصفات المذمومة الرياء والكبر والاستبداد والسخرية والحسد والحقد والشح والبخل. وقد عبّر لهذا: "أقبح القبيح صوفي شحيح"، فما كان للتصوف أن تجتمع سماحته ورحابة خلقه مع الشح والبخل أبداً نقيضان متباينان في الأحوال والصفات، وهذا القتل والمقاتلة هو أمر يعني المجاهدة والجهاد المستمرّ الذي لا يقف صاحبه عند حدٍ (لأن النفس من طباعها الغفلة والشك. والرغبة والرهبة والشهوة والغضب، فهي نافرة ناشزة كارهة)( ). فكثير من شواهد الآيات والأحاديث تعين الصوفي في ثورته على النفس. يقولون: "حركة الظواهر توجب بركات السرائر"،
ويقول الجنيد رحمه الله تعالى لأصحابه: " يا معشر الشباب جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصروا كما ضعفت وقصرت، وكان ذلك الوقت لا يلحقه الشباب في العبادة "( ).
الصوفي باحث دائماً عن حال النفس قوةً وضعفاً وخدعةً ومراوغةً، ومن حكايات المشايخ في البحث عما تدس النفس في العمل ويظن صاحبه انه على خلوص ونشاط في ذكر الله تعالى فكان قصص الحكاية التالية:
كان أحدهم يصلي في مسجد في الصف الأول سنين كثيرة، فعاقه يوماً عن الإبكار إلى المسجد عائق فصلى في الصف الأخير فلم يُرَ زمناً فسئل عن السبب، فقال: كنت أقضي صلاة كذا وكذا سنة صليتها وعندي أنى مخلص فيها، فداخلني يوم تأخيري عن المسجد من شهود الناس إياي في الصف الأخير نوع من الخجل فعلمت أن نشاطي طول عمري إنما كان على رؤيتهم فقضيت صلاتي( ).
قال أبو حفص: ما أسرع هلاك من لا يعرف عيبه فإن المعاصي بريد الكفر ( ).
هذه الأقوال تعبر عن الصوفي أنه صاحب الثورة الدائمة على النفس والبحث عن خفاياها، وعن دقائق الأعمال، يحاول إصلاح ما أُشِيبَ برياء وحب مدحٍ وثناء، وإن كان بممارسته الطويلة قطع العلائق والعادات مع النفس إلا أن هذا لا يدعوه أن يفرغ من محاسبتها ومعاتبتها، لأن طبيعتها البشرية باقية ما بقيت حياة وعين تطرف.
بهذه المعاني الكبيرة من معرفة النفس، وبذل الجهد في قطع العقبات سَمَا مقام الصوفي وعزت احواله. والناس حول طوده الشامخ، محب لأحواله وكان المحب متصوفاً لسيره مع كبار المشايخ.
والمتصوف فيما يبدو وهو ما سمي في عرف اليوم بالسالك صاحب إرادة وعزم، آخذٌ بآداب وسلوك الصوفي، يدل على هذا قول الجيلاني رضي الله عنه: "المريد المتصوف مكابد لنفسه وهواه وشيطانه، والمتصوف هو الذي يتكلف أن يكون صوفياً ويتوصل بجهده أن يكون صوفياً"( ).
المتصوف والمتشبه بالقوم يربط بينهما عامل مشترك، هو تحرك الباطن نحو معالي الأمور في السير للِّحوق بمن سبقه بالنوايا الصادقة.
والحديث: " المرء مع من أحب ". وقول الرسول () لأبي ذر:" أنت مع من أحببت يا أبا ذر"( ).
ويأتي المنتمي بحكم العادة والطبيعة كانتماء الحيوان إلى قطيعه، فهو الذي لم يسع إلى تغيير ما بالنفس من طبائع، ويتحرك باطنه نحو المعاني الروحية التي قصدها الصوفي بمعاناته، مع أن المنتمي لم تتحرك دواخله لتغير ما بالنفس إلا أنه قد يدخل مع أهل المسلك الصوفي بمشاركة المقصد الحسن والنية(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىءٍ مانوى).
قال الجنيد رحمه الله: " الإيمان بطريقنا وِلاية"( ). لأنه يقوم على الأسس والمباني الشرعية وهدي الأئمة العاملين المشهود لهم بالفضل والتقوى والصلاح.

الادب الصـوفي:
الأدب هو ضبط النفس ومحاولة اقتباس الاحوال السنية التي مدح الله بها رسوله ():ﮋ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮊ [القلم: ٤]:ﮋ ﯘ ﯙ ﯚ ﮊ [التوبة:١٢٨]وروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت عن الرسول () :"كان خلقه القرآن". وقال (): " أدبني ربي فأحسن تأديبي". وقال (): "الدين المعاملة".
ولما كان الأدب هو لب الدين ، اهتم أولو العلم من رجال التصوف بفحوى معانيه ودونوا كلماته لتكون ترياقا لطلابه .
قال ابن المبارك رحمه الله:"نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، فقد طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون".
وقال ذو النون رحمه الله:"إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فانه يرجع من حيث أتى".
وقد سئل ابن سيرين أي الأدب أقرب إلى الله تعالى؟ فقال:" معرفة بربوبيته، وعمل بطاعته، والحمد لله على السراء والصبر على الضراء".
ويقول الأستاذ أبو علي:"ترك الأدب موجب للطرد فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب ومن أساء الأدب على الباب رد إلى سياسة الدواب".
وقال الجنيد رحمه الله لأبي حفص:"أدبت أصحابك أدب السلاطين".
فقال أبو حفص:"حسن الأدب في الظاهر عنوان الأدب في الباطن".
وقال ابن المبارك:"الأدب للعارف كالتوبة للمستأنف".
وقال أبو النصر الطوسي:"الناس في الأدب على ثلاث طبقات، أما أهل الدنيا فأكثر أدبهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسماء الملوك وأشعار العرب. وأما أهل الدين فأكثر أدبهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ الحدود وترك الشهوات".
وأما أهل الخصوص فأكثر أدبهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب( ).
وقد أفاض القوم في الحديث عن الأدب نثراً ونظماً لما فيه من منافع تهذيب النفس، وتأديب الجارحة.
وهي لاتعني استكانة الظاهر ليرى ما على صاحبها من حال تواضعٍ يوجب المدح الادب وهو التخلق بما وصف كبار الشيوخ ،ولنا في هذا ان نأتي بإبيات من قصيدة صاحب المباحث الأصلية ( ):
قال
للطريق ظاهر وباطن
تعرف منه صحة البواطن

ظاهره الآداب والأخلاق
مع كل خلق ماله خلاق

باطنه منازل الأحوال
مع المقامات لذي الجلال

وقيل من يحرم سلطان الأدب
فهو بعيد ما تدانى واقترب

والآداب في جملتها صياغة لشخص المريد، لأن مراد الشيوخ منها تهذيب الانسان للإستفاده منه لدفع حركة الدين في الحياة ،وفي الابيات التي امامنا من المباحث الاصليه توضيح جيد لحقيقة الآداب الصوفية فمن قول صاحبها :
وهو أيضاً للفقير سندٌ
وللغني زينةٌ وسؤدُدٌ

فالقوم بالآداب حقاً سادوا
منه استفاد القوم ما استفادوا

إذ نصحوا الأحداث والأصاغر
وحفظوا السادات والأكابر

واجتنبوا ما يؤلم القلوبا
وابتدروا الواجب والمندوبا

وخدموا الشيوخ والإخوانا
وبذلوا النفوس والابّانا

وأنصتوا عند المذكرات
واحترموا الماضي معا والآتي

والقصد من هذا الطريق الأدب
في كل حال منه هذا المذهب

قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه آداب الفقير المتجرد أربعة:"الحرمة للأكابر والرحمة للأصاغر والإنصاف من النفس وعدم الانتصار لها( )".
وتناولت أقوال المشايخ:التصوف انه معاني خلقية فاضلة لابد من اكتساب أحوالها ، وليس من سمة يوصف بها التصوف أفضل من كلمة الربانية ويصدق الحديث فيها قول الجريري:"إن التصوف التخلق بكل خلق سنيٍ والخروج من كل خلق دني". عبارات تؤخذ من معاناتهم في سبيل تحقيق الذات الفانيه بما هو أفضل وعظيم، توضح هذه الاقوال معنا عظيماً لكلمة التصوف أي انه الربانيه ورهبانيته الجهاد ،بكل ماتعني هذه الكلمه وتحمل من معاني ساميه مطلوبة في تطويع النفس وبذلها في سبيل الخير والقرب من الله تعالى، لأن أحوالاً كثيره داخلت التصوف فحجبت الناس عن الرؤية الصحيحة، وليس حظه من هذا اقل مما دخل على المدارس الإسلامية من دس وتدليس ووضع مفتريات باسم كبار الأئمة. هذا الواقع دعى إلى كلمة يستبين بها حقيقة التصوف، ثم ما كان من عادات ونحل المت به من عدو قاصد أو صديق جاهل يتخبط عشوائياً لم يستبين الأصيل من المغشوش، وليست كلمة يعبر بها عن التصوف افضل من أنه سلوك مأخوذ من نصوص وروح السنة العملية نائياً عن كثرة الجدل الذي أفرغ في الأمة شرارة العداء.

المشـيخـة الصـوفية والعلمية:
وهي من الأساسيات التي يدور حولها رحى التصوف والعلم، وهي المرجعيه العلمية والروحيه معاً يؤب إليها الناس في قضاياهم الحياتيه منذ عصر التابعين، وقد برزت انذاك مرجعيتها بائمامية آل البيت الكريم وفقهاء المدينة السبعه وعلى رأسهم سعيد بن المسيب، وفقهاء الامصار السبعة وعلى راسهم الحسن البصري ، والائمة الاربعة وغيرهم من ائمه وعلى راسهم ابو حنيفه النعمان وبرز ايضاً من ائمة التصوف. معروف الكرخي السر السقطي وابو القاسم الجنيد شيخ الطائفه الصوفيه ثم بعد وقت من الزمن صطع نجم الاقطاب الاربعه.
عبدالقادر الجيلاني والرفاعي وابراهيم الدسوقي واحمد البدوي.
لقد كان أل البيت و فقهاء المدينه والامصار و الائمة والاقطاب مجموع هذه الكوكبه العظيمه وهي المرجعيه التي يقتدى بعلميتها طلاب وتلاميذ عَبر الزمان يعضون على ما اخذوا بالنواجز.
قال احد العلماء: " إنني أعتبر المهمة الأولى لجماعة المسلمين هي أن توجد طبقة من الشيوخ الكُمَّل تستوعب احتياجات المسلمين التعليمية والتربوية والسلوكية"(سعيد حوى).
الاهتمام بأمر المشيخة في حياة الناس لانها تعني المرجعية كما اشرنا ،وتعتبر بهذا فرضٌ من الفروض الواجبةويساعد في هذا القول الكريم: ﮋ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮊ [الفرقان: ٥٩].
ومن هذا كانت عناية رجال التصوف بالمشيخة التي تعبر عن الخبرة في مجاليها التربوي والعلمي. والأمر لم يترك من غير ضوابط تصون حرمته من تسلق الجهلاء والمفترين.
قال الشيخ أبو القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: "من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة( )".
فقد كان الحفظ و الفقه، باضافة إلتزامات وآداب اخر، أمور وجب توفرها في من يقدم لمهمة المشيخة.
قال الشيخ الجيلاني رضي الله عنه:"إن الله أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد وصاحب ومصحوب وتابع ومتبوع من لدن آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة. ثم إن جبريل عليه السلام علَّم نبينا محمداً()، وتعلم الصحابة(رضي الله عنهم)منه، ثم التابعون منهم ثم تابعوا التابعين منهم قرناً بعد قرن وعصراً بعد عصر. وما من نبي إلا وله صاحب يخلفه، وما زال الأولياء والصديقون والأبدال كذلك ما بين تلميذ وأستاذ. فالمشايخ هم أساتذة الطريق والأدلاء عليه، والباب الذي يدخل منه إليه فلابد من مريد لله عز وجل وشيخ على ما بَيَّنَّاه( )".
لقد اوفى علماء الفقه الشرعي والسلوكي المشيخة حقها بالتوضيح الذي يصون حماها من عبث المتلاعبين .
قال الشيخ أبو النجيب السهروردي رحمه الله: "رتبة المشيخة من أعلى الرتب في طريق الصوفية. وهي نيابة النبوة في الدعوة إلى الله تعالى، لأن الشيخ يحبب الله إلى عباده حقيقة، ويحبب عباد الله إلى الله. فأما وجه كون الشيخ يحبب الله إلى عباده، فلأن الشيخ يسلك بالمريد طريق التزكية، وإذا زكت النفس انجلت مرآة القلب وانعكست فيه أنوار العظمة الإلهية. ووجه كونه يحبب عباد الله إليه، فلأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله()، ومن صح اقتداؤه وإتباعه أحبه الله تعالى( )".
فقد اتضح لنا أن شيوخ التصوف لم يعظموا مرتبة المشيخة، ولم يعدوها من أعلى المراتب إلا لارتباطها برسول الله () في وجوب التأسي به. ولأن الشيخ يفرغ نفسه للدعوة إلى الله تعالى بتمكين عقائد الإسلام ومحبة الله ورسوله () في القلوب. وهذا ماجعل البون شاسعاً بين الشيخ الحقيقي وبين الادعياء ،ليس كل أحد مؤهل لمرتبة المشيخة حتى تتوفر الشروط والآداب المطلوبة.
قال السهروردي:"إن أمر الصالحين والسالكين ينقسم إلى أربعة أقسام: سالك مجرد ومجذوب مجرد وسالك متدارك بالجذبة ومجذوب متدارك بالسلوك. فالسالك المجرد لا يؤهل للمشيخة، ولا يبلغها لبقاء صفة نفسه عليه فيقف عند حظه من رحمة الله تعالى في مقام المعاملة والرياضة، والمجذوب المجرد من السلوك، يبدؤه الحق بآيات اليقين ويرفع عن قلبه شيئاً من الحجاب، ولا يؤخذ في طريق المعاملة، فهذا أيضاً لا يؤهل لطريق المشيخة ويقف عند حظه من الله تعالى مروحاً بحاله غير مأخوذ في طريق أعماله ما عدا الفرائض، والسالك الذي تُدورِك بالجذبة هو كانت بدايته بالمجاهدة والمكابدة والمعاملة بالإخلاص والوفاء بالشروط، ومثله يؤهل للمشيخة. وكون المقام الأكمل في المشيخة القسم الرابع، وهو المجذوب المتدارك بالسلوك( )".
أجمل السهروردي رحمه الله في حديثه الشروط الواجب توفرها في المريد حتى يسمح إجازته في مرتبة المشيخة، وقد تفضل بالتفصيل أيضاً صاحب الرائية:
وللشيح آيات إذا لم تكن له فما هو إلا في ليالي الهوى يسري
إذا لم يكن علم لديه بظاهر ولا باطن فاضرب به لجج البحر
وإن كان إلا انه غير جامع لوصفيهما جمعاً على اكمل ألامر
فأقرب أحوال العليل إلى الردى إذا لم يكن منه الطبيب على خُبرِ
ومن لم يكن إلا الوجود أقامه وأظهره منشور ألوية النصرِ
فأقبل أرباب الإرادة نحوه بصدق يحُل العُسر في جلمدِ الصخرِ
وايته أن لايميل إلى هوى فدنياهُ في طي وأُخراه في نشرِ
قال الشيخ عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه: "مراده بعلم الظاهر علم الفقه والتوحيد، أي القدر الواجب منهما على المكلف، وعلم الباطن معرفة الله تعالى. ثم قال إن وجد الشيخ إلا أنه غير جامع لوصف العلم الظاهر والباطن جمعاً كاملاً، فاقرب أحوال المريد معه إلى الهلاك". ثم قال:"وآيته أي علامته الظاهرة الدالة على استحقاقه لمرتبة المشيخة هي ألا يميل إلى هوى في تربيته بما يبدو من مشاهدة حاله فدنياه في استتار وآخرته في انتشار( )".
المشيخة لا تتأتى عن طريق الوراثة، كما تجري العادة الآن في المساجد الصوفيه وقد اجمل وأكمل الوصف في مرتبت صاحبها الشيخ عبدالعزيز الدباق رضي الله عنه وإلى جانب هذا نذكر قول الشيخ محمد بدر رحمه الله قال :
"الشيوخ خمسه أصناف شيخ جماعة وشيخ إرشاد وشيخ تربية وشيخ ترقية وشيخ نقلة( )". فشيخ الجماعة هو الذي يدبر لهم مصالحهم وجميع أمورهم الدنيوية. وأما شيخ الإرشاد فهو الذي يربي تلاميذه بالعلم والقرآن، وشيخ التربية هو الذي يربي تلاميذه بالسلوك والخلوى، أما شيخ الترقية فهو الذي يربي تلاميذه بالرضا حتى يبلغوا المقصود، أما شيخ النقلة فهو الذي تسعد الطائفة بنظرته، لأنه إذا نظر إلى شخص فاسق صار مجذوباً من وقته، فهو كالإكسير( ).
ثم قال:"حال رجل في ألف رجل أنفع من وعظ ألف رجل في رجل".
دواعي المشيخة في حالتيها التربويه والعمليه ضرورة لأخذ الدين عقيدةً وسلوكاً ،
والشيخ بمعارفه يختصر ويجنب الانسان عوائق السير إلى الله، ويذكر في هذا احوالاً كثيره من القواطع ولعلُ في هذا الكتاب تجدُ أمثالاً للأوهام التي تحصل للسالك وهو في حاجةٍ ماسه إلى من يختصر له مقامات السلوك
يقول احد العلماء:
إن الشيخ البصُير في الأمور يختصر لك الطريق، أيَّ طريقٍ، سواءٌ كان طريق تحصيل علم أو طريق استدلال على صلاح القلب.
إن الشيخ الكامل يجنبك الخطأ في الفهم، والخطأ في السلوك والخطأ في التصورات التي يمكن أن تنشأ عن سير الإنسان نفسه.
إن الشيخ من خلال صحبته تأخذ منه حالاً، وتأخذ منه سمة العلماء وأدبهم، ونور العلم وتنوير القلب.
إن مجرد قبول الإنسان أن يأخذ العلم أو التربية عن أهلها يحرره من كثير من الأمراض كمرض الغرور أو العنجهية أو الكبر.
وكل حال يفترض على الإنسان تحصيل شيء ولا يستطيع تحصيله إلا من جهة ما، فالأخذ عن هذه الجهة يعتبر فريضة في حقه من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
وإن كان الشيخ صالحاً وداعياً إلى هدى فان الانتفاع به في الدنيا والآخرة تدل عليه النصوص.
والتجمع حول شيخ والمشاركة في العلم والذكر و التآخي الخاص في هذه الأجواء تترتب عليه مصالح كثيرة في الدنيا والآخرة، وكل ذلك غيضٌ من فيض في محل الشيخ ومكانته( ).
الشيخ المتحقق بالمعارف يشبع خواءنا الروحي بمعارفه العلمية والروحية، وفي هذا اختصار. ثم انه يورثنا الفهم الصحيح لمعاني الدين . وبهذا يحط عن كاهلنا كثرة الأثقال، وعن أفكارنا الكثير من التخيلات المريضة، التي تحدث نتيجةً للجهل بمسار السلوك يحدث له اثنا ذالك تصورات وتخيلات تنحرف به عن الجاده من جراء وساوس الشيطان وحديث النفس، وللشيطان صورٌ للضلال حتى مع كبار الأولياء، كما حدث ذالك مع الشيخ الجيلاني قال له : قد أبحت لك المحرمات، فقال له: أخس يا لعين إن المحرمات لم تبح إلى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذه التصورات والأخطاء وقوعها في حياة السالكين جعلت كبار الشيوخ العلماء في حركة لاتفتر من التصحيح للطريق ، وبخاصةٍ فيما يتعلق بالمشيخة، فقد وضعوا لها شروطا وأحاطوها بسياج العلم والتحقيق، قال صاحب المباحث الأصلية:
ويعلم الموجود والمعلـومــــا
عــار لـمن يــرُضِ العلوما
وسائر الأحكام ما يدريـهـــا ولـم يـكـن في بــدئه فــــقيها
وســــائر الاحكام ما يدريها والحــد والأصـول واللسـانا
ولا درى مقاصد الرجـــــال ولـم يـكـن أحكـم عـلم الحال
ولا درى مراتب الوجـــــود ولـم يـدر صـفــة المعــــبود
درى منه صدره المشروحا والنفس والعقل معاً والروحا
أن يتعاطى رتبة الشـــــيوخ وعـلـم سر النسخ والمنسوخ
لحضرة الحق ظاعــــنونـا إنـما القـــوم مسافـــــــرونا
ذي بصـر بالسير والمقـــيل فـافــتـقروا فــــــيه إلى دليل
ليخــــبر القــوم بما اســتفادا قـــد ســلـك الطريق ثم عادا
الصوفي هو رجل فقيه بالعبادات والعادات مدرك لمقتضيات وقته، قوّامٌ لإصلاح ذات البين، قاضٍ لحل المنازعات، جَوَّادٌ سخيّ كريم، كافل للأيتام والأرامل، رؤوف رحيم بعباد الله تعالى، ذاكر شاكر لأنعم ربه، ناظر في قضاء حوائج الناس بالفكر وما يملك، هين لين العريكة بعيد عن القَسْوة والجفاء. هذا المعيار أوجب المشيخه في المجتمع.
الإجـازات الصـوفية والعلمية:
الإجازات الصوفية والعلمية ينبعان من اصل واحد يجعلهما يتفقان في السند والسلسلة التي تأخذ بيد صاحبها متنقلاً مع سلسلة سنده علي خطى الشرعيات. وبهذا السند المتصل تمسك أهل المعرفة والدراية من الفريقين، بما روي عن أئمة الهدى والدين.
قال الإمام مالك رضي الله عنه:" إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم( )".
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:"نحن أمة السند".
وقال النووي رحمه الله:"من المطلوبات والنفائس الجليلات التي ينبغي للفقيه والمتفقه معرفتها ويقبح به جهالتها، معرفة شيوخه في العلم الذين هم آباؤه في الدين وصلة بينه وبين رب العالمين. وكيف لا يقبح جهل الإنسان بالصلة بينه وبين ربه الكريم مع انه مأمور بالدعاء لهم وبرهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم والشكر لهم".
الإجازة عموماً إنما هي تكليف وليست تشريف بل توجب على صاحبها أعباءً والتزامات في ميدان الدعوة إلى الله. ويتدرج المريد في مراحل المشيخه وما يحفها من أخطار طالباً ألطاف الله وإعانته، وإجازة إنسان في مرتبة أو وظيفة المشيخة لا تعنى كماله، بل هي صور من الامتحان الصعب فهو في هذا بين الاجتياز والرسوب.
ومع هذا الحرج الملازم للإجازة علميةً كانت أو صوفية فإن المشيخة تعتبر شهادة تقف بصاحبها على أعتاب العلم والمعرفة بالآداب ، وهي أيضاً دافع له أن يخرق في نفسه العادة.
وقد قيل :"إن الإجازة شهادة على أهلية إنسان ما لنوع من العلم".
وفي قولٍ آخر : الإجازة في علم شهادة من أهله على أن إنساناً ما يملك النضج أو حده الأدنى في هذا العلم. والإجازة في التربية شهادة على أن إنساناً ما يملك النضج أو حده الأدنى الذي يؤهله للتربية ولا شك أن الشهادة من أهلها تبعث على الاطمئنان( )".
ودعى الامر في الاجازه ان نورد نماذج لبيان كيفيتها والعناية بها عند العلماء والمتصوفة. ومن هذه النماذج إجازة المحدث ابن الصلاح( ) قال:" إن سندي في الطريق إلى الله تعالى من أخذ القبضة إلى تلقين الذكر إلى لبس الخِرْقة يرجع إلى أبي الحسن محمد الطوسي حيث قال أخذت الخِرْقة والبيعة عن أبي الأسعد هبة الرحمن بن أبي سعيد عبد الواحد بن أبي علي الدقاق. وهو أخذها عن أبي القاسم بن إبراهيم بن محمد وهو عن ابن حموى النصرآباذي وهو أخذها عن أبي بكر بن جحدر الشبلي وهو عن الجنيد وهو عن السري السِقْطي وهو عن معروف الكرخي وهو عن داؤود الطائي وهو عن حبيب الله العجمي وهو عن الحسن البصري وهو أخذها عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو أخذها عن النبي()".
وظل العمل في حفظ سند البيعة والإجازات على هذا النمط عند المتصوفة. فقد كان من الإجازات المكتوبة في السودان إجازة الشيخ عبد الله العركي لأخيه أبو إدريس وهي : لما رأيت الأخ الطالب الراغب محمد بن دفع الله الشهير بأبي إدريس أهلاً لهذه النعمة العظيمة الشريفة لقنته ذكر كلمة التوحيد، وأجزته إجازة مطلقة لقراءة الأسماء والحزب السيفي وغير ذلك من الدعوات المذكورة، وأجزت له لباس الخِرْقة واستخلفته كما أجازني شيخي الشيخ حبيب الله العجمي( ) بن الشيخ حسن البصري، وهو أخذ عن شيخه ومرشده تاج الدين البهاري البغدادي( ).
ومن الإجازات العلمية إجازة الشيخ محفوظ بن أبي القاسم المغربي المالكي الأزهري للشيخ عبد الرحمن بن الفقيه احمد البدوي الأنصاري التي ورد في جزء منها قدم علينا بمصر القاهرة وتلقى علينا من العلم المنقول والمعقول ما تيسر بحول الله تعالى بالجامع المعمور الأزهر. وطلب مني الفقير إجازة سلسلة للعلوم كما هو معهود معلوم للجهابذة ذوي الإدراك والفهوم، فأجزته بما تجوز لي روايته، وانتهت إلى درايته من المعقول والمنقول لما رأيت من حسن الحال والإصلاح والقبول( ).
نماذج من الوثائق توضح كيفية الإجازة التي كان يعطيها الشيوخ للتلاميذ عما تلقوه من العلم والمعرفة .
الإجازة إلى جانب المضمون المعرفي توجب على الانسان المجاز العمل بقول أئمة العلم.

الخلـوة الأربعينيـة:
الخلوة من الاختلاء وهو الانفراد والاعتكاف بنية التقرب والانقطاع لله سبحانه وتعالى. وقد كانت الأمم السابقة تنقطع للعبادة في المحاريب والصوامع والدير، منهم من يعود لمجتمعه بعد ترويض نفسه، وتلك سياسة الأنبياء والصالحين المرشدين ، ومنهم من ينقطع إلى آخر عمره وأولئك الرهبان، والرهبانية هي الأمر الذي ارتفع عن امة الإسلام على نبيّها أفضل الصلاة والسلام. بقي الأمر الأول الترويض، وهو الأصل الذي استمد منه شيوخ التصوف أصول الخلوة. في القرآن الكريم أمثال لهذا القول الكريمﮋ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﮊ [آل عمران: ٣٧].ﮋ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮊ [آل عمران: ٤١]. وكانت خلوة النبي() في أول أمره أنه كان يختلي في غار حراء الليالي ذوات العدد وكان ذلك قبل الرسالة.
أما عن الخلوة الأربعينية فالأصل فيها قوله تعالىﮋ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠﮡ ﮊ [الأعراف: ١٤٢].
وفي السُّنة الطاهرة:من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. والتقييد الزمني تتبعه حِكَمٌ وأسرارٌ تغيب عمن لم يتعرف عليها، والذي يلحظ أن كل العبادات المفروضة والمندوبة لم تترك دون تقييد من حيث الكيفية والزمان . ولا يكون التقييد خاضعاً لحكم المنطق والعقل، بل يكون تبعاً لما فعله رسول الله () .
قال الإمام الغزالي رحمه الله( ):"فلا تظنن أن أفعاله() في جميع حركاته كانت خارجة عن وزن وقانون وترتيب، فإن الاسترسال مهملاً كيفما يتفق سجية البهائم، وضبط الحركات بموازين المعاني سجية أولياء الله تعالى . وكلما كانت حركات الإنسان وخطراته إلى الضبط أقرب وعن الإهمال أبعد، كانت قربته إلى رتبة الأنبياء وأولياء الله أكثر وقربه من الله أظهر".
ويواصل الغزالي رحمه الله: فنعوذ بالله أن يكون زمام حركاتنا وسكناتنا في يد الشيطان بواسطة الهوى. وقد اعتبر في ضبط الحركات باكتحال النبي () في عينه اليمنى ثلاثاً وفي اليسرى اثنين.
وقد كان التقييد الكيفي والزمني سمة أحوال الصوفية. والخلوة الأربعينية من هذه الأفعال، وأخذ بها الشيوخ العارفون تأديباً وتطويعاً للنفس، وترويضاً للقلب في سرعة الإستجابة لفعل الطاعة وترك المخالفة. والقلب هو المعني بكل الجهود المبذولة للإصلاح والجوارح تبعاً له. قال () :"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب". وقصد بالخلوة إغلاق ثلاث نوافذ: اللسان العين الأذن. فهي أكثر الجوارح انفلاتاً وتمرداً. وبالتحكم فيها يستطيع السالك التحكم في القلب وإغلاق منفذ إلقاء الواردات الشيطانية. وأكبر مساعد في ذلك كثرة الإستعاذة والإستعانة بالله تعالى، مع ضروب الذكر الأخرى.
وتبدأ الخلوة بالغسل والنية والدخول ليلاً مع تبييت نية الصيام، ثم يشرع المختلي في الأوراد المبدوؤة بالقرآن، ويرى أهل السلوك أن يكثر المعتكف من التهليل والاستغفار والصلاة على النبـي ()، وأن يجتهد في الصلوات المندوبة ويقلل من الأكل والنوم. وعلى الإنسان ترتيب من يصلي معه من أهل بيته. قال الشيخ أبو نجيب السهروردي رحمه الله: ترك المحافظة على الجماعة غلط وخطأ( ).
وللعلماء آراء حول خروج المختلي إلى صلاة الجمعة، فمنهم من رأى وجوب خروجه مع الاحتراز من إفساد الإعتكاف بعدم الإختلاط. وآخرون رأوا أن الأحوط هو عدم الخروج نهائياً والأخذ بسعة الآراء المذهبية التي ترى قيام الجُمعة بعدد قليل وبجوازها في غير المسجد( ) .
وعموماً فإن على السالك أن يجتهد في خلوته ومعتكفه على علم وفقه بالشريعة وأصول الدين. لأن الهدف الأساسي للخلوة هو تقويم النفس الإنسانية على الطريقة المحمدية عقيدةً وسلوكاً وأدباً. فمتى تجافى الإنسان عن الإتباع والتأسي بمنهج النبوة بطل عمله.






كــــرامـــات الأولـــــياء
كرامات الأولياء من الثوابت لصريح النصوص القطعية الواردة، والحديث في هذا السفر لا يأتي في صور الدفاع عنها كقضية مطروحة للنقاش، وليس لنا في توثيق وقوعها أننا اتينا بجديد، كل ذلك على سبيل التذكرة والتوضيح لأحوال جريانها.
إننا في حدود طاقتنا البشرية لا نستطيع استيعاب جريان الكرامة لخروجها عن دائرة العادة والمألوف. والأمر في صحة وقوعها شرعاً يلتبس على الكثيرين، فلا يستطيعون التفرقة بين الكرامة وبين ما يجري على أيدي الكهنة والسحرة من امور قد تكون غير عادية. ولذا كانت حاجتنا لفقه العلماء والعارفين لتوضيح ما يغمض علينا في هذا الاحوال.
قد عرّف العلماء الكرامة بأنها من جملة الخوارق غير المألوفة في حياة الناس، وقسمت الخوارق على الترتيب الاتي:
" إن حصلت الخارقة على يد نبي وإن كانت قبل الرسالة تسمى إرهاصاً، وبعدها تسمى معجزة. وإن ظهرت على يد ولي تسمى كرامة. وإن ظهرت لأحد المسلمين تسمى إعانة. وإن ظهرت على يد مدعي نبوة تسمى استدراجاً، وإن كانت خلاف مراده تسمى إهانة ( )".

هذا الترتيب للخارقة يدعوا مساقه إلى ذكر ما وقع للصالحين والاولياء من اتباع النبوات السابقة، ورود هذا لأُلئك ينبه فينا حاسة الائمان بحقيقة الكرامة،
وأخذنا من تلك الوقائع ،ما حصل لمريم بنت عمران.
ثانياً ما حدث من الذي عنده علم من الكتاب.
ثالثاً: ما حدث لفتية الكهف.
أردنا بهذه الإشارات وأخذها من الآي الكريم للوقوف على حقيقة الكرامة.
لقوله تعالى: ﮋ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﮊ [آل عمران: ٣٧].
قال الجلال المحلي رحمه الله:" قالت هو من عند الله يأتيني من الجنة( )".
وقال الشوكاني:" كلما دخل عليها زكريا في محرابها الآمن الذي لا يستطيع أحد غيره أن يدخله، وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء( )".
والإشارة لواقعت الذي عنده علم من الكتاب قوله تعالىﮋ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﮊ [النمل].
قال الجلال المحلي رحمه الله:"الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا، كان صدِّيقاً يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، قال له ((أي لسليمان عليه السلام أنظر إلى السماء فنظر إليها ثم رد بصره فوجده موضوعاً بين يديه، ففي نظره إلى السماء دعا آصف بالإسم الأعظم".
وقال الصاوي رحمه الله:"كان آصف وزيراً لسليمان وقيل كاتبه، وكان من أولياء الله تعالى( )".
وقال صاحب الظلال رحمه الله في الذي عنده علم من الكتاب:"إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال بالله تعالى، موهوب سراً من الله تعالى يستمد به من القوة الكبرى التي لا تقف لها الحواجز والأبعاد، وهو أمر مشاهد أحياناً على يد بعض المتصلين، ولم يُكشف سره ولا تعليله لأنه خارج عن مألوف البشر في حياتهم العادية( )".
إن سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام كان يعلم إمكان وقوع مثل هذه الكرامة كحدث غير طبيعي بدليل طلبه إياها، وقد طرح الطلب بصيغة ليس فيه تحديد لأحد من أتباعه، وقد كان يعلم وهو النبي المتوج بالمعجزات، أن لبعض أتباعه إتصال بالله تعالى سخر له طي الابعاد المكانية والزمانية.
هذا الطرح أتاح فرصة المقارنة بين مقدرات الجن التي هي من طبيعة تكوينه. ولهذا كانت منه المبادرة، كما ورد في القول الكريم: ﮋ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇﮊ[النمل:٣٩]. وهي مدة قصيرة قياساً على بعد المسافة التي كانت تستغرق شهراً أو تزيد. والأمر كله خارج عن طبيعة البشر .
والنبي سليمان"عليه السلام" كان يعلم حجم التحدي الذي تُسفر عنه المسألة، ومبْلَغ الدرس المستفاد من القَصَصَ حيث تصدى للأمر رجل من جملة أتباعه، وقد كان له سِرْ خفي وهو القرب من الله عزّ وجل، فأجرى علي يده أمرٌ لا يقدر عليه عادةً الناس. القضية وأحوالها لم تقع من نبي مرسل، بل من فرد من اتباع سليمان() ولكن له سِر إشراق روحي خفي، وحين طلب سيدنا سليمان"عليه السلام" (أيكم يأتني بعرشها) وهو يعرف هذا السر في صاحبه ولا يخفى عليه أمره، وقد أيده الله بالمعجزات الكثيرة، سماع حديث النملة ومنطق الطير وحديث الهدهد:
ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭼ [النمل] وقد كان قبلاً تُرّجِيع ذرات الجبال، والطير، مع مزامير الذكر، ويوضح ترجيع هذه الكائنات الصما مع النبي داؤود ()الوحي القرآني ﭽ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﭼ [سبأ: ١٠] .
وجريان الإعجازاً وهو أمر متاح للنبوات، وهناك فتح الهي غير معجزات الأنبياء تجري به يد القدرة علي من شاء الله من غير عجْزٍ أو حجْرٍ.وكان مثل هذا العطاء الخارق أيضاً لفتية الكهف.
ﭽ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﭼ [الكهف].
قال الصاوي: الخطاب للنبي () ولفظ تتزاور حيث قلبت التاء زاياً وأدغمت في الزاي، وتقرأ بالتخفيف تزاور بحذف إحدى التاءين وهما قراءتان سبعيتان. وذات اليمين وذات الشمال ظرفي مكان بمعنى جهة اليمين وجهة الشمال، والمراد يمين الداخل إلى الكهف وشماله. وذلك لأن كهفهم مستقبل بنات نعش( ). فتميل عنهم الشمس طالعة وغاربة لئلا تؤذيهم بحرّها( ).
وقال صاحب الظلال:"والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه متعمدة، ولفظة تزاور تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها، والشمس تغرب فتتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه( )".
وقد لبث أصحاب الكهف في كهفهم (ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً)، والشمس مأمورة أن تتزاور عن أجسامهم طيلة هذه القرون الثلاثة إجلالاً وتعظيماً وتلطفاً بهم أن تؤذيهم أشعتها، مخالفة بذلك سنتها الكونية التي تجري بحساب رياضي دقيق والأمر عند علماء الطبيعيات والهيئات الحسابية، إن خروجها عن مسارها الطبيعي لا يوافقون عليه ولكن يبدو أن الأمر خارج عن طور العقل البشري، تسيره قدرة إلهية بتدبير لما يجري في هذا الكون لا يعصي ذلك ذرة من ذرات الوجود.
أقـوال العلمـاء:
تعريف العلماء للكرامة يقرب إلى أذهاننا وعقولنا فهمها، وقد أردنا في هذه العجالة أن نورد أقوال البعض منهم .
قال الإمام القشيري رحمه الله:"ظهور الكرامات على الأولياء جائز والدليل على جوازه أنه أمر موهوم حدوثه في العقل لا يؤدي حصوله إلى رفع أصل من الأصول فواجبٌ وصفه سبحانه بالقدرة على إيجاده، وإذا وجب كونه مقدوراً لله سبحانه فلا شيء يمنع جواز حصوله( )".
وكان الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله يقول:"المعجزات دلالات الصدق، ثم إذا ادعى صاحبها النبوة فالمعجزات تدل على صدقه في مقالته، وإن أشار صاحبها إلى الولاية دلت المعجزة على صدقه في حاله فتسمى كرامة ولا تسمى معجزة، وإن كانت من جنس المعجزات، ومن الفرق بين المعجزات والكرامات أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بإظهارها، والولي يجب عليه سترها وإخفاؤها. فالنبي يدعي ذلك ويقطع القول به، والولي لا يدعيها ولا يقطع القول بكرامته لجواز أن تكون مكراً( )".
وقال القاضي أبو بكر الأشعري رحمه الله:" المعجزات تختص بالأنبياء، والكرامات تكون للأولياء، ولا تكون للأولياء معجزة لأن من شرط المعجزة اقتران دعوى النبوة بها. والمعجزة لم تكن معجزة لعينها وإنما كانت معجزة لحصولها على أوصاف كثيرة، فمتى اختل شرط من تلك الشرائط لا تكون. وأحد تلك الشرائط دعوى النبوة، والولي لا يدعي النبوة والذي يظهر عليه لا يكون معجزة، وهو القول الذي نعتمده ونقول به، فشرائط المعجزات كلها أو أكثرها توجد في الكرامة إلا في هذا الشرط الواحد. والكرامة فعل لا محالة محدث لأن ما كان قديماً لم يكن له اختصاص بأحد، وهو ناقض للعادة، وتحصل في زمان التكليف، وتظهر على عبد تخصيصاً له وتفضيلاً. وقد تحصل باختياره ودعائه وقد لا تحصل. وقد تكون بغير اختياره في بعض الأوقات( )".
الكرامة وهي تكون علامة صدق تدل على ولاية صاحبها، وقد تكون مكراً على بعض من تقع على أيديهم ، وهي مع وجود الفرق بينها وبين المعجزة لوقوع المعجزة من نبي معصوم، وهي قد وقعت لأتباع الانبياء وسيظل وقوعها لأتباع النبي محمد () وتعد طرفاً من المعجزة لاتصال الولي بالنبي () من حيث الإيمان وسطوع نور النبوة عليه.
يقول ابن تيمية:"وكذلك المؤمنين أتباع الأنبياء إذا أتوا بآية كانت دليلاً على نبوة النبي الذي اتبعوه ولهذا فإن أبا مسلم الخولاني لما قال له الأسود العنسي: أتشهد أنى رسول الله؟ قال: ما أسمع قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فألقاه في النار فصارت برداً وسلاماً . فكرامات الصالحين هي مستلزمة لصدقهم في قولهم: إن محمداً()رسول الله ولثبوت نبوته وآيات الأولياء عموما ًهي من جملة آيات الأنبياء، فإنها مستلزمة لنبوتهم ولصدق الخبر لنبوتهم فإنه لولا ذلك لما كان هؤلاء أولياء ولم تكن لهم كرامات( )".
وقد أجرى العلماء ان وقوع الكرامة متوقف على سلامة العقيدة بتصديق ما جاء به النبي () فعلى سلامة العقيدة يرتكز وقوع الكرامة .
أقـوال المتصـوفة في الكرامـة:
وقوع الكرامة لأتباع النبي محمد () لإرتباط الكرامة وشرطها الايمان به وهي لا تجري لمن وقعت له استقلالاً، والاستقلال بالخارقة المعجز لا يحدث إلا لنبي.
ولشيوخ التصوف نظرة فيمن وقعت الكرامة علي يده ، يرون الوقوف معها من القواطع وعلى من يقدر على إخفائها عليه ذلك، وإن ظهرت عليه غلبة فلا حرج.
قال سهل بن عبد الله رحمه الله:"أما الآيات والكرامات فشيء ينقضي لوقته، ولكن الكرامة أن تبدل خُلقاً مذموماً من أخلاق نفسك بخُلق محمود( )".
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله:"لا تعطى الكرامة لمن طلبها وحدث نفسه بها ولا من استعمل نفسه في طلبها، وإنما يعطاها من لا يدري نفسه وهو مشغول بمحاب الله تعالى ناظر لفضله آيس من نفسه وعمله( )".
ويُروي أن الشيخ النوري رحمه الله قال:"كان في نفسي من الكرامة شيء، فأخذت قصبة من الصبيان وقمت بين زورقين ثم قلت:وعزتك لئن لم تخرج لي سمكة فيها ثلاثة أرطال لأغرقن نفسي، قال:فخرجت لي سمكة فيها ثلاثة أرطال، فلما بلغ الجنيد ذلك قال:كان حكمه أن تخرج له حية تلدغه، لو لدغته لكان أنفع له في دينه، لأن في ذلك فتنة وفي لدغ الحية تطهير وكفارة( )".
فقد خشي أستاذ الطائفة الصوفية رحمه الله على تلميذه النوري الوقوف مع الحظوظ ورؤية النفس وهي إحدى فتن الكرامات. وقال في ذلك أيضاً الشيخ محمد بدر رضي الله عنه:"لو عرضت لك الأكوان قائلة مرحباً بفلان بن فلان فلا تجعل لها أثراً ولا مقاماً واجعلها وهماً وخيالاً فإن قالت لك: أَلَكَ حاجة؟ فقل لها: أما إليك فلا، وأما إليه فبلى، فإن قالت لك ألك حاجة اسأله؟ فقل حسبي منه علمه بحالي، ثم تخاطبك حقائقها تقول لك إنما نحن فتنة فلا تكفر، فالذي تعتقده أمامك. وقال: كم فقير قيدته الكرامة وردته إلى الملامة في الدنيا قبل القيامة( ).
الكرامة كأمر خارق قد تحدث للسالك في مبدأ أمره وهي إما أن تدعوه إلى زيادة في الطاعة ورؤية نعم الله عليه أو أن تكون ابتلاءً واختباراً. فإذا تحقق بالإيمان والعلم نادته حقائق الأشياء :سر إلى الأمام فلا تحجب بنا فإنما نحن فتنة فلا تكفر.
وقال السيد إسماعيل الولي رحمه الله:"إن الله سبحانه وتعالى إذا علم صدق عبد في العبودية وتأهيله بأوصاف الربوبية، جعل قلبه وعاءً للأسرار، وكشف عن بصيرته الغطاء فيرى بعين بصيرته كما يرى بعين بصره، فلا يحجبه جدار. فتخرق له العادات، ويمده بأنواع الكشوفات ويفتح لكل عبد بحسب منزلته ويشاهد بحسب درجته".
وللسيد إسماعيل مع هذا الحديث استدراكاته للمريد والسالك، فلا يذهب في متاهات الجهالة من غير ترشيد يُعطيه الحذر واليقظة المطلوبة من قواطع الطريق، قد يكون ما تبدى للسالك لوايح شيطانية وفتنة وامتحان للنوايا وخلوصها في العبادة. فقال:"الفتح ليس بخالص لأهل العبودية بل يشاركهم فيه أهل الظلام المستدرجون. فأهل الظلام يفتح لهم فيسري الظلام في ذواتهم فيبعدهم عن معرفة الله تعالى باستيلاء الشيطان عليهم وعونه لهم. وأهل الورع يفتح لهم فيسري النور في ذواتهم فتشرق فيها شموس المعارف فيشاهدون ما بدا لهم على معرفة الله باطناً وظاهراً. ثم يقول صاحب الفتح الرباني إنه مع ذلك لم تؤمن عاقبته من اللحوق بأهل الظلام حتى يرى النبي صلوات الله عليه وسلامه يقظة( )".
ولعل المسالك الروحية والفتح فيها وعظمته مُعرضٌ صاحبها للمخاطر الشيطانية واقتناص الشيطان لأصحاب المسالك الروحية أكثر من غيرهم. لأن صاحبها أوشك من القرب ومن أعتاب الغيب المحجوب وأوشك أن يؤخذ بيده إلى مراقي الأمان، وهذه مرتبة بلا ريب يكثر حولها القتال وسيلان الدماء، ولكبار الشيوخ الذين ارتادوا هذه المجاهل حديث يدور حول هذه الاحوال.
قال الشيخ إبراهيم الكباشي رضي الله عنه في سياحته الروحية:"جاء الحق والباطل يستبقان فيؤخر أحدهما الآخر فسبق الباطل الحق فأردت أن استفيد منه، فجاء ملك فأخر الباطل وقدم الحق الذي لا عقوبة فيه ففرحت، وظننت أنى من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لكون اصحبني احد ملائكة الله( )".
ليس هناك شيء أخطر من الباطل فيصحب الإنسان في قمم الفتح ومصاعد الروح ملاحقاً له بتلبيس الشياطين وأباطيلها، وكان أهل المعرفة بهذه المعاني شديدوا الاحتراز واليقظه من الوقوع في أحابيله.



فـائـدة قصَـصَـهـا:
يجري السؤال ثراً عن فائدة قَصَصَ المعجزات والكرامة؟. ماهو فائدة تداوله بين الناس وتدوين العلماء لذلك، عل ما حدى إلى ذلك ما كان في آيات القرآن الكريم، ومضابط السُّنة، في هذه المضابط نقف على كثرة المعجزات التي وقعت للأنبياء عليهم السلام. وكذلك على أنواع من الكرامات للأولياء.
لا ريب أن ذكر وتدوين هذه الآيات له فائدته في زيادة النواحي الإيمانية، وقد اهتدى جمع كثير برؤية المعجزة. والقرآن الكريم يقص علينا ما وقع للسحرة مع عصى موسى عليه السلام، ومن هذا علم أنه لم يكن تدوين قصص الخوارق عبثاً لا طائل له. قال تعالى:ﮋ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸﭹ ﮊ [هود: ١٢٠]. وورد في دواوين السنة قصص من ذلك عن النبي()أنه قص على أصحابه أن بقرة تحدثت لصاحبها فقالوا سبحان الله بقرة تتحدث قال:"أؤمن بهذه وأبو بكر وعمر ( )". وفائدة هذا ربط المجريات بقوة كبرى مهيمنة علي نظام الكون الدقيق إيجاداً وعدماً، بقدرة خارقة لنواميس الطبيعه، الايمان بهذا يرتقي بنا من حبس الفكر والتفكير في دائرة النظرة المادية الضيقة .
ويأتي سؤال عن الكرامة هل لها مقاييس وقوانين تضبط وقوعها أم أنها خارجة عن دائرة التحكم العقلي؟
من خلال التتبع لوقوع الآيات على أيدي من وقعت لهم، أنها لم تجر على خط واحد في أحوالها ، المُجري لخرق نواميس الكونيات هو الله سبحانه وتعالى سواءً كانت بطلب أو بغيره.
قال ابن تيمية:"الآيات التي بعث الله بها الأنبياء قد يكون لها مثيل لنبي آخر مثل إحياء الموتى، فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع النبي، كما وقع لطائفة من هذه الأمة ومن أتباع عيسى يقولون بإيماننا بهما وتصديقنا لهما أحيا الله الموتى على أيدينا( )".
الكرامة لا يخضع وقوعها للعقل، لأن أحوالها تتعلق بقدرة الله تعالى تقع كيف ما شاء وقدر.
نمـاذج لبعض الكرامات:
لقد فرض علينا الحديث عن كرامات الأولياء أن نذكر قليلا مما وثق عمن وقعت لهم ومن هؤلاء الشيخ عبد الباقي النيَّل رضي الله عنه فقد وثّق لكراماته الشيخ عبد الباقي المكاشفي الذي أفرد قصيدة ذكر فيها بعض ما ورد عنه من كرامات يقول مطلعها:
ولي الله ذو الفيض السيل أهـــلاً اســـتاذنا الــنيّل
ثم يقول في جزء منها:
كرامتك منها الهِرة من وادي شعير جات منسره
إشتـكـت لك ألم الضــرة مـن سـيـده لـيها مضـرة
ويُحكى أن صاحب تلك الهِرة كان كلّما ولدت ذبح أبناءها. فلما كثر عليها الضر ذهبت الهِرة من وادي شعير إلى أم قرقور واشتكت إلى الشيخ النيَّل ما كان يقع عليها من الضرر. فأبقاها الشيخ معه. ثم جاء صاحبها بعد زمن زائراً الشيخ النيَّل ولما أراد الانصراف أشار له الشيخ إلى الهِرة قائلاً:أتعرف هذه؟ فقال نعم إنها لي. قال:إنها جاءت شاكية إنها كلما ولدت ذبحت أنت أبناءها. فأقر الرجل بذلك، وتاب أمام الشيخ ألا يعود إلى ذلك. فأمره أن يحملها معه ويحسن إليها.
ويروى أيضاً أن امرأة جاءت إلى الشيخ النيَّل شاكية أمر ولديها الذين اختطفهما بعض القناصة. وطال انتظار المرأة بالمسيد وترددها علي الشيخ. فذكرت ذلك لتلميذه الشيخ أحمد المكاشفي. فقال لها:عندما يخرج الشيخ لحلقة الذكر في يوم العيد، تعرضي له وقولي:
يا النيَّل يا بحر التاكا انا لي سنتين في رجاكا
وزينك وجدادك كاكا اولادي شالوهم الشلاكة
ففعلت ولما سمعها الشيخ قال:الله! فظهر الولدان أمام الشيخ ووالدتهما وعلى مرأى من الجميع وفي يد أحدهما مكمامة( ).
وهنالك أيضاً قصة مشهورة عن الفقيه ود بقادي الذي كان ينكر علي الشيخ النيَّل ولايته ويرى ما يظهر علي يده من كرامات أنه سحر. وكان يكرر دائماً في درسه عبارةنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةمن يزور أم قرقور كافر بالله والرسول). فقد خرج ود بقادي ذات يوم إلى الخلاء وهو بضواحي سنار، فلم يلبث إن وجد نفسه في مسجد الشيخ النيَّل فالتف حوله الناس وصاروا يرددوننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةود بقادي زرت أم قرقور، أنت كافر بالله والرسول!). فطلب منهم أن يدلوه على خلوة الشيخ النيَّل. فأتاه وجلس أمامه معلناً عن توبته عن انتقاداته وسلك عليه طريق القوم فأرشده إرشاداً كاملاً فصار ينظر إلى اللوح المحفوظ.
وقد كان الشيخ النّيل داخل خلوته التي طال فيها مُكثه للعبادة، وحين تهيُّئه للخروج منها أتى رجل وتحدث مع الشيخ أحمد المكاشفي عن الأمطار وقال: (البلد كلو نيّل إلا بلدنا ده). فسمع الشيخ عبد الباقي كلمة الرجل فقال (يا أحمد ولدي، نحن برضو نيّلنا).
وعند ذلك اخضر كل شيء حول الخلوة، حتى شعب الخلوة والأوتاد التي تربط عليها الزوامل. وهذه الكرامة كانت هي السبب في تسميته بالشيخ النيّل وقد أشار إليها الشيخ عبد الباقي المكاشفي في قوله:
ولى الله ذو الفيض السيل أهـــلاً أُســـتاذنا النيّل
وأخيراً تروى قصة حدثت عندما كان متجهاً إلى سنار بدعوة من ملوكها بسبب اتهام ود بقادي له بالسحر من كثرة وقوع الكرامات علي يده. وأثناء ذهابه سمع ضجة الناس، فقال لتلميذه أحمد المكاشفي: ما هذه الضجة؟ فقال له: هذا سوق. فقال الشيخ: (سوق مع سوقنا) فلم يبق أحد في السوق إلا وتبع الشيخ النيّل.
فساروا معه فقال له تلميذه أحمد المكاشفي: يا سيدي هذا سوق مسلمين يعيشون فيه فقال الشيخ النيّل عند ذلك: الله الله الله! ارجعوا أيها الناس إلى أسواقكم. فرجع الناس.
ومن كرامات الشيخ طه الأبيض :
ومما يروى متواتراً عن الشيخ طه الأبيض البطحاني، أن أهله البطاحين قتلوا بعضاً من جنود السلطنة السنارية الذين جاءوا لأخذ الضرائب الحكومية. ويبدو أن السلطنة أعدت لهم حملة تأديبية جزاء ما فعلوا بجنودها. وعندما شعروا بقدوم الحملة عرضوا الأمر على الشيخ طه وطلبوا منه حلاً. فقال لهم إني أمسك لكم سر السلاح فلا يعمل يوم وليلة فقالوا ليس في هذا حل. ولما تضايق الأمر طلبوا منه أن يخرجهم شرق النيل وقدم الشيخ طه معهم إلى أن وقف على النيل ثم تقدم وقالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةكل ولي علي قدم نبي وأنا علي قدم موسى الكليم، أو قال أنا عبد الله حق، ثم ضرب النيل بعصاه وسار الناس عليه)، وكان على رأسهم الشيخ أبو شريحة( ).
ومن كرامات الشيخ عبد الباقي المكاشفي، يروى أن الأستاذ عبد الرحمن حماد الذي كان أستاذاً بالمعهد العلمي بأمدرمان رأى في منامه الشيخ المكاشفي، وتكررت عليه الرؤيا، فسأله الأستاذ عبد الرحمن حماد عن اسمه في النوم فقال: أبو القرشي، وقد كان الشيخ المكاشفي يكنّى بهذا الاسم، فقرر الأستاذ حماد زيارة الشكينيبة وجاء متنكراً مغيراً لهيئة العلماء، ولبس سكيناً وحمل في يده عصا غليظة وجاء إلى الشيخ ووجده في حلقة العلم وجلس جلسة غير المتأدبين، وعندما وصل التلميذ الذي كان يقرأ على الشيخ مكاناً معيناً أمره المكاشفي أن يعطي الكتاب للأستاذ عبد الرحمن حماد. قال الأستاذ:برغم تنكري كاشفني الشيخ لأنه لم يكن يعرفني هناك أحد وما حضرت عنده قبل ذلك( ).
وروي أيضاً أن مهندساً ألمانياً كان يعمل في خزان مكوار وجبل أولياء لاحظ كثرة ذهاب الناس إلى المكاشفي، فدعاه حب الاستطلاع لرؤية الشيخ المكاشفي، فركب عربته إلى الشكينيبة وجلس هناك أمام الشيخ، فرحب به الشيخ بلغته النمساوية فتجاوب مع الشيخ، وأخذته الدهشة عندما علم بأن الشيخ لم يدرس أي لغة أجنبية ولم يخالط أهلها، فأسلم الرجل بعد ذلك وسمي نفسه عبد القادر وأخذ على المكاشفي عهود الطريقة الصوفية، ثم سافر إلى مصر بعد ذلك فتزوج بها وقضى بها فترة من الزمان، ثم جاء به القدر وتوفي في مسيد الشيخ المكاشفي ( ).

علُّ الكتاب أهتم في مسار بحثه بجمع نذر يسير من كرامات الأولياء. للذين يحبون الارتواء من هذا النبع الرباني، وكذلك للذين يريدون أن يتعرفوا على كرامات الأولياء وواقعها من الشرعيات، حرص الكتاب في رحلته أن يكون الحديث عن الكرامة مستدلاً عليها بآيات الكتاب الكريم، والسُّنة المطهرة، وكذلك أقوال العلماء على مختلف مناحيهم الفكرية والروحية، وهذا المدخل لحدث الكرامة سمح لنا أن نسطر ما جمعنا من مصادر سواء كانت شفهية أو مسودة في أوراق. والحديث في ما حصل بين الشيخ ود عيسي والشيخ إبراهيم الكباشي الذي كان آنذاك من طلاب حلقته العلمية.
يروى أن رجلاً أودع الشيخ إبراهيم ود عيسى أمانة، فأحالها الشيخ إلى أحد تلاميذه. وبعد زمن أتى صاحب الأمانة لأخذ أمانته، ولكن التلميذ المذكور كان قد انتقل إلى رحمة مولاه. فاهتم الشيخ إبراهيم ود عيسي، وانشغل باله وترك الدرس. وكان الشيخ إبراهيم الكباشي من بين تلاميذه آنذاك. فسأل عن سبب تأخر الدرس، وعلم أن الشيخ بداخل خلوته، فدخل عليه وسأله فأخبره بالأمر. فقال له الكباشي:أتعرفون مقبرة الرجل؟ قال:نعم. فتوجه الشيخ الكباشي ومعه الشيخ ود عيسى وبعض التلاميذ إلى المقبرة. فقال الشيخ الكباشي مخاطباً الميت: السلام عليك يا فلان. فرد عليه. فسأله:أين الأمانة التي أمنك إياها الشيخ؟ فقال له: في الخلوة الفلانية مدفونة تحت الزير. وهم يسمعون كلامه! ثم ذهبوا فوجدوا الأمر كما وصف صاحب القبر( ).
ويروى أيضاً( ) أن السيد الحسن الميرغني رضي الله عنه زار الشيخ الكباشي بصحبة عدد كبير من الناس، فتسامع تلاميذ الشيخ الكباشي بهم وهم على أبواب المنطقة. فأخبروا الشيخ الكباشي وهم في غاية الوجل إذ لم يكن هنالك ظل ولا فرش يسع هذا العدد من الزوار ويليق بمكانتهم، وليس هنالك ما يكفي من الزاد لإكرامهم. وكان الشيخ بداخل خلوته، حتى وصل القوم، فإذا به ينادي بكلمتين سمعهما منه الناس دون أن يرو المنادي: (هاتوا – هات)، وإذا بالخلوة ملأى بالخيام والسجاجيد، فأخرجها مريدوه من داخل الخلوة. ثم أعاد نداءه: (هاتوا – هات)، فأسقى الناس ماءً ممزوجاً بالعسل، وبعدها كرر الشيخ نداءه: (هاتوا – هات)، فأُحضر طعامٌ مكون من اللحم والقمح فأكلوا حتى شبعوا جميعاً. وبعدها سأل السيد الحسن الناس عما إذا كانوا قد أكلوا جميعاً صنفاً واحداً من الطعام، ولما كان الرد بالإيجاب نهض وقال في القوم: إن الكباشي أطعمكم من طعام الجنة، فهذا العسل عسل الجنة. وعندما استعد السيد الحسن للسفر ودّع الشيخ الكباشي وسألهنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةأعندك اسم الله الأعظم فتخبرني به؟)، فسكت الشيخ الكباشي برهةً، ثم قال لهنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةسأخبرك به إن شاء الله). وبعد مضي السيد الحسن رضي الله عنه بفترة بعث له الشيخ الكباشي خطاباً وهذا نصه:
(بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم صلى على سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم. أما بعد سيدي، فإنك سألتني عن الاسم الأعظم، فإني لم تربيت( ) ولم تقدمت لي فيه رؤية ولم أخبرني به شيخ ولا نظرته في كتاب. ومن اليوم الذي سألتني فيه اهتم قلبي بسؤالك يا سيدي من عصر الاثنين، وفي ضحوة الثلاثاء كنت متفكراً بقولك لنا من غير نوم ولا دهشة حال رأيت نوراً في يمين قلبي من الثقب وعليه غمامة سادّة النور، ففي نظري فيه كالقيح النابع من جسم العبد إذا رأيتموه. فبعد ذلك بفضل الله ومنِّه علينا زالت الغمامة فقرب النور عند فم الثقب، وكان يبهر مرةً مرة، حتى شاهدت فيه وعرض علي الاسم الأعظم من حروف الجلالة الأربعة من غير خلاف. والقول الثاني، متفرقة في أسماء الله التسعة والتسعين كالجوهرة الفردية ودخولها في جميع الأسماء كلها، والله أعلم بالصواب. وكل ولىٍّ حقيقةً عنده اسم الله الأعظم، وإن كان لم يعرفه يُعرف به، ولكل نبي ورسول وله ذلك الاسم زيادة غير عبادة. وأما صفة رسول الله () عند عروج الروح والذات شاهدت ذات الله وقربه إلى ربه، فخرج ذلك الاسم الأعظم من سطر اللوح المحفوظ لؤلؤة بيضاء كالطير حتى وضعت في يمين رسول الله () وكان لها سلسل يحلق بالنور الأبيض والأخضر والأحمر والأصفر، وعلى السلسلة دائرات الكائنات كلها، وغابت الدرة في يمين رسول الله()، والقول من مرِّبَّي نبي الله الخضر من غير جزم، والتحقيق مني أنها غابت في صدر رسول الله () فاطّلع على ما كان وما يكون وما هو كائن. والله أعلم بالصواب).(إبراهيم الأمين الكباشي)( ).








خـوف الأولياء:
الخوف من الله مطلوبٌ شرعاً ،وثشير إليه الآيات والأحاديث . قال تعالى:ﮋ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﮊ [الرحمن: ٤٦]،ﮋ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﮊ [النازعات]. قال النبي()"وأنا أخوفكم لله وأتقاكم"( )وقال()"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"( ).
قال القشيري رحمه اللهنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةالخوف من الله تعالى هو أن يخاف أن يعاقبه الله تعالى إما في الدنيا وإما في الآخرة. وقد فرض الله تعالى على عباده أن يخافوه قال تعالى: ﮋ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﮊ [آل عمران: ١٧٥].
وسمعت الأستاذ الدقاق يقول الخوف على مراتب: الخوف والخشية والهيبة. فالخوف من شروط الإيمان قال تعالى:ﮋ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﮊ [آل عمران: ١٧٥]، والخشية من شروط المعرفة قال تعالى:ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﮊ [آل عمران: ٢٨].
وقال الجنيد: الخوف توقع العقوبة مع مجاري الأنفاس.
ويقول الداراني رحمه الله: (ما فارق الخوف قلباً إلا خرب)( ).
والخوف من المقامات المحببة عند أهل السلوك إلا أنهم يرون أنه لابد أن يكون مقروناً بالرجاء، قال الشيخ أحمد الدرديري رحمه الله:
وسـر لمولاك بلا تناء قلِب الخوف على الرجاء
ولولا الخوف لما سار سائر وإنه سوط تخوف به النفس عند الركون والتقاعس عن السير ولولا الرجاء لما صلحت حياة سالك.
روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه سلم من صلاة الفجر وقد علته كآبة وهو يقلب يده، قال لقد رأيت أصحاب محمد() فلا أرى شيئاً يشبههم لقد كانوا شعثاً صفراً غبراً، بين أعينهم أمثال رُكب المعز. قد باتوا سجداً لله قياماً يتلون كتاب الله تعالى يراوحون بين جباههم وركبهم وأقدامهم فإذا أصبحوا ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت عيونهم بالدموع حتى بلت ثيابهم والله كأني بالقوم غافلين ثم ما روي بعد ذلك ضاحكاً حتى ضربه ابن ملجم.
قال أبو طالب المكي رحمه الله: ومن خوف العارفين بالله تعالى يخوف الله بمن شاء من عباده الأعلين فيجعلهم نكالاً للأدنيين ويخوف العموم من خلقه بالتنكيل ببعض الخواص من عباده حكمة له وحكماً منه.
وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:إن الأمور مرتبطة بالمشيئة ارتباطاً يخرج عن حد المعقولات والمألوفات ولا يمكن الحكم عليها بقياس ولا حدس ولا حسبان فضلاً عن الحقيقة والاستيقان، وهذا الذي قطع قلوب العارفين، إذ الطامة الكبرى هي ارتباط أمرك بمشيئة من لا يبالي بك.
وقال سهل خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطوة وكل حركة وهم الذين وصفهم تعالى بأن قلوبهم وجلة.
مع ذكر الكرامات كان لابد من ذكر خوف الأولياء. لئلا يغتر جاهلٌ بما سمع من كرامات الاولياء وافضال عليهم، الأمر في هذا وذاك بيد الله سبحانه وتعالى (والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء) والعارف كلّما ازداد قرباً كذلك زاد خوفاً من الطرد.
قال الشيخ الدباغ رضي الله عنه: إن الذين ألفوا في كرامات الأولياء وإن نفعوا الناس من حيث التعريف بالأولياء فقد أضروا بهم كثيراً أنهم اقتصروا على ذكر الكرامات، ولم يذكروا شيئاً من الأمور الفانية التي تقع من الأولياء الذين لهم تلك الكرامات، حتى الواقف على كلامهم إذ رأى كرامة وتصرفاً على تصرف، توهم أن الولي لا يعجز في أمر يطلب منه ولا يصدر منه شيء من المخالفات، فيقع في جهل عظيم، لأنه يظن الولي موصوفاً بوصف الربوبية، وهو أن يفعل ما يشاء ولا يلحقه عجز، أو بوصف من أوصاف النبوة وهو العصمة. الأمر الأول من خصائص الربوبية لم يعطه تعالى لرسله الكرام فكيف بالأولياء. قال تعالى لنبيه:
ﮋ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﮊ[آل عمران: ١٢٨] ثم قال: إن على الذين يؤلفون في كرامات الأولياء أن يقصدوا شرح حال الولي، فيذكروا ما وقع له بعد الفتح من الأمور الباقية الصالحة والأمور الفانية ليعلم الناس الأولياء على الحقيقة. يعلمون أن الولي تارة يدعو فيستجاب له، وتارة لا يستجاب له ويريد الأمر فتارة يقضى وتارة لا يقضى. والولي تارة تظهر الطاعة على جوارحه وتارة تظهر المخالفة عليها كسائر الناس، وإنما امتاز الولي عنهم بأمر واحد هو ما خصه الله تعالى به من المعارف ومنحه من الفتوحات( ).
تحدث الشيخ الدباغ عن حالة الضعف الذي يعتري الكائن البشرى، وايضاً يعتري الجن كمخلوق مثله في الهفوات، اشار الى ان هذه الوقائع من المعاصي لم يسلم منها حتى الولي، فهو في هذا كسائر الناس، إلا أنه يتفوق عليهم بما وفق عليه من سرعة اوبةٍ وندمٍ واستغفار، ان مقام الولاية مع ورفعته لم يمنحه العصمة لانها من خصائص النبوات .

وذكر الشيخ الدباغ أن الرجل يسمع بالولي في بلاد بعيدة فيصوره في نفسه على صورة تطابق الكرامة التي تنقل عنه، فإذا وجده على غير تلك الصورة التي سبقت في ذهنه وقع له شك في كونه ذلك الولي، ذكر أن رجلاً من الجزائر سمع بولي في فاس نُقلت إليه عنه كرامات، فصوره في نفسه شيخاً كبيراً له هيبة عظيمة، فارتحل إليه فلما وصل ودل على داره ولم يجد عليه شارة، انصرف حيث وجده على الصورة التي صورها في فكره( ).
لقد كان ذكر الكرامات والحديث فيها لانها احوال محببة تجذب النفوس إلى قصصها أنها وقائع يراد بها تصحيح مفاهيم .
يلفت نظرنا الشيخ عبد العزيز الدباغ رضي الله عنه إلى الحالة البشرية للولي. فانه يحب ويكره، يصيب في الأمور ويخطئ، ويطيع ويعصي، ويغضب ويرضى. فإذا كان هذا الفهم في التعامل من المريد أو الطالب، فانه يريح نفسه ويريح أستاذه من حَمل أثقال وعناء.
الحـال والمـقـام:
عُرّف الحال عند اصحاب السلوك أنه معنى يرد على القلب من غير تعمد لطرب أو حزن فالأحوال مواهب، أما المقام فهو الحال إذا ثبت وتمكن صاحبه منه، سمي مقاماً لإمكان إقامة الإنسان فيه مختاراً، ولذلك قيل( إن المقامات مكاسب)( ).
وقد أشار علماء التصوف إلى دوام نسبي للأحوال فقالوا: (إذا لم تدم وتتوالى فهي لوائح لم يصل صاحبها إلى الأحوال، فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تسمى حالاً. وفي هذا يقال إن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح ما قال، فقد يصير المعنى شِرباً( ) لآخذ فيربى فيه، ولكن لصاحب هذه الحال أحوال لا تدوم، فإذا دامت كما تدوم الأحوال المتقدمة ارتقى إلى أحوال فوق هذه وألطف فأبداً يكون في الترقي)( ).
وعلى هذا الفيصل بين ديمومة الحال وديمومة المقام هو أن الحال يأتي غلبة والمقام يتمكن منه السالك اختياراً. كما سلف القول الأحوال مواهب والمقامات مكاسب.
قال الشيخ السهروردي( ) رحمه الله: "القبض والبسط هما حالان شريفان". قال تعالى: ﮋ ﯯ ﯰ ﯱ ﮊ [البقرة:٢٤٥]. واعلم أن لهما موسماً معلوماً، ووقتاً محتوماً لا يكونان بعده. ووقتهما وموسمهما في أوائل حال المحبة الخاصة. وإن وجود القبض لظهور صفة النفس وغلبتها، وظهور البسط لظهور صفة القلب وغلبته. والنفس ما دامت أمّارة فتارة مغلوبة وتارة غالبة. وصاحب القلب تحت حجاب نوراني لوجود قلبه، وصاحب النفس تحت حجاب ظلماني لوجود نفسه)( ).
يرى الشيخ السهروردي أن القبض ناتج عن تأثير الحُجب الظلمانية الناتجة عن كسب الصغائر أو كانت كبائر. وهو من المقامات الذي تحصل به كآبه وانزعاج للنفس وهو أمر يخوف الله به عباده فترجع النفس إلى المحاسبة وتنظر إلى التفريط الكائن منها فترجع متدبرة القول الكريم ﭽ ﭒ ﭓ ﭔﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭼ [يوسف: ٥٣].
وأجل ما قيل في واردات الحال ما أورده الإمام القشيري رحمه الله في رسالته قال: (سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول في معنى قوله (): إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله تعالى سبعين مرة( )، انه كان () أبداً في الترقي من أحواله. فإذا ارتقى من حالة إلى حالة أعلى مما كان فيها، فربما حصل له ملاحظة إلى ما ارتقى عنها فكان بعدها غيناً بالإضافة إلى ما حصل فيها. فأبداً كانت أحواله في التزايد، ومقدرات الحق سبحانه وتعالى من الألطاف لا نهاية لها)( ).
كان الاستاذ علي الدقاق والحديث عن التعريف بالنبوة الطاهرة وقوله () : إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله تعالى سبعين مرة( لقد كان () كلما ارتقى إلى مقام لاحظ الفروق بين ما كان قبلاً وما رتقى اليه من معارف وكثرة نعم لا تُحصى فأثنى على الله بما هو اهل له واستغفره، وكل استغفارٍ وترحم منه () فهو شفاعةٌ لأمته، لان ذاته الطاهرة لم تغترف ذنباً قط، هذا الوجه وجب ان يفهم بهذه الكيفية، لان العصمة مقام رفعة انفردت بها النبوات، وقد كان ما سبق في علم الله وقَدّره وهو وضع الاوزار عن كاهل النبوة المحمدية، ونزل الوحي بهذا موضحاً رفعة العصمه وما جرى به التقدير ((ووضعنا عنك وزرك)) ((إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تاخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما))
هذا التكريم فقد جعله في مقام رفعة كما ذكر انه لم يجرِ منه ذنبٌ كعادة البشر الذين هم دون النبوات، هذا القول محكوم بسوابق العصمة التي سطرتها القدرة الصالحة لإجراء الافعال المُمْكنة من غير تقييد او تحجير على جريانها، فهل يجْوز لأحدٍ ان يصف النبوة الشريفة بذنب وقع منها؟ فإن قال قائل نعم فنسألُ أي نوع من الذنوب حام حول النبوه الشريف؟ قطعاً لايستطيع كذوبٌ ان يقول هذا او ذاك.
ونحن نحوم حول مقام النبوة الرفيع نستسمح مستأذنين أن نذكر شيئاً مما جادت به اريحِية القطب عبد السلام بن بشيش(رحمه الله) "اللهم الحِقنا بنسبه وحققنا بحسبه وعرفنا اياه معرفةً نسلم بها من موارد الجهل" وأيضاً قول أبي الحسن الشاذلي: "نسألك العصمة في الحركات والسكنات والكلمات والإرادات والخطرات من الشكوك والظنون والاوهام الساترات للقلوب عن مطالعة الغيوب فقد ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ماوعدنا الله ورسوله إلا غُرورا فثبتنا وانصرنا وسخر لنا هذا البحر".
وتحدث في هذا العارف بالله عبدالعزيز الدباغ(رحمه الله) عن الزلزلة والشكوك والابتلاءت التي تحصل لإنسان ما بسببٍ، سَواءً بخِصة إساءةٍ وتعدٍ، كالذي حدث من ربائب الاستشراق في الخرطوم عاصمة البلاد أو ما كان في غيرها من بلدان العالم، فقد كانت إساءةً لن تغفر، أو ما حدث من البعض كان من غواشي الجهل يقولون انه يقع منه مايقع من ِسائر البشر، وعلى حافة هذا الجُرف تتزلزل القلوب عن حفظ الإيمان حتى تكاد هذه الزلزله ان تخرج الايمان من قلب صاحبه او انه قد يكون خرج فعلاً، ولعله بلا عودة، ونقول عند هذا المنعطف الخطير لأصحاب هذه المقولات ماقاله الإمام علي كرم الله وجهه "أعاذنا الله رحمنا الله"










السـّماع والإنشاد
لقد كان السماع ملازماً لوجود الانسان في الحياة وهو تظلله الاكواخ المتواضعة ويتناول من وجباته ما وجد من ثمر الاشجار، وفي ظلال هذه الحياة المتواضعة تفتر شفتاه بترنم شيء من الشعر والحداء، يعبر بذلك عن أفراحه وآلامه وأشواقه. وقد أوسع الحديث عن الحداء والسماع الفنانون والشعراء.
ولنا مع هذا ان نسطر احاديث بعض العلماء في السماع وانواعه وما تعتري اصحابه من احوال، ونستحسن في هذا قول الإمام الغزالي رحمه الله قال: اعلم أن أول درجة السّماع فهَم المسموع وتنزله على معنى يقع للمستمع ثم يثمـر الفهم وجـداً، ويثمر الوجد الحركة بالجوارح، فلينظر في هذه المقامـات الثلاث:
المقام الأول في الفهم: وهو يختلف باختلاف أحوال المستمع وللمستمع أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن يكون السّماع بمجرد الطبع، أي لا حظ للسامع في السماع إلا استلذاذ الألحان والنغمات، وهذا مباح وهو أحد رتب السماع. إذ الإبل شريكة له وكذلك سائر البهائم.
الحالة الثانية: أن يسمع بفهم ولكنه ينزله على صورة مخلوق إما معّين أو غير معّين. وهو سماع الشباب أرباب الشهوات.
الحالة الثالثة: أن ينزل ما سمعه على أحوال نفسه في معاملته لله، وتغلب أحواله في التمكن مرة والتعذر أخرى، هذا هو سماع المريدين لا سيما المبتدئين. فإن للمريد لا محالة مراداً في مقصده. وقصده معرفة الله سبحانه. ولقاؤه والوصول إليه بطريق المشاهدة بالسر وكشف الغطاء، وله في مقصده طريق هو سالكه. ومعاملات هو مثابر عليها. فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب أو قبول أو رد أو وصل أو هجر أو بعدٍ إلى آخر ما يرد فلابد أن يوافق بعضها حال المريد في طلبه فيجري ذلك مجرى القدح الذي يواري زناد قلبه فتشتعل به نيرانه ويقوى به انبعاث الشوق.
الحالة الرابعة: سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى فعزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها. ثم قال بعضهم نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي واستجلاب العازب من الأفكار. وحدة الكمال من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما عجز ويصفو ما كدر. وقال آخر: كما أن الفكر يطرق العلم للمعلوم، فالسماع يطرق القلب إلى العالم الروحاني( ).
القول: إن السماع هو فهم ما يقال من منطوق موزون بتنغيم صوتي تتباين عنده الأذواق والمشارب، وكل ينهل مما راق له وصفى.
مـقـام الـوجـد:
الوجد حال يحدث في نفس المستمع من حركة باطنة يتأثر بها ظاهر الإنسان تبعاً لما في الباطن. قال الإمام الغزالي رحمة الله: المقام الثاني بعد الفهم والتنزل الوجد. وللناس كلام طويل في حقيقة الوجد أعني الصوفية والحكماء الناظرين في وجه مناسبة السماع للأرواح.
والحديث عن المناسبة الكائن بين السماع والارواح، وهو بما يعتري الارواح من حال طرب وذوق.
ونذكر في هذا ما روى عن ذا النون المصري رحمه الله دخل بغداد، فاجتمع إليه قوم من الصوفية ومعهم قوال( إي منشد) فاستأذنوه أن يقول لهم شيئاً فأنشأ يقول
فـكيف به إذا احتنكا صغـير هواك عذبني

هوى قد كان مشتركا وأنت جمعت في قلبي
إذا ضحك الخليُّ بكى أمـا تـرثـــي لمكـتئب
فقام ذو النون وسقط على وجهه، ثم قام رجل آخر فقال ذو النون: (الذي يراك حين تقوم). فجلس الرجل وكان ذلك إطلاعاً من الشيخ ذي النون فعلم أنه متكلف.
والحديث في هذا يحلو ويطيب لاصحاب الزوق والحال وقد جادة اسرار منشدي هذه المعاني بما يسكر ويهتيك العقول
أما الصوفية فقال عمرو بن عثمان المكي: لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنه سر الله عند عباده المؤمنين الموقنين.
وقال أبو سعيد بن الأعرابي: الوجد أول درجات الخصوصية وهو ميراث التصديق بالغيب فلما ذاقوه وسطع في قلوبهم نوره زال عنهم كل شك وريب.
وقال الداراني: يحجب عن الوجد رؤية آثار النفس والتعلق بالعلائق والأسباب.
أما الحكماء فقال بعضهم: في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان فلما ظهرت سرت وطربت اليها.
قال الغزالي: الأقاويل المقررة في السماع والوجد كثيرة ولا معنى للاستكثار من إيرادها، فلنستقلّ بتفهم المعنى الذي هو (الوجد) فنقول: إنه عبارة عن حالة يثمرها السماع وهو وارد حق جديد عقيب السماع، وتلك الحالة لا تخلو عن قسمين فأولها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات وهي من قبيل العلوم والتنبيهات، وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم بل هي كالشوق والخوف والحزن والسرور والأسف والندم. والبسط والقبض وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها( ).
يطول الحديث في الوجد وتفريعاته وتعريفه فلنذكر أمثلة من واقع حياة أهل الوجد.
روي عن مسلم العباداني إنه قال: قدم علينا صالح المرَوي وعتبة الغلام وعبد الواحد بن زيد ومسلم الأسواري، فنزلوا على الساحل قال: فهيأت لهم ذات ليلة طعاماً فدعوتهم إليه فجاءوا فلما وضعت الطعام بين أيديهم إذا بقائل يقول رافعاً صوته بهذا البيت:
وتلهيك عن دار الخلود مطاعم ولـذة نفس غيها غير نافع
قال فصاح عتبة الغلام صيحة وخر مغشياً عليه وبكى القوم فرفعت الطعام وما ذاقوا والله منه لقمة.
ويروى كذلك أن ذا النون المصري رحمه الله دخل بغداد، فاجتمع إليه قوم من الصوفية ومعهم قوال( إي منشد) فاستأذنوه أن يقول لهم شيئاً فأنشأ يقول:
فـكيف به إذا احتنكا صغـير هواك عذبني

هوى قد كان مشتركا وأنت جمعت في قلبي
إذا ضحك الخليُّ بكى أمـا تـرثـــي لمكـتئب
فقام ذو النون وسقط على وجهه، ثم قام رجل آخر فقال ذو النوننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةالذي يراك حين تقوم). فجلس الرجل وكان ذلك إطلاعاً من الشيخ ذي النون فعلم أنه متكلف.
ورُوي أيضاً عن الحسين النوري رحمه الله أنه حضر مجلساً فسمع هذا البيت:
تتحير الألباب عند نزوله مازلت انزل من ودادك منزلاً
فقام وتواجد وهام على وجهه فوقع في أجمة(أي كومة) قصب تقطع مثل السيوف، فصار يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يسيل من رجليه حتى تورمت قدماه وساقه وعاش بعد ذلك عدة أيام ومات( ).
أنـواع حـلـق السماع:
تعارف الناس على ثلاثة أنواع من حلق السماع، وهي حلق الذكر .
(أ) المـدائـح الـنبويـة:
عُنّون للمدائح النبوية في خضم هذا السفر بشكل بارز ضِمن ما كان من أحوال ومقامات عند رجال التصوف. فالمدائح من كبرى الاهتمامات عندهم من عهود بعيدة، وقد جاد في ميدانها الشعراء والأدباء بروائع القصائد، رصانة في الشعر وأداءً وألحاناً، فلم تخلُ حقبة من تاريخ التصوف الطويل من هذا الزاد، تمد السامع ببركة الرسول الأعظم()، وللمدائح فوائد جمة في غرس المحبة في حياة المسلمين. فقد كانت ولا تزال تزين الأعياد، وحياة الأوقات عند الشيوخ، وهي أساس وعمدُ الحياة الروحية لما عليها من معول كبير في خلق المناخ الذي يثمر في الانسان محبة الرسول(). وليس فوق ذلك تربية أو عبادة فأساس الدين وأصله محبة الله ورسوله().
(والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين)( ) وفي حلق المدائح الرائجة باحوال التأوه معطيات إمداد تكسب السامع رقة وشوقاً.
المحبة والشوق وصفان لمعاني باطنية عالية يكتنفها صدر المؤمن، وليس في الاستطاعة تشريح النواحي الباطنية لاستخراج ومعرفة كيفية المحبة، إلا أنها تفيض منفعلة بالإحساس والشعور بالمحبوب، وبمعايير أحاديث النبوة الإنسان مدعو إلى اكتساب المحبه، "والمرء مع من احب".
(ب) حلق المـولـد النبـوي:
المولد النبوي يُعنى به قراءة ماسطره بعض العلماء من سيرة النبي() نثراً ونظماً وجرت عادة مساجد التصوف في ايام اعيادها ان تزين حلقها بسماع ما يتلى ويقرء، وللقراء ذوقُ في الاداء والوقف عند مقاطع الشطرات بروعة الألحان، وجودته عند كل جماعة من القراء، له وقعه في النفوس. ومن أشهر الموالد التي تقرأ بالسودان مولد السيد محمد عثمان الميرغني، والمولد البرزنجي، وأيضاً مولد ألشريف يوسف الهندي، والشيخ عبد المحمود نور الدائم وغيرهم.
(ج) الأشعـار الصـوفـية:
وهي تندرج تحت ثلاثة أبواب:
* قصـائـد الـسـلوك : تتكون ادبيات الشعر عادةً من ابيات ذات مقاطع خاصة، ولكل فن من القصائد لها منحاها الادبي، واما مايرمى إليه الشعر الصوفي وهو ما يحث السالك على الذكر والإجتهاد ، وهو ترياق من الوصايا والتعاليم التي يحتاج إليها الإنسان في سيره إلى الله.
* قصـائـد مـدح الشـيوخ الأولياء: وهي في ذكر مناقب الأولياء والصالحين.
* البـاب الثـالـث: يتحدث عن منحى الحب الإلهي وهو مذاقٌ يرتقي بالسامع إلى مقامات مدهشة.
اعتنى رجال التصوف بهذه الأنواع في حلق الذكر أيام الأعياد المبركة وبخاصة في ربيع الاول أيام المولد النبوي الشريف والإسراء والمعراج. وتختص أيام المولد النبوي الشريف بسعة المشاركة الشعبية واتساع حلق المديح والموالد. سواءً كان ذلك في المساجد أو البيوت الخاصة، وقد ظلت حلق السماع التي تسمى الآن بحلق الذكر التي يستطيبها الناس ويتفضلون على مائدتها الروحية ، لما يجدون فيها من ذوقٍ يناسب ما بداخلهم من وجد عند ذكر النبي() وذكر أصحابه فيحدث هذا في النفوس أثراً إيمانياً عميقاً يبعث في النفوس الحب والشوق ويذكر الناس بقرن النبوة الفاضل.

الآداب والشـروط:
درج رجال التصوف في حلق الذكر ان توسم بآداب ظاهرة وباطنة يجد السامع في فحواها حالاً يثمر في نفسه الحب والشوق.
قال أستاذ الصوفية أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه: تتنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن عند السّماع فإنهم لا يسمعون إلا عن حق، ولا يقومون إلا عن وجد. وعند مجاراة العلم فإنهم لا يتكلمون إلا عن أحوال الصديقين والأولياء. وعند أكلهم الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة.
وقال أبو سعيد بن عثمان الرازي رحمه الله: السماع على ثلاثة أوجه فوجه منها للمريدين المبتدئين يستدعون بذلك الأحوال الشريفة. ويُخشى عليهم الفتنة والمراء، والوجه الثاني للصديقين يطلبون الزيادة في أحوالهم ويسمعون فيما يوافق أحوالهم وأوقاتهم، والوجه الثالث لأهل الاستقامة من العارفين.
قال أبو أيوب النّهر جوري رحمه الله: أهل السماع علي ثلاث طبقات، طبقة منهم مطرح بحكم الوقت في سكونه وحركته، وطبقة منهم صامت ساكت الصفة، وطبقة منهم متخبط عند ذوقه وهو الضعيف منهم.
وقيل للشيخ أبي القاسم الجنيد رحمه الله: كنت تسمع هذه القصائد وتحضر مع أصحابك في أوقات السماع وكنت تتحرك والآن فأنت ساكن هكذا، فقـرأ الجنيد هذه الآية: ﮋ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇﰈ ﮊ [ النمل: ٨٨].
قسم المشايخ حركات المريد في السَّماع أو حلق الذكر إلى أقسام منها ما كان غلبة ففي هذا العفو. وما كان ضعفًا أو تلذذاً بحكم الطبع فذلك حكمه إما كراهة أو إباحة.
وقال الإمام القشيري رحمه الله: وأما آداب المريد في السماع فالمريد لا تسلم له الحركة في السماع بالاختيار البتة، فإن ورد عليه وارد حركة ولم يكن فيه فضل قوة فبمقدار الغلبة يعذر. فإن زالت الغلبة يجب عليه القعود والسكون. فإن استخدم الحركة مستجلباً للوجد من غير غلبة وضرورة لم يصلح( ).
سئل إبراهيم المارستاني رحمه الله تعالى عن الحركة عند السماع وتخريق الثياب فقال: بلغني أن موسى عليه السلام كان في بني إسرائيل فمزق واحد قميصه فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام. قل له مزق لي قلبك ولا تمزق ثيابك( ). ويقول الشيخ الجنيد رحمه الله تعالى في آداب السماع انه يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فتركه أولى: الأخوان والزمان والمكان.





الحـب الإلهي
الحب هو شغف القلب بمن يهوى. والحب والمحبة، فقد ربط بينهما حب الله ورسوله الكريم(). ولا يقال في حب الرسول()بمعزل عن حب الله تعالى، كما لا ينفك شطر الشهادة لا إله إلا الله عن شطرها الثاني وهو الشهادة التقريرية أن محمد رسول الله(). وكذلك كل حب لولي أو لعالم عامل أوعبد صالح يعود أصله إلى محبة الله ورسوله().قوله تعالى:ﮋ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮊ [المائدة:٥٤] وقـال:ﮋ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮊ [البقرة:١٦٥] وعن أنس أنه قال:قال رســول الله()نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةوالله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين)( ).
ويفرض السؤال التالي نفسه:ما هي منزلة الحب في الدين؟ الإجابة علي ذلك يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:اعلم أن الأمة مجتمعة على أن الحب لله تعالى ولرسوله()فرض. وكيف نفرض ما لا وجود له؟ وكيف نفسر الحب بالطاعة والطاعة نبع الحب وثمرته، فلابد أن يقوم الحب ثم بعد ذلك يطيع من أحب( ).
الحب المطلوب تتفاوت درجاته، كما تتفاوت درجات الإيمان والصلاح، والحب الإلهي هو قمة السلوك الروحي عند الصوفية، ولا يبلغه الإنسان بالدعاوى والألفاظ، إنما هو شوق ووجد وهيام يخامر القلب فلا تضبطه العبارات. وهو عمق الدين وجوهره. والتدين بلا حب لله ورسوله()وهو قشورٌ تالفة مبتوت الصلة يحتاج إلى إعادة سلوك يقرب الانسان من شط المحبة التى ذكرت انفاً في الاية الكريمة.
رغم أن فكرة الحب الإلهي اقترنت برجال التصوف، وكان لها شيوع في القرن الثاني والثالث للهجرة، إلا أن الحديث عن منبعها وأصلها يؤخذ من الآيات القرآنية الكريمة. ﭽ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﭼ [هود:75]. كان الحب منحى روحي شفيف في باطنية النبوات الطاهرة وأتباعها الصادقين، وقد ورد في وصف أحوال النبوة المحمدية الكريمة انه كان في صلاته (يُسمع لصدره أزيزٌ كالمرجل)حباً وشوقاً لمولاه، وكان من أدعيته()نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةاللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك). وقد أشار() إلى لحظات كان يعيشها مع ربه قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة لي وقت لا يسعني فيه أنس ولا جن ولا ملك).
(قال أحد الأصحاب لرسول الله()متى أكون مؤمناً؟، وفي لفظ آخر مؤمناً صادقاً، قال:إذا أحببت الله. فقيل: ومتى أحب الله؟ قال:إذا أحببت رسوله. فقيل ومتى أحب رسوله؟ قال إذا اتبعت طريقته واستعملت سنته وأحببت بحبه وأبغضت ببغضه وواليت بولايته وعاديت بعداوته، ويتفاوت الناس في الإيمان على قدر تفاوتهم في محبتي، ويتفاوتون في الكفر على قدر تفاوتهم في بغضي، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ألا لا إيمان لمن لا محبة له).
اشار الحديث إلى المعاني التي تجعل العيش نديا هو الحب لله ورسوله()وهو ابداً منحاً عالي من مقامات الإيمان يرتفع بصاحبه تواً إلى مقام الإحسان، والحب لا تخلو منه نفس صادقة الإيمان، تلك المعاني وان تفاوت فيها الناس أفراداً وجماعات ولكن لكل نسبته من الأحاسيس والمشاعر التى تشده أن يعبر عن احواله باشواق نثرية أو شعرية، أو مايحصل من حال يعتمل في قفص الصدر تفيض منه العين دمعاً وقد ترتفع حاله عند البعض يهيم علي وجهه بين الجبال والصحاري هذا واقع كائن وقد كان في دنيا الحب والوجد،وهذا ما جعل حارثه رضي الله عنه حينما سأله النبي()كيف أصبحت يا حارثه.
فقال:أصبحت مؤمناً.
فقال لهنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة)لكل شي حقيقة فما حقيقة إيمانك.
فقال:سهرت ليلي وأظمأت نهاري...الخ.
فقال له:الزم.
يروى أيضا أن أحداً سأل سيدنا عيسى (عليه الصلوات) أن يرزق مثقال ذرة من الحب.
فقال له انك لا تستطيع، فقال النصف، فقال انك لا تستطيع حتى كانت الموافقة إلى اقل من مثقال ذرة، فبعد ثلاثة أيام فقد الشخص، فسأل أهله نبي الله عيسي (عليه الصلوات).
فقال اذهبوا إلى البرية، فسألوا الرعاة فقالو لهم هناك شخص واقف منذ ثلاثة أيام فوجدوه شاخصا لا يرد عليهم فرجعوا إلى نبي الله عيسي عليه الصلوات فابلغوه، فقال لهم(لو نشر بالمناشير لما تحرك)( ) .
الحب تختلف درجات عطاءه ومساربه في باطنية الإنسان، لكل بحسب ما قُسم له من عطاء يرتفع بصاحبه إلى اعتاب الغيب الندي والإشارة إلى ذلك قول الرسول() (اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك)، الرؤية شعور يعتري الإنسان بنداوت القلب ولين الجوانب وقشعريرة الجسم،
وفريق من الناس يمازجه الحب والشوق المحرق ، هذا لونَ وهو الذى حدى بصاحبه ان يتفجر ويقول:
طلبت المستقر بكل ارضٍ فلم أجد لنفسي مستقرا
فلا راحة لجارحة المحب ان تستقر مما اصابها من ولهٍ وحيرةٍ، لا سكون ،ولا صبر، فكلما مُد صاحبه بالسعة للإحتمال ازداد شغفاً. العيش في الرحاب الربانية تعشق علاه الأصفياء من هذه الأمة، وقد عبر عن فحواه برقائق ولطائف من الأدب الرفيع،ويسعفنا في هذا شاعرية رابعة العدوية رحمها الله:
كلهم يعبدون من خوف النـــار ويرون النجاة حظا جزيلا
أو بان يسكنوا الجنان فيحظوا بقصور ويشربوا سلسبيــــلا
ليس لي في الجنان والنار حظ أنا لا ابتغي بحبي بديـــــلا
ومما ينسب إليها ( ):
أحبك حبين: حب الهــــوى وحــــبّاً لأنـَّك أهل لـــذاكــــا
فأما الذي هو حب الهـــوى فحب شُغلتُ به عن ســــواكا
وأما الـذي أنت أهل لـــــــه فكشــــفك للحُجْب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكــن لك الحمد في ذا وذاكا
الحب تجوهر النفس وولهٌ لاتدرك ابعاده تصور العبارات الادبية، ولعل اقصيص كثير تحدثنا عن العشق واهله، وقد أشار إلى هذا ابن الفارض سلطان العاشقين رحمه الله قائلاً:
وإن مِلت يوماً عنه فارقت ملتي
على خاطري سهواً قضيت بردتي
وعن مذهبي في الحب مالي مذهب
ولو خطرت لي في سواك إرادة

وللشيخ الشبلي (247-334هـ) رحمه الله في الحب:
وأفـرده أن يجتدي أحداً رفداً
أموت بها وجداً وأحيا بها وجدا
حـرام على من وحد الله ربـه
يا صاحبي قف بي مع الوجد وقفة

وهكذا اشتد الشوق والحب بالصادقين من أصحاب هذا المنحى، ووددنا إتاحت التعبير عنه بقول () إذ قيل له: من القوي في الإيمان بك؟ فقال: "من آمن بي ولم يرني فإنه مؤمن بي على شوق منه وصدق في محبتي وعلامة ذلك منه أنه يودّ رؤيتي بجميع ما يملك، وفي رواية بملء الأرض ذهباً، ذلك المؤمن بي حقاً والمخلص في محبتي صدقاً ".
فقد كان الحب في تعبير معانيه فهو باعث لطاعة المحبوب رهن إشارته وأوامره
قال الإمام المحاسبي رحمه الله:المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم موافقتك له سراً وجهراً ثم علمك بتقصيرك في المحبة.
وقال الحسين بن منصور رحمه الله:حقيقة المحبة قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك. وقال الجنيد رحمه الله: المحبه ميل القلوب( ).
استفاد أصحاب المسلك الصوفي من التجربة الروحية التي خاضوا غِمارها، وهو إن الدين مع واجب المعرفة بنصوصه إلا أنه روح تسري رقائق لطائفه في الإنسان بحسن المعاملة. إذن علي السالك أن يتعرف علي أوجه المعاملة المفروض عليه اداؤها ، وكذلك المعاملة مع الناس في الحقوق الواجبة ومستحبات الأعمال التي تعني الإيثار، الذى يحرر النفس من رق عبودية الأشياء الحياتية، إن مبلغ مرتقي الحب إنه لا يوصل إليه الإنسان بدعوى كلمة وإن كررها ألف مرة في ألف بيت من الشعر، وتغني بها.







التجـربة الروحـية لإنسان التصـوف
تعني التجربة الروحية ومعانيها استجماع الهم هماً واحداً نحو نقطة البداية الشاقة، صراعاً مع النفس ورغباتها الضاربة في المهالك، فقد كانت البداية معالجة تهدي لنا خبرة كبيرة قدمها رجل التصوف، الإنسان في حياته لم يولد مفطور على الطاعة، وكانت التجربة وما يندرج فيها من معاني، يدلنا علي الواقع الذي قدم الإنسان اليه، وما فيه من كثرة آثام وخطايا.
قال الإمام الغزالي رحمه الله:إن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته من إتباع الشهوات أصلاً، فإن كل بشر لا يخلو من معصية بجوارحه... فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب... فإن خلا عن الهم فلا يخلو من وساوس الشيطان، بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله... ولا يتصور الخلو في الآدمي عن هذا النقص( ).
واقع المعصية والإرتكاس في حمأة الخطيئة شيء كتب على الإنسان في حياته الفانية من جراء الملحمة الشيطانية الكبرى التي عاناها آدم عليه السلام، وقد وقع في حبائلها بسلامة صدرٍ وحسن نية من غير تعمد، قدر هذا على بشريتنا عامل الشهوات والانزلاق والضعف،ﮋ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﮊ [النساء:٢٨]ولكن الرحمة المتسعة قد فتحت أبوابها ليحط الإنسان أثقاله بالاعتراف والاعتذار لله سبحانه و تعالى، والنفس الإنسانية مع ما فيها من خفايا لا يهتدي إليها كل إنسان إلا أنها كتاب مفتوح الصفحات، ولهذا ومن واقع الاعتراف بالذَلة والخطيئة كانت خطوات إنسان التصوف وتجربته العنيفة مستهدياً بقوله تعالى:ﮋ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮊ [العنكبوت:٦٩].
وكانت البداية المطلوبة في يسر بالتوبة إغلاقاً لباب المعاصي المفتوح، وإنقاذاً للنفس مما كادت أن تنغمس فيه من شهوات ضارة ومذمومة. فهذا أول باب تقرعه تجربة التدين في الإنسان، وأن عوامل تصحب النفس في أحوالها صعوداً وجذباً، انزلاقاً تارة وارتفاعاً تارة، فالتجربة الجديدة مع هذا وذاك يظل إنسان سلوكها ملازماً للمكابدة.
قال الغزالي رحمه الله:اعلم أن التوبة عبارة عن معنىً ينتظم في ثلاثة أمورٍ:
(علم... وحال... وفعل)، الأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث، إيجاباً اطرد سنة الله في الملك والملكوت، أما العلم معرفة عظيم الذنوب، فإذا عرف ذلك بيقين غلب على قلبه نار من هذه المعرفة تألم القلب، فإنه مهما شعر بفوات محبوبه تألم، فسمى فعله المفوت لمحبوبه ندماً، فإذا غلب الألم على القلب واستولى عليه، انبعث من هذا الألم في القلب إرادة وقصداً إلى فعلٍ له تعلقه بالحال والماضي والاستقبال. أما تعلقه بالحال فبالترك للذنب الذي كان ملابساً، وبالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، واما بالماضي فبتلافي ما فات جبراً وقضاءً. والعلم هو الأول المطلع على هذه الخبرات، وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين، فالإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب مهلكة( ).
الشعور بالمهلكة هو ما دعا إلى استنهاض إنسان التجربة في الحياة بحثاً عن الذات الضائعة، وعما مضى من الأحوال ما كان منها مسيئاً فلابد من محوه، وما كان متروكاً فلابد من تداركه وإحياء وقته من فريضة واجبة، أو حقوق عباد تُردّ بقدر ما يمكن أو يتيسَّر فيعمل الإنسان بالوجوه المطلوبة في ذلك شرعاً، وكانت التوبة باب دهليز التجربة الصوفية، والإنسان بذلك يقدم على واجب مطلوب منه، ومتاح التحقق بفعله إصطلاحاً وطهراً من وصمات الماضي الأليم، متى ما كان منه الصدق بالتألم والتحسر وطلب الإنفكاك والسعي، فإن ذلك يحط عنه ما سلف، ﮋ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮊ [الأعراف: ] ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﮊ [التحريم: ٨]، ﮋ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﮊ [غافر: ٣]، ﮋﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗﮊ [الشورى: ٢٥].
ومضابط السنة تبشر بفرح الله تعالى بعبده الراجع إليه بعد إبوق وشرودٍ وحيرة، فإنه الطف وأرحم به من كل راحم، قال صلى الله عليه وسلمنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةإن الله أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجلٍ في أرضٍ مهلكة... الخ)( ).
هذه المبشرات دعوة إلى العبد بالمبادرة والمجاهدة لقوى الشر المتجمعة حوله، وعليه في سفره إلى أرض التوبة أن يرتب ما يتوب منه، قال الإمام الغزالي رحمه الله: اعلم ان للإنسان أوصافاً وأخلاقاً كثيرة... ولكن تنحصر مسارات الذنوب في أربع صفات: صفات ربوبية... وصفات شيطانية... وصفات بهيمية... وصفات سبعية، وذلك لأن طينة الإنسان عجنت من أخلاطٍ مختلفة فاقتضى كل واحدٍ من الأخلاط في المعجون منه أثراً من الآثار، النزوع إلى صفات الربوبية مثل الكبر والفخر وحب المدح والثناء، والغنى وحب دوام البقاء وطلب الاستعلاء، وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق ولم يعدوها ذنوباً، وهي المهلكات العظيمة التي كالأمهات لأكثر المعاصي. الثانية الصفات الشيطانية ويتشعب منها الحسد والبغي والحيلة والخداع، والأمر بالفساد والغش والنفاق والدعوة إلى الضلال والبدع. والصفات الثالثة البهيمية يتشعب منها الشره والحرص على قضاء شهوات البطن والفرج والسرقة وأكل مال الأيتام وجمع الحطام لأجل الشهوات. والصفات الرابعة السبعية ويتشعب منها الغضب والحقد والتهجُّم على الناس بالضرب والشتم والقتل واستهلاك الأموال، ويتفرع عنها جمل من الذنوب، فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولاً ثم تليها الصفة السبعية ثانياً، ثم بالآخرة تغلب صفات الربوبية، فهذه أمهات الذنوب ومنابعها ثم تنفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح فبعضها في القلب كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس. وبعضها في العين والسمع واللسان والبطن والفرج والرجلين واليدين وعلي جميع البدن( ).
هذا الواقع أوجب على الإنسان أن يدرك ويستوعب به كلية المخاطر، ويقدر جسامة أضرارها ويعمل بيقظة جاداً عن التخلية من مساوئها واستبدال خارطتها بتطبيع جديد في لوح النفس تغاير حقيقته ما كان من منبوذٍ تعيشه النفس ركوناً وتلذذاً، ولما كانت النفس أرضية مختبر التجربة الروحية وباطنيتها وأطرافها تتعلق بالذنوب، وبما تقوم به من حركة نحوها، هذا بدأ يدعو لفورية التوبة من غير تأخير إقلاعاً وانصرافاً ومحواً فهذا التغير يقتضي تفكيراً في أقسام الذنوب التي سبقت في حياة الإنسان.
والنظر في هذا يسعفه الإمام الغزالي رحمه الله بقولهنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةاعلم إنها تنقسم إلى ما بين العبد وبين الله تعالى وإلى ما يتعلق بحقوق العباد، فما يتعلق بالعبد كترك الصلاة والصوم والواجبات الخاصة، وما يتعلق بالعباد كترك الزكاة وقتل النفس وغصب الأموال وكل متناول من أموال الغير، وما كان بين العبد وبين الله تعالى إذا لم يكن شركاً فالعفو فيه أقرب، وجاء في الخبر الدواوين ثلاثة، ديوان يغفر وديوان لا يغفر وديوان لا يترك. الديوان الذي يغفر ذنوب العباد بينهم وبين الله، أما الديوان الذي لا يغفر الشرك بالله، وأما الديوان الذي لا يترك فمظالم العباد)( ).
ولما كانت الذنوب ودواوينها على هذه الصورة من الترتيب كانت أيضاً قسمين ذنوب كبائر وذنوب صغائر، والنظر فيها أوجب الظعن من أرضها والعمل الجاد على محو سوالفها، بما رتب الشرع من وسائل أعمال قدر بها محوها وتبديلها، والمصحف الشريف هو المكرمة الإلهية دعت دلائل آياته إلى حالة إستنفار ونفير قوي من النفس، يرجح كفة الربح دائماً للإنسان علي الخسارة والحسرات، وكان قوله تعالى: ﮋ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲﭳ ﮊ [الأنبياء: ٤٧]، وقوله عزَّ وجل: ﮋ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮊ [الزلزلة]. للدقة الحسابية الفائقة في أمثال الذرة ومثاقيلها كتبت المجاهدة ودعي إليها الإنسانﮋ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳﮊ [آل عمران:٢٠٠].
المرابطة على الثغور التي يؤتى منها الإنسان وصبر القيام على أبوابها، إنه شيء ليس بالسهل لينقضي بأيام معدودة، بل هو استيعاب العمر كله، وهذا أوجب الصبر وهو مطلوب في كل الميادين التي تستنفر النفس لخوضها.الأمر في الدين وتجربة النفس يعني تطبعاً بالقيم التنزيلية، ومدارها هذا باطن الإنسان لقبولها التطبع والتطبيع(في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب)، الحديث لا يُعني بهذا اللحمة الصنوبرية القوية العضلات. إن الفساد والإصلاح فيه يشير إلى شيءٍ جوهري غير ملموس أو منظورﮋ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ [الشمس].
علم من النفس بجبلّة الخُلق. إنها قابلة لما يقصد منها وما يطرأ عليها من عوامل، وقد جعل هذا حكماء التربية والإصلاح يفكرون في ماهية الإصلاح، لما فيها من تقلبات وعدم ثبات ونقض عهد، وكان الجهد الذي سنّ انتهاجه تدريباً لها لحالتي الإنعتاق والتطبيع بالفضائل، والكسب لهذا في كل أحواله قد سمي جهاداً، والمجاهدة في عرف التصوف تعني تنظيم دقيق لأوقات وخطوات الإنسان في الحياة، وكان الحرص من أصحاب التجربة أن يكون الوقت كله ربحاً من غير إلحاق خسارة ما أمكن ذلك وكانت منهم العبارة الساخنة الخط( الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)بلا ريب للعبارة ثقلها في موازين العقول فهذا الرشد والترشيد قدر الدعوة الحارة للإنسان ظعناً نحو الكمال المنشود في آفاقه العلية. وأن تتقدم خطوات مطاياه النوايا التي تحرره من الالتفات، وتبعد عنه غواشي ظلمات النفس. والنية في هذا معناها الإدراك الواعي لكل حركة تنتفض بها ذات الإنسان نحو مقاصده، ولما كان الظعن يحتاج مساره العبادي إلى الحفظ، كانت النية المطلوبة أن تستقصي وتتحكم في كل مسترسل بحكم العادة البشرية وجهالتها، وأن تطرد كل ما يقصد منها أوهام خوارق أو تسخير جنّي أو طلب حور وقصور وغير ذلك من الحظوظ، ورغم ما للنفس من حظوظ قد يكون منها ما هو مقبولٌ في الموازين الشرعية لأنها مطلب الإنسان، ولكنها بلا ريب عند أهل المعاني دون مستوى التفاني ونسيان الذات في كمال العبادة، المقدر فيها انسحاق رؤية الذات أمام المعبود، هذه الوجهة وتفاوتها جعل النية في مقدمة العبادات أبداً تحريراً وتماشياً وتقارباً مع مفهوم الوحي القرآنيﮋ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﮊ [الذاريات:٥٦] المنطوق والمفهوم يشطب كل عبادة غير سليمة المقاصد من سجل الخلود والبقاء الأبدي، بهذا كان منتوى الاخلاص يشكل الأرضية الصلبة التي تقف عليها راحتا إنسان التجربة، إن ارتياد وقطع المسافات لوصول مطلق السعادة أمر لا يأتي بالسهل، فلابد من وسائل تيسر ما كان صعباً.
قال الإمام الغزالي(رحمه الله): السبيل إلى ذلك أن تسمعها من الأخبار من فضل المجاهدين، ومن أنفع أسباب العلاج صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة فتلاحظ أحواله فتقتدي به، إلا أن هذا العلاج قد تعذر إذ فقد في هذا الزمان، فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ومطالعة أخبارهم وما كانوا فيه من جهد جهيد.
ونذكر أمثلة رجال أسوة وقدوة في هذا السلوك والمجاهدة، قال الجنيد: (ما رأيت أعبد من السري أتت عليه ثمانٍ وتسعون ما رؤي مضجعاً إلا في علة الموت)( ).
مضى إنسان التصوف في الماضي البعيد بما بذل من جهد وصدق، وأخلص فحقق ثمرة التجربة في ذاته، وكانت بعده منهج سلوك قد لا تطيقه النفوس ولكنها تحبه وتحب أهله، لأنه إحياء لطريق النبوة الذي يلهم التقوى، ويحقق التزكية التي تعرج بالإنسان إلى أفق الغيب البعيد.
الحديث النبوي الشريف: (المرء مع من أحب).




المعـــــراج الـروحـــي
المعراج جمعه معارج وهي المصاعد التي يرتقي عليها الإنسان صعوداً للوصول الى مطلبه، ويعبر بهذا في عالم الروح، ولا نريد أن يذهب التفكير بعيداً عما يراد، كلمة المعراج الروحي تعني إنها تجربة سلوكية في واقع الإنسان، رسمت معانيها بالمعارج التي تأخذ بالنفس صعوداً إلى قمة أدق من الشعرة وأحد من السيف لصعوبة المسار والثبات علي صراطها المنصوب للطاعة، والخطوات على تلك الذروة تشكل حرجاً حقيقياً استجداه طلب الثبات وهي الاستقامة. قد ترفرف الروح ساعة صفاء على علياء تلك المصاعد، ولكن أنّى للإنسان وواقعه البشري ديمومة علي تلك المعإلى إلى انقضاء الحياة الفانية، والنفس في أحوالها أشد تقلباً وغلياناً من ماء القدر.
قال الإمام الغزالي رحمه الله: (إذا اكتملت النعمة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب خوف نقص التوبة ونكث العهد أو خوف ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله تعالى او خوف زوال رقة القلب أو خوف الميل عن الاستقامة أو خوف استيلاء العادة واتباع الشهوات المألوفة أو خوف أن يكله الله إلى حسناته أو خوف استدراج بتواتر النعم أو خوف أن يختم له بسوء الخاتمة).
مخاوف كثيرة في مصاعد السير تجعل الإنسان في حالة من الارق الدائم لا يهدأ تأرقه وقد أخاف أهل القرب أكثر وأكثر مجهول العاقبة التي لم يطلع عليها أحد ومكنون علمها عند الله سبحانه وتعالى، قال صلوات الله عليه وسلامه: ليعملن أهل السعادة بعمل أهل الشقاوة حتى يقال كأنهم منهم بل هم هم ثم يستخيرهم الله قبل الموت بفواق ناقة( ). وليعملن أهل الشقاوة بعمل اهل السعادة... إلخ السعيد من سعد بقضاء الله والأعمال بالخواتم.
ويقول الغزالي: والأمر مرتبط بالمشيئة ارتباطاً يخرج عن حد المعقولات والمألوفات، ولا يمكن الحكم عليها بقياسٍ ولا حدسٍ ولا حسبان فضلاً عن الاستيقان، هذا الذي قطع قلوب العارفين.
إن الوصول إلى الاستقامة أمر يحتاج إلى استنفار أكبر قدر من قوة الإرادة والعزم العادي بحيث لا يقبل النقض أو النكوص، والمسار اليها محفوف بالمكاره من كل حافة وتناوش فيه الإنسان أسنة فاتكة.
قال الأستاذ الدقاق رحمه الله: الاستقامة ثلاثة مدارج، أولها التقويم ثم الإقامة ثم الاستقامة. فالتقويم من حيث تأديب النفس، والإقامة من حيث تهذيب القلوب، والاستقامة من حيث تقريب الأسرار( ). فالاستقامة على قمة هرمية دقيقة، والثبات عليها يزيد من التكإلىف الصعبة، وهو مطلب الله تعالى من أنبيائه صلوات الله عليهم ثم الأمثل فالأمثل: ﮋ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ [هود: ١١٢]. الاستقامة المطلوبة في الاية المعني فيها بذلك الامة فقد جاءت الاية تعني النبي () ومن معه لانه الواسطة في البلاغ، والامة في احوال سيرها تهتدي بامره، واما الاستقامة منه () فهو امر سبق تقديره بالعصمة في أزلية العلم، ومع هذا لم يقف () عن المكابدة وخوض صعوباتها في سبيل التحقق بالشكران(افلا اكون عبداً شكورا)، الشكر مقام النبوة، ومن كان معه من الاصحاب وعامة الامة مقامها مراجعة النقص بالتوبة، هذا هو الطريق لكنه صعب فقد عان إرتياده اتباع النبوة في القرن الفاضل وماكان بعده علي مستويات مختلفة من الناس ﭽ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭼ [المزمل: ٢٠]. الاية تعني التوبة من الكفر والدخول في دين الاسلام .و الطائفة التي اشارت اليها الاية لها خصوصيتها في قيام الليل لا ينقطع جمعها ابدا الى قيام الساعة، هذا هو ديدنها في كل جيل وبعده من اجيال، لقوله() نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةلن تزال طائفة من امتي قائمة علي الحق حتي ياتي امر الله). والمعرفة بمقام النبوة الرفيع يحتاج إلى صحبة مؤدب يخرج النفس من رعونة الجهل، ونستصحب في هذا عارف بقدر من احوال النبوة وهو الشيخ عبد السلام بن بشيش قوله (اللهم الحقني بنسبه وحققني بحسبه وعرفني اياه معرفة نسلم بها من موارد الجهل ونكرع بها من موارد الفضل واحملنا علي سبيله حملا محفوفا بنصرتك). مساق هذا القول في الاية (ومن تاب معاك) ان يظن جاهل من وسوسة الشيطان له وعِكر الفكر ان شخص النبي الكريم () اغترف ذنباً اوجب عليه التوبة فلا وربك لم يكون هذا ابداً .
النظر في أحوال النبوة وما كانت عليه من جهاد ومجاهدة أمر مطلوب، وهو يجعل الإنسان في حال من الاجتهاد والخوف لا يغمض له طرف، ولا يهدأ له توتر. وفي سلوك المسار الدائم قد يحدث للروح رفرفة صفاء تتنسم خلالها نفساً من القرب يجرها إلى حال من البسط يوشك أن يطمئن صاحبه بما تلوح له من بوارق و تنسم أنفاس، ولكن مع هذا البسط يطرأ عليه حال من القبض يكاد أن يعكر جو تلك الرفرفة.
إنسان التجربة هكذا يتقلب بين الخوف والرجاء لا تطمئن له حال. فينظر إلى سعة الرحمة ولا يكاد يستريح قلبه في ظلالها الوارفة، حتى تعاجله سياط الخوف، ملهبة القلب والجسم، معكرة ما بدا من طمأنينة، ثم يتحف بالمحبة وأشواق يكاد حبورها ينسي النفس آلام الخوف. ولكن، ثمة محاسبة ومراقبة، توقظ الضمير، تذكيراً بدقة الموقف الحسابي.


معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-09-2012   #2
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي رد: كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

الباب الثاني
الشيخ عبد القادر الجيلاني( )

هو محيي الدين عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن الزاهد بن محمد بن داؤود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ابن أبي طالب، ووالدته أم الخير أمة الجبار فاطمة بنت الشيخ عبد الله الصومعي الحسيني( ).
ويبدو أن أسلافه نزحوا إلى بلاد الفرس مع من نزح بسبب الفتن التي عمت آل البيت الكريم، ولد الشيخ الجيلاني في سنة 470هـ الموافق 1532م في قصبة بلاد جيلان وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان.
قال العلامة شمس الدين الدمشقي: ولد ببلدة الجيل سنة سبعين وأربعمائة للهجرة. الجيل موضعان أحدهما لصقيع واسع مجاور لبلاد الديلم مشتمل على بلاد كثيرة، والآخر بلدة عبد القادر الجيلاني( ). ولنشأته في البلاد الفارسية لقب بالعجمي، وقد وصفه الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله بقوله: كان شيخنا محيي الدين عبد القادر رضي الله عنه نحيف البدن، ربع القامة، عريض الصدر، واللحـية طـويلة، أسمر مقرون الحاجبين خفيفاً ذا صوت جهوري وسمتٍ وقدرٍ وعلم( ).
نشأ الشيخ عبد القادر الجيلاني في بيت طاهر ينتسب للعترة النبوية الشريفة. وكان أبواه على قدم راسخ في الدين، فقد ورد أن أمه فاطمة كان لها حظ وافر من الخير والصلاح( ). وذكر الدمشقي أن أباه (كان من جملة مشايخ جيلان ورؤساء زهادهم، له الأحوال السنية وكان مجاب الدعوة)( ).
إن نشأة عبد القادر في رحاب القرآن الكريم والتقوى وصلاح الأبوين، شكلت اللبنة الأساسية في ذلك الصرح الشامخ، نشأ وروحه يحدوها حادي الشوق إلى الرحاب الربانية. وما إن بلغ الثامنة عشرة من عمره وكان ذلك عام ثمانية وأربعمائة للهجرة، حتى استأذن والدته أن تهبه لله عز وجل فانطلق إلى بغداد يطلب العلم من أساطين عصره.
وتلقى الشيخ علوم الفقه على العديد من شيوخ بغداد. وكان جلهم على المذهب الحنبلي ومنهم: أبو الوفا علي بن عقيل، وأبو الخطاب الكلوذاني، وأبو الحسن محمد بن القاضي أبي يعلى والقاضي أبو سعيد المخزومي. وسمع الحديث من جماعة، منهم: أبو غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وأبو سعيد محمد بن عبد الكريم، وأبو العنائم محمد بن ميمون الفرس، وأبو بكر أحمد بن المظفر وغيرهم من علماء الحديث. وقرأ الأدب على أبي ذكريا يحيى بن على التبريزي( ).
وأخذ الشيخ الجيلاني بالمذهب الحنبلي في العبادات، ولكنه كان يفتي على المذاهب الأربعة( ).
وكانت عقيدته على مذهب أهل السنة والجماعة، فلم يُلمح في عقيدته تعطيل أو تشبيه، قال في معرفة الحق تبارك وتعالى: (إنه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، مستوٍ على العرش محتوٍ على الملك محيط علمه بالأشياء، وهو المحرك وهو الساكن لم تتصوره الأوهام ولا تقدره الأذهان).
يقول : إن القرآن هو كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على الرسول(). وهو غير مخلوق كيفما قرئ وتلي وكتب. وهو كلام الله وصفة من صفات ذاته غير محدث ولا مبدل ولا مغير ولا مؤلف ولا منقوص ولا مصنوع ولا مزاد فيه بدأ تنزيله واليه يعود حكمه)( ).
يقول: (يعتقد أهل السنة أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام خير الأمم أجمعين وأفضلهم أهل القرن الذين شاهدوه وفدوه بأنفسهم وأموالهم، وأفضلهم العشرة الذين شهد لهم النبي() بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة، وأفضل هؤلاء العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي)( ).
قال: (نص الإمام أحمد رحمه الله على الإمساك عن جميع ما شجر بين الصحابة من منازعة وخصومة لأن الله تعالى يزيل ذلك بينهم يوم القيامة كما قال تعالى: ﮋ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﮊ [الحجر: ٤٧].
وقد رأى أن خلافة معاوية بن أبي سفيان صحيحة بعد موت عليّ، وبعد خلع الحسن بن عليّ رضي الله عنهما نفسه عن الخلافة وتسليمها لمعاوية وجبت إمامته( ).
أفاض الشيخ الجيلاني رضي الله عنه في الإجلال والتعظيم للصحابة، وكذلك زوجات النبي(). خاصة البّرة الصديقة بنت الصديق رضى الله عنهما التي أنزل الله فيها قرآناً يتلى برفعة مقامها، وموضحاً سوء عاقبة الذي تولى كِبر الإفك والافتراء، تلك لعمر الله اموراً بالغة من الفتن، تبعثها شياطين الإنس والجن في كل مكان وزمان، ولا تزال دوائر الهدم تسعى جاهدةً لا يغمض لها جفن، تسعى آناء الليل وأثناء النهار لإطفاء شعلة الدين في النفوس بالغمز واللمز في الصحابة وزوجات النبي الطاهرات.
آراءه ومذاهبه الفكرية:
وتحدث عن الفرق فقال: (أصل ثلاث وسبعين فرقة عشر فرق: أهل السنة، والخوارج، والشيعة، والمعتزلة، والمرجئة، والمشبهة، والجهمية، والضرارية، والنجارية، والكلابية. وأهل السنة طائفة واحدة، والخوارج خمسة عشر فرقة، والمعتزلة ست فرق، والمرجئة اثنتا عشرة فرقة، والشيعة اثنتان وثلاثون فرقة، والجهمية والنجارية والضرارية والكلابية كلها فرقة واحدة، والمشبهة ثلاث فرق. فجميع ذلك ثلاث وسبعون فرقة على ما أخبر به النبي (): إن بنى إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما تلك؟ قال (): من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي(1).
دعم الشيخ الجيلانى ارأه مستنداً في ذلك على حديث سارية عن النبي () أنه قال: (من يعش منكم سيرى اختلافاً كثيراً، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الإمور فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار).
وحديثه عن تلك الفرق تفصيلاً يستشف منه موقفه الفكري والعقائدي. قال عن فرقة الخوارج إنها أول الفرق خروجاً عن إجماع الأمة، (لخروجهم عن عليّ بن أبى طالب كرم الله وجهه، وسّموا (حكمية) لقولهم (لا حكم إلا الله) وإنهم يشتمون أصحاب رسول الله () وأنصاره، ويتبرأون منهم ويرمونهم بالكفر والعظائم، وإنهم قالوا: ( إن أبا موسى وعمرو بن العاص رضى الله عنهما كفرا حين حكِّمهما عليّ رضى الله عنه بينه وبين معاوية رضى الله عنه، ويزعمون أن الحيران الذي ذكره الله تعالى في القرآن علّى كرم الله وجهه حزبه وأصحابه يدعونه ائتنا - وهم أهل النهروان) .
وقد اوضح الشيخ الجيلانى القول في الخوارج، فقال: أنهم أول الفرق خروجاً عن الإجماع،وأول من أساءوا الفهم في أحكام الآيات فأطلقوا لفظ (مشرك) على المسلم، وقالوا لسـيدنا الحسن بن على رضى الله عنهما: أنت مشــرك وكان أبوك قبلك مشركاً)(1).
وقد كان فهمهم للقرآن مغلوطاً، جعلهم هذا الالتوا يقررون كفر الصحابة الأجلاء، بل كل من خالفهم بدعوة الحاكمية لله، وأن افكار هذه الفرقة ستظل باقية بين الناس ما دامت نفس منفوسة، ويصدق هذا قول الامام على كرم الله وجهه حين قيل له بعد مقتلهم يوم النهروان: (إن الله أراحك منهم، فقال: لا والله إنهم باقون في أصلاب الرجال إلى أن تقوم الساعة)(1).
أما الشيعة فقد ذكر أنها منقسمة إلى الرافضة والغالية والزيدية، (قيل للشيعة رافضة لرفضهم أكثر الصحابة وخلافة أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة إلا أن نفرا منهم وحكى عن الزيدية وهي ست فرق خالفوا الرافضة في ذلك وفي قولهم إن الأمة ارتدت بتركها إمامة علي رضي الله عنه. وأما الغالية فقد تفرقت منها اثنتا عشرة فرقة ادعت أن علياً رضي الله عنه أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم )، وادعت أيضا أنه نبي وأن جبريل عليه السلام غلط في نزول الوحي عليه)(2). علُّ الحديث عن الشيعة يسوقنا إلى تعريف كلمة التشيع، أنه يعني الموالاة والمناصرة، وقد ورد في قوله تعإلى: ﮋ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﮊ [القصص: ١٥]،وفي قوله تعإلى : ﮋ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﮊ [الصافات]، بهذا المعنى فإن الحياة لا تخلو من مشايع ومناصر، ولكن الذي طرحه الشيخ الجيلاني رضي الله وتحدث عن أحواله وأقسامه هو ما عرف في تاريخ الأمة الإسلامية بالشيعة المغالية التي ترى أن جملة الاصحاب ارتدوا إلا ستة . إن ما اصاب آل البيت الكريم في الحقبة الأموية والحقبة العباسية هو شئ جسيم ومؤلم قد تكبدوا مخاطره وصبروا علي بلواه، ولكن هذه المساوئ وجب أن تحصر في دائرة تلك التاريخية، وقد انصرم ما كان بوقته وحملت كل نفس ما كسبت من خير وشر، فمن الأجدر ألا يتعدى هذا الحدث زمانه، ويجعل الشيعة بما تحس من تقصير أسلافها مع الحسين رضي الله عنه الذي أخرجوه من مدينة جده () إلى العدو وتخاذلوا عنه، وقد ظل هذا التخاذل المذري عند فرق الشيعة (عقدة ذنب) يريدون أن يخففوا عن الشعور بالذنب: بمعادة جيل الصحابة رضي الله عنهم، وما ابتدعوا من إقامة المآتم الحسينية كل سنة، وما يحدث فيها من ضرب الصدور بالايدي، وتجريح الاجسام وسيلان الدما، فقد أتخذوا من هذه المآتم قضية يتباكون فيها بالعويل إلى منتهى الحياة، إن البكاء علي التوابيت والتباكي المصطنع طول الحياة شئ له غرابته يتنافي والرشد وسلامة العقول. يجب على الشيعة أن تفيق من غيبوبة هذا العويل الذي شاب على صنعه الأطفال والنساء.
وعلى أولياء هؤلاء الذين يتباكون أن يذهبوا بهم إلى المصحات النفسية والعقلية، مما اصابهم من وخزات وهمزات النفث الشيطاني الذي صور لهم هذه الأوهام، ودعاهم إلى صب ويلات اللعنات بكل وقاحة وسوء أدب علي جيل الذين :هاجروا وآووا ونصروا. وإن كان هذا اللعن المريض لعموم الجيل الكريم إلا أنهم أفردوا نفراً صادقاً في طليعة الأصحاب صبوا عليه بالغ الأذى وكثرة اللعن... أبو بكر الذي نزل فيه مع صاحبه قوله تعالى: ﮋ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﮊ [التوبة:٤٠]. وتتابع اللعن منهم على عمر وعثمان وعلى عائشة الصديقة بنت الصديق المبرأة مما تلتوي به ألسنة أهل النفاق في كل جيل ... وتظل الآية الكريمة شاهدةً وحافظةً لمكانتها وبراءتها ﮋ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﮊ [النور] واتلو إلى قوله تعالى ﮋ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮊ [النور: ٢٣] ويذكرُ الوحيُ التنزيلي في لوحة السورة الكريمة ما بقي من الآيات المذكرة ببرائة وافضال عائشة الصديقة، وينفي عنها مفتريات بن ابي سلول،والذين ساروا على دربه: إن الله أكرم عائشة الصديقة، وجعلها ربة الحجرة الكريمة وفراش النبوة الطاهر، الذي لا تضم وسائده خبيثة ابداًً: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ [النور: ٢٦]، نقول للذين يتباكون حول التوابيت هل عاشوا معنى هذه الآية تلاوةً وفهماً؟ طبعاًً لا. بلا ريب. إن الأدب الرفيع في التعامل الإجتماعي يدعونا إلى توقير الآباء والأجداد ومن هم اكبر سناً، ناهيك عن تلك الصفوة التي لن تتكرر أبداً في تاريخية الحياة، ما هكذا ترد الإبل يا سعد.
إن العجب وكل العجب أنهم يلفتون نظر الناس إلى أنه لم يتمتع بالأدب اللائق مع صاحبه، ويشيرون كذلك إلى عدم محبته ومجافاته، لأنه لم يصلي على الرسول () في الخطبة التي أعلن فيها وفاته، هل من عاقل يصغي إلى مثل هذه الترهات والوساوس !؟ اللهم إلا من لا عقل له. ليس علي جيل الهجرة والنصرة من حديث يقال بعد الوحي الكريم: ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﮊ [الحشر]. يبدو بلا ريب أن من نهشت أسنانهم وولغت ألسنتهم دماء جرحي الغزوات الكريمة يعسر عليهم أبداً وإلى الأبد إبصار وفهم ما انطوى بين دفتي المصحف الكريم من أفضال لذلك الرعيل الذي وفَّى، ولم يفقهوا قوله تعإلى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﮊ ، هل الذين يصبون اللعنات علي الصفوة الخيرة من الأصحاب عليهم الرضوان من أولئك الذين وصفهم الله تعإلى في الآية الكريمة يدعون بالخير لذلك الجيل؟ بالطبع لا وألف لا. إن ما بين دفتي المصحف من إفاضة بصدقهم وفلاحهم يدعو إلى حسن الأدب والتجلة لهم، والبحث والتنقيب في أحوالهم الفاضلة يدعونا أن نأخذ الأمور بأناة وروية وألا نسرع الحكم بعواطف متشنجة وتقليد أعمى. إن ما كان من دعوى المحبة المزعومة لال البيت الكريم ما هو إلا ستار وراءه خفايا أمور خطيرة قصد من جلها إلقاء السموم في نفوس بريئة، تكيل بعد الصاع تجريحاً وأذى للذين هاجروا وآووا ونصروا. هذا أمر لا تعيه نفوس خُدِّرت بجواذب التوشيحات الحزينة بكاءً علي التوابيت التي يقصد بترنيمها استراق الوعي من العقول.
المحبة إلى آل البيت والأولياء شئ يقدر منحاه وأدبه، ولكن علينا في منعطف المناحي الروحية من ضوابط تقينا شر الإنزلاق في الهوة التي لا نجاة منها. ووجب في زحمة الأفكار والصراع العقائدي المتطرف أن نترك للوحي الكريم يقرر الفروق الكائنة بين الذين تحملوا مؤنة المناصرة والذين تحملوا أذى إبان سريّة الدعوة والجهر بها مع صاحب النبوة الأعظم وبين الذين جاءوا بعد الفتح الأكبر. ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﮊ [الحديد: ١٠].
ان ما شجر بين الأصحاب عليهم الرضا أمر قضى عليه الزمان وسُدل عليه الستار بما فيه من صواب وخطإٍ، وقد كان لكل فريق رؤيته واجتهاده، ونحن بالطبع ليس لنا أن نُنصب أنفسنا قضاة ندين أو نصوِب فريقاً علي أخر، لبعد حقبة الاحداث عنا، ولكن الذي نقول: قد كان فريق اكثر صواباً من غيره
هذه الاستضاءة وجب أن تُصحح على مفاهيمها أفكارٌ خاطئة في النظر والتعامل مع رعيل الأصحاب الذين رضي الله عنهم، وفي التأسي والاقتداء بهم علمياً وروحياً بنص ما ورد: (بأيهم اقتديتم اهتديتم). إن لم يكن هذا الحديث في مرتبة الصحيح إلا أن منطوق الآية الكريمة يدعمه معناً ويرفعه إلى درجة المقطوع بصحته ﮋ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﮊ [ الأنعام: ٩٠].
ان عداء الشيعة لجيل الاصحاب فهو خطاءٌ، وتعدٍ لا يُغتفر ابداً، فقد كان منهم التجريح لهم في أعز ما عندهم، وهو الايمان بالله ورسوله().
وإن من اغرب ما تفتريه فرق الشيعة، قولهم في رقية وأم كلثوم، إنهن بنتا خديجة من زوجها الذي كان قبل النبي ()، هذا النفي والابعاد لأمرٍ مستترٍ في نفسية الشيعة، لتزويجهن من عثمان ، فإن اقرت بذلك الامر يدخلها في ضيق وحرج، وقد اجهدت نفسها في ذلك لتجد مبرراً لإبعاد مصاهرت عثمان من النبي ()،
اذ نقول لشيعة اليوم على رسلكم في ماذا كان هذا العنت والتضييق ونحن في عصر كفينا فيه شر تلك المحن والإحن. ووجب علينا ألا نشغل أنفسنا ونشغل الأمة ونلقن نفوس الابناء البريئة ما لا ينفع بل يضر يقينا ! .
علُ الشيخ الجيلاني رضي الله في احاديثه عن شتى الفرق والنحل رأى أنه سيكون في كل زمان من يبعثون الفتن الغابرة في النفوس
ولما كان هو من العترة الكريمة وشجرة النبوة، فان علمه ومعارفه تكذب مفتريات تلك الفرق، التي جعلت علم النبوة عند آل البيت الكريم فقط، نعم إن عند الذرية الطيبة علم الاسانيد المتصل وعلم فحوى الروح، ولكن هذا لا ينفي أن في الامة علماء ربانيين أصطفو لخدمة هذا الدين، الامر في نظرة الشيعة لإئمة وعلماء السنة وجب ان تكون نظرةً موضوعية بعيدة عن الغلو والتطرف ، إذا افترضنا خلو ديار المسلمين من الائمة والعلماء، إلا ما رأت الشيعة، فهل هذا صحيح؟. أو عليهم تصحيح هذا المفهوم،
فقد كان الشيخ الجيلاني كما ذكرنا فقد اخذ من مدارس اهل السنة. العلوم الفقهية واللسانية والعقلية، ويستند في ارءه واطروحاته العلمية على ما اخذ من علماء تلك المدرسة .
وهو يروي عن علمائها حديث أم بشر أنها سمعت النبي () يقول عند حفصة (لا يدخل النار إنشاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوه تحتها) . وأيضاً حديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول (): (لا تسبوا أصحابي، فان أحدكم لو انفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نُصيْفَهُ) .
والائمة والعلماء من آل البيت الشريف لم يتركوا الناس تفترسهم الوساوس الشياطنية لجيل الصحابة، فقد ورد في هذا حديث الامام زيد، ومحمد الباقر، والإمام جعفر الصادق وغيرهم، عن هذه النحلة الفاسدة. ونظروا إلى الصحابة نظرة إجلال وتعظيم عملاً بقول جدهم (): (الله الله في أصحابى، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) (1).
والمحبة لآل البيت لاتستدعى هذا التطرف والغلو من الشيعة، بل كان الواجب الأقتدى بهم والسير على طريقهم في الحياة. فقد ناصر كبار علماء السنة أهل البيت في محنهم الصعبة إبان حكم الدولة الاموية والدولة العباسية .
روي أن الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه قد أفتى بتأييد ثورة الإمام زيد بن على رضى الله عنه سنة ۱۲۱ضد الحكم الأموي، وبصرف الزكــاة لتأييد هذه الثورة(1). وكذلك الإمام مالك رضى الله عنه ناصر آل البيت في ثورتهم ضد العباسيين.
وكثير غيرهم أمثال الامام الزهري وسفيان الثوري وقد استفتى الناس الامام ملك في مبايعتهم الإمام محمد بن الحسن النفس الزكية، وقالوا إن في أعناقنا بيعة لأبى جعفر، فقال مالك: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين(2). وجاء اليه محمد بن جعفر يشكو المحنة والاضطهاد فقال مالك: أصبر حتى يجئ تفسير هذه الآية: ﮋ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﮊ [القصص: ٥ ].

سلوكه الصوفي:
فقد صحب في اول دخوله العراق الشيخ أبا الخير حماد بن مسلم بن دروة الدباس وأخذ عليه بيعة السلوك الصوفي، ولبس الخرقة من القاضي أبا سعيد المبارك بن علي المخزومي الذي سبق أنه كان أستاذاً للشيخ عبد القادر في علوم الفقه الحنبلي فروعاً وأصولاً، والمخزومي لبس خرقة المشيخة من الشيخ أبا الحسن علي بن محمد القرشي ويقال له الكهاري، وهو من أبي الفرج الطرطوسي وهو من الشيخ عبد الواحد التميمي وهو لبسها من الشيخ الشبلي، وهو من الشيخ أبا القاسم الجنيد شيخ الطائفة الصوفية، وهو من خاله سرالسقطي وهو من معروف الكرخي وهو من داؤود الطائي وهو من حبيب الله العجمي وهو من سيدي الحسن البصري وهو من الإمام علي رضي الله عنه وهو أخذ من الرسول () إلى آخر من انتهت اليه علوم وآداب هذا الطريق.
ومن طريق آخران داؤود الطائي اخذ من علي الرضا وهو من والده موسي الكاظم وهو من والده جعفر الصادق وهو من والده محمد الباقر وهو من والده علي زين العابدين وهو من والده سيدنا الحسين وهو من والده علي بن أبي طالب، فقد كان هذا التلقين في معناه الروحي فهو عند أهله أخذاً للسلوك والآداب، وهما روح الدين وحياته في النفوس.(هذا سند بيعة الطريق الذي أخذه الجيلاني عن شيوخه)
الجيلاني وأسـتاذه الـدبّاس:
في عُلا اللطائف الروحية يبدو كل شيء مقلوباً بالنسبة لعالمنا المادي الثقيل. ولذلك فإن الجانب العملي مقدم على الجانب النظري، لأن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم.
وهذا العلم تتفاوت فيه درجات الناس، فقد يتعرض الإنسان في بداية طريق الله عز وجل إلى بعض الامتحانات التي تفيده في مسار حياته، وهذا ما حدث للشيخ الجيلاني رضي الله عنه عند قدومه الى بغداد لتلقي العلوم . قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةأنه لما دخل بغداد وقف له الخضر عليه السلام ومنعه من الدخول، وقال له ما معي من أمر بأن تدخل إلى سبع سنين. فقام على الشط سبع سنين يلتقط من البقالة المباح، ثم قام ذات ليلة فسمع الخطاب يا عبد القادر ادخل بغـداد فدخل وكانت ليلة مطيرة باردة، فجاء إلى زاوية الشيخ (أبو الخير الدباس). فقال الشيخ أغلقوا باب الزاوية وأطفئوا الضوء، فجلس عبد القادر على الباب فألقى الله عليه النوم فنام فاجتنب ثم قام فاغتسل، ولم يزل كذلك إلى سبع عشرة مرة، وهو يغتسل عقيب كل مرة، فلما كان عند الصبح فتح الباب فدخل عبد القادر فقام اليه الشيخ أبو الخير فاعتنقه وضمه اليه وبكى وقال: يا ولدي عبد القادر الـدولة اليوم لنا وغداً لك فإذا وُليت فاعدل بهذه الشيبة)(1).
وقد صحب عبد القادر الجيلاني الشيخ الدباس وسلك عليه ولغنه الذكر، فكان عبد القادر الجيلي الذي دخل العراق لأول مرةٍ فجعل يتنقل بين شيوخ العلم، وبين أستاذه الدباس الذي كشف له عن مآله، فقد تعرض اثناء صحبته له إلى كثير من الامتحانات والاختبارات المريرة .
حكى الشيخ عبد القادر رضي الله عنه فقال: (كنت إذا غبت عنه (أي الشيخ الدباس) لطلب العلم ورجعت اليه يقول: إيش جابك إلينا؟ أنت فقيه سر إلى الفقهاء فأسكت. وكان يؤذيني أذية كبيرة ويضربني، فطمع فيّ أصحابه لكثرة ما يرونه يؤذيني، فرآهم مرة يؤذونني فقال لهم: يا كلاب لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله أحد أنا أؤذيه لأمتحنه فأراه جبلاً لا يتحرك)(2)
يقف الإنسان عجباً من الشيخ الدباس وما كان من امتحانات قاسية أجراها على تلميذه الجيلاني، ولكن رغم ما في ظواهرها من صعوبات لا يتحملها الكثير من الناس ، إلا أنها كانت في ما بعد تجربة صاغته بالمعاني الرفيعة، والدباس بما يفعل يود الوقوف على نفسية الطالب وصلاحيتها لما يريد أن يفرغ في باطنه من علوم ومعارف، وهي أشياء لا تعطى إلا بمقاييس، وهذا الاحوال وما صحبتها من امتحانات لم تغب عن التلميذ الطالب الذي تلقى قدراً من التجارب، التي أعطته طاقة صبر على ما يبدر من أستاذه، والأيام في تقلبها لم تمهل الأستاذ المعرفة الغريب الأطوار أن يكمل عنده عبد القادر ما تبدي له من احوال روحية غالية المنال، وكانت الحسرة بالغة على التلميذ ان تغص الحلق عبرة الاسى، وقد خطفت يد المنون أستاذاً حجة عصره بلا منازع، وهو أحوج ما يكون إليه كل لحظة من حياته، ولكن للقدر تصرفه أن ينقله في مراحله إلى القاضي أبي سعيد الصوفي، وكان القاضي إلى جانب العلوم الشرعية شخصاً أعجمت عوده وعجنته الآداب الصوفية. رغم أنه كان شيخ وقته علماً وتصوفاً بعد الدباس، إلا أنه في المعاملة مع تلميذه الجيلاني له أمر يختلف عما كان من صاحبه الدباس ، يبدو لهذا الاختلاف نظرات عند الشيوخ في التربية، أو أن كل مرحلة تحتاج إلى حالة معينة من الشدة والرفق، أو أنه قد وجد تلميذه الجيلاني في مرحلة تعدت الطلب، وهذا عِقد من الزمن المعاملة فيه غير ما يجري في البدايات، إنه لما أراد أن يجيز تلميذه عبد القادر الجيلاني قال في تواضع ورفق (لبس مني عبد القادر خرقة ولبست منه خرقة يتبرك كل منا بالآخر). هذا النوط عند شيوخ التصوف يرمز إلى التوظيف في مرتبة الدعوة إلى الله تعالى، وهو أمر اصطلحت عليه الشيوخ، بأن لا يجاز في هذا المقام إلا من نال حظاً من المعرفة العلمية والروحية، وهو أمرٌ فتح على عبد القادر باباً جديداً أوصله سنداً روحياً بكبار رجال المعرفة، وللسند معناه الروحي وأهميته العلمية، ارتقى سند عبد القادر من القاضي المخزومي وهو من الشيخ أبي الحسن علي القرشي وهو من الطرطوسي وهو من عبد الواحد اليماني وهو من الشبلي وهو من سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد، والتأسي برجال هذه السلسله الروحية دعاه إلى خوض خضم المجاهدات الساخنة، ولم تقف به الخرقة عند حدَ لبسها، فقد ترك كل سلطان علم وجاه وجرد سيف المجاهدات على النفس وهواها.
ونترك الشيخ الجيلاني في هذا يقص حَرَّ تجربته الرهيبة فقال: (قاسيت الأهوال في بدايتي، فما تركت هولاً إلا ركبته، وكان لباسي جبة صوف وعلى رأسي خرقة، وكنت أمشي حافياً في الشوك، وكنت أقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخص في شاطئ النهر، ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من الله الحال)(1).
فقد كان للبيئة الأسرية التي تربى فيها الشيخ الجيلاني اثرها لفهم التجارب الروحية العميقة، فلم تبهره الأحداث إنما زادته صلابة، وأدخلت في روعه أن أمراً جللاً ينتظره في قابل أيامه، ومن تلك ما واجهه بعد وهو في بغداد فقال: (وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن التي بها، فأخذت مصحفي وعلقته على كتفي ومشيت إلى باب الحلبة لأخرج إلى الصحراء فقال لي قائل: أين تمشى؟ ودفعني دفعة خررت منها على ظهري، وقال: ارجع للناس فيك منفعة فقلت: ايش علي من الخلق؟ أنا أريد سلامة ديني قال: ارجع ولك سلامة دينك ولم أر الشخص القائل، ثم بعد ذلك طرقتني أحوال واستشكل علي، فكنت أتمنى على الله أن يسهل لي من يكشفها، فلما كان الغد اجتزت بالمظفرية ففتح رجل باب داره وقال لي: يا عبد القادر تعال فجئته فقال لي: ايش طلبت البارحة؟ فسكت ولا أدري ما أقول فاغتاظ ودفع الباب في وجهي حتى طار الغبار من جوانبه إلى وجهي، فلما ذهبت تذكرت الذي سألت الله ووقع في نفسي أنه ( أي الرجل) من الصالحين، فرجعت أطلب الباب فلم أعرف فضاق صدري، وكان ذلك الرجل الشيخ حماد الدباس، ثم عرفته وصحبته وكشف لي ما كان يشكل علي)(2).
ويقول عن تلك الفترة الترويضية: (أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمساً وعشرين سنة مجرداً لا أعرف الخلق ولا يعرفونني، وتأتيني طوائف من رجال الغيب والجـان أعلمهم الطريق إلى الله عز وجل)(1).
ثم أن أمراً روحياً آخر حدث له، ويبدو أنه كان بعد هذه الفترة التي قضاها في الصحراء، كان يحمل في طواياه دَلالات كثيرة أهمها بلوغ الغاية في النضوج، ويتوافق مع هذا أنه كان في مفتتح الأربعينات من عمره المبارك رضي الله عنه. وعن هذا الأمر حكى فقال: (رجعت من سياحتي مرة يوم جمعة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة إلى بغداد حافياً، فمررت بشخص مريض متغير اللون نحيف البدن، فقال: السلام عليك يا عبدالقادر، فرددت عليه السلام فقال: ادن مني فدنوت منه فقال لي: أجلسني فأجلسته فنما جسده وحسن حلاه وصفا لونه فخفت منه فقال: أتعرفني؟ فقلت اللهم لا فقال: أنا الدين وكنت قد مت ودثرت فأحياني الله بك بعد موتى فتركته وانصرفت إلى الجامع فلقيني رجل ووضع نعله لي وقال لي يا سيدي محي الدين، فلما قضيت الصلاة هرع الناس إلى يقبلون يدي ويقولون محي الدين، وما كنت دعيت به قبلاً)(2) .


آداب المريد والصحبة:
يتحدث الشيخ الجيلاني عن فحو آداب السلوك قال رضي الله عنه: (يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح أهل السنة القويمة سنة الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين والأولياء والصالحين).
لقد بنى الشيخ الجيلاني أصول طريقته على الكتاب والسنة، وأوجب على السالك في بدايتهِ، النظر في وجوه العلم لتصحيح الذي يعرفه بمعاني العبودية، التي خلق الانسان من اجل القيام بواجباتها امتثالاً للقول الكريم ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) العبادة وهي طريق الذين هدى الله من النبيين والصدقيين والصالحين، وقد عبّد الاولياء والصالحون طريقها وبذلوا الجهد في توضيح المعالم ليرتاده السائرون في انات ويسر، لقوله صلى الله عليه وسلم ( ان هذا الدين متين فاوقلوا فيه برفق ان المنبة لا ارضاً قطع ولا ظهراً ابقى) بلا ريب ان سلوك الطريق الى الله يوجب طلب رفقة الصالحين وما اكثر حاجتنا الى الذين يختصروا لنا مسافة السير ويجنبوننا دعاوي النفس وتلبيسات الشياطين، وهذا يقودنا الى القول الكريم ( الرحمن فسأل به خبير).
فقد كانت صحبة الصالحين عند الشيخ الجيلاني وهي البداية الضرورية التي ينطلق منها المريد إلى بقية الآداب، وهي تعلمنا معاني القدوة المطلوبة،: ﮋ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﮊ [ الأنعام: ٩٠]: ﮋ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ [التوبة: ١١٩].
الاقتداء والكَوَن مع الصادقين كما ذكر يختصر لنا الطريق أي كانت هذه المسافة في العبادات أو الامور العادية ، إن للشيخ معناً كبيراً في صياغة شخصية الطالب والمريد.
وقد أشار الشيخ الجيلاني رضي الله عنه إلى آداب المريد المبتدي، فقال: ينبغي أن يكون له إيمان وتصديق واعتقاد بأن لا أحد في دياره أولى من شيخه بالإتباع حتى ينتفع منه، وينبغي عليه ترك مخالفته في الظاهر والباطن وترك الإعتراض عليه في الظاهر والباطن، وأن يكون خصماً على نفسه لشيخه وألا يعتقد فيه العصمة.
ويرى ايضاً ان التصديق والطاعة شرط واجب على المُريد، لأن باخذه البيعة يصبح الشيخ ولي امره، والبيعة في اوجهها المختلفة توجب الطاعة الشرعية لأُولي الامر بمنطوق القول الكريم ( يايها الذين ءامنو اطيعو الله واطيعو الرسول واُلي الامر منكم)
والبيعة في شرعيتها عقود بين طرفين .
الطرف الاول الشيخ.
والطرف الثاني المريد.
وإذا قيل إن البيعة من العقود للقول الكريم (يايها الذين امنوا اوفو بالعقود)[المائدة]من هذا الوجه وجب الوفاء بعقودها،
وللفقهاءِ وجوه فتاوى فيها تتعلق بالوجوب والبطلان، هذا الوجه الاخير تتعلق فتواه بالبيعات السياسية.وقد افتى الامام مالك ببطلان بيعة المكره . راجع النص
وقد كانت بيعة الشيوخ الاولياء المتصلة السند، وهي بيعة تربوية، تختلف عما ذكر إلا انها تتفق بوجه الطاعة، فقد كان الحديث في هذا متعلق بالشيخ والمريد، إلا ان عقود البيعة جْرت إلى تفصيلاتٍ ، جرى القلم بالحديث في احوالها .


ونترك الحديث في البيعة التربوية لشيخٍ من اساطين العلم والتصوف وهو الشيخ الجيلاني ،يقول: ان من شرط المريد ألاَّ يرى أحداً في دياره أولى من شيخه، هذه الرؤية مبنية على شروط بيعة غير المكره، لان المريد قدم على اخذها بإرادةٍ، وهذا يجعل ما قاله الشيخ الجيلاني في الإعتقاد أمر واجب في أخذ البيعة.
ولنا وقفة مع ملاحظة بعض متاخري شيوخ التصوف حول كلمة ان لايرى المريد احدا في دياره اولى من شيخه، يرون ان مع تاخر الزمان وكثرة العصبيات الجاهلة من المريدين والطلاب لمشايخهم كان لابد من محازير تمنع من الوقوع في أحبولة الاخطاء.
قال العلامة الشعراني رحمه الله في قول إن على المريد: (أن يتأدب مع شيخه، وألا يعتقد في أنه أكمل المشايخ الموجودين الآن، فإن في ذلك قلة أدب مع أرباب الأحوال وكمل الأولياء، مع ما يكون في ذلك من الكذب أنه حدْثٌ بالظن وهو أكذب الحديث، فلا يكون التفضيل إلا لمن علم ذلك بإعلام إلهي)(1).
وقد كان هذا من العلامة الشعراني تنبيهاً لمن وقع في احبولة العصبيات الضيقة، فكان لا بد من مثل هذه الشروح المفسرة لرروح الاداب المتعلقة بالشيخ والمريد في هذا الزمان، وقال: انما كان الوقوف مع هذا لكثرة القاصرين من الشيوخ والمتتلمذين
والحديث عن ما جاء عن الشيخ: الذي لايرى المريد اكمل منه وهو الوارث المحمدي، لما ورد ( العلماء ورثة الانبياء) وقوله  ( من ازداد علماً ولم يزداد هدى لم يزداد من الله الا بعد)
بلاريب ان حسن الظن أمر محبب، ولكن على المريد مراعاة الأدب مع كمل الأولياء الذين لا تعرف احولهم، مع أن البيعة للإرشاد والتربية أمر مفتوح بشروطه، إلا أنه لا يعطي من تمشيخ درجة الولاية.

البيعـة وأطوارهـا:
بدأت الدعوة من النبي () بمن يثق بهم، فكان من الشباب علي كرم الله وجهه ومن الرجال أبي بكر رضي الله عنه ثم عثمان وبهذين الشيخين نشطت الدعوة السريه وسط احياء مكة، ثم بعد مرور سنتين على سرية الدعوة نزول القول (يايها المدثر قم فأنذر) ] وتتابعة وتتابعت ايات الوحي التنزيلي حاسمة منذرةً بالجهر بالدعوة : ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ [الحجر: ٩٤]
( وصعود الرسول () على جبل الصفا ونادى في قريش (هلمو إلي هلمو إلي) فكانت هذه المرحلة دعوةً وإجابه لم يذكر فيها شيأً من أخذ المواثيق والعهود من الذين كانو معه في دار الارقم.
وأول بيعة عُقدت مع النبي () هي بيعة العقبة الأولى التي أخذها بعض الرجال من الأوس والخزرج بحضرة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان حينذاك على دين قومه ويبدو انه حضر بدعوة من النبي () .
عن جابر الأنصاري أن النبي () لبث عشر سنين يتبع الناس في المواسم في ذي المجّنة وعكاظ وفي منازلهم بمنى يقول:"من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يؤويه حتى إن الرجل يرحل من مصر أو من اليمن إلى ذي رِحْمِه فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتننك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل ويشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرءه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام. وبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا وقلنا حتى متى رسول الله () يطرد في جبال مكة ويخاف فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدنا بيعة العقبة. فقال عمه العباس: يا ابن أخي لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك. إني لذو معرفة بأهل يثرب فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال هؤلاء قوم لا نعرفهم هؤلاء أحداث. فقلنا يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زِرارة وهو أصغر السبعين إلا أنه قال: رويداً يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن يعضكم السيف، فأما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر عند الله عز وجل، فقالوا يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، قال فقمنا إليه رجلاً رجلاً فأخذ علينا ليعطينا بذلك الجنة( )".
بهذه العقود أُستُكمِلَتْ شروط الطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وكانت البيعه تعطى وتوخذ على حسب ماتقتضيه الاحوال الداعية إلى ذلك .
دعى النبي () إلى البيعه يوم الحديبيه وكان سببها ذيوع خبر قتل عثمان رضي الله عنه .وتعرف هذه البيعة، ببيعة الرضوان.
قال الاصحاب  أخذنا البيعة على ألا نفر، وأخذناها على الموت.
وقد أخذت بيعات على كلمة التوحيد والإقرار بالنبوة، ثم كانت بعد بيعات النبوة، بيعات الخلفاء الراشدين، وأول بيعة أخذت للخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهي المشهورة ببيعة السقيفة، ثم بعد الخلفاء الراشدين توالت البيعات في الدولة الاموية والدولة العباسية فقهرتا الناس على ذلك بحد السيف. فكثر النزاع بين الظالم والمظلوم .
وكرد فعل طبيعي برزت الثورات المناهضة للظلم من أهل البيت الكريم عليهم السلام، وأخذت الناس البيعة على نصرتهم، والانضواء تحت لوائهم.
وفي هذا الجو المعتم بالغيوم برزت جماعات الصوفية، وأخذت البيعة عن تلاميذ خلص لآل البيت، مثل داوود الطائي، وورد في سلسلة التصوف انه أخذ عن علي الرضا، أو انه عن حبيب الله العجمي عن الحسن البصري عن علي ابن ابي طالب، وردت هذه البيعات إنها أخذت على طريق أهل السنة، لم يشبها غلو وتطرف الشيعة، وقد كانت بيعات التصوف، ذات صبغة روحية خالصة من الشوائب يرجع أصلها إلى ما ورد أن محمداً رسول الله () بايع أصحابه فرادى وجماعات على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ().
وقد ورد تسلسل سند الطريقة الخلوتية إلى ابي بكر الصديق  ومن بين شيوخ السلسلة جعفر الصادق اخذ عن جده أبي أمه القاسم ابن محمد موصول السند الى ابي بكر الصديق 
ومع إختلاف اطوار البيعة الا ان لها اصلا من القرآن :ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮊ [الفتح:١٨]
والبيعة الصوفية في اخذها لها صور من التلقين يتلوه الشيخ ويردد على اثره التلميذ والمريد، سواءً كان التلقين جماعياً او لفرد. عن شداد بن اوس قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب قلنا لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب وقال ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع صلى الله عليه وسلم يده ثم قال الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد ثم قال ألا أبشروا فإن الله قد غفر لكم".(المصدر/مجمع الزوائد)
ويلي هذا الحديث عن تلقين الذكر، عن معاذ رضي الله عنه "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخذ بيدِه يومًا ثمَّ قال يا معاذُ واللهِ إنِّي لأحبُّك فقال له معاذٌ بأبي أنت وأمِّي يا رسولَ اللهِ وأنا واللهِ أحبُّك قال أوصيك يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ أن تقولَ "اللَّهمَّ أعِنِّي على ذكرِك وشكرِك وحسنِ عبادتِك"( الترغيب والترهيب 2/375)
هذا الوجه من ورود تلقين الافراد والجماعة، فتح الباب واسعاً امام الشيوخ الاولياء في اختيار صيغ الذكر وتلقينه، والاخذ من الشيخ الكامل يحدث في النفس التواضع والتذلل اللذين هما خلق الدين. قال ابوبكر الكتاني: ( التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء).
القول فيما ذكر باختصار، فإن وجد الشيخ بشروطه، وجب عليك عند أهل العلم إتباعه، وأن تصبر نفسك معه فيما يأمر به من خير أو ينهاك عن منكر، لأنك عقدت الصفقة معه على أنه أقدر منك في العلم بمعانيه الشرعية والروحية ، وهذا ما اوجب عليك صحبته وان تكون حياتك معه على التسليم واليقين. وأمر الاتباع والتسليم عند شيوخ التصوف وهو في فحواه مأخوذ من اتباع الخضر لموسى : فوجد عبداً من عبادنا اتينه رحمة من لدنا وعلمناه من لدنا علماﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮊ ( قال انك لن تستطيع مع صبرا. وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا. قال ستجدني انشاء الله صابرا ولا اعصي لك امرا. ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﮊ فانطلقا حتى اذا ركبا في السفينة خرقها قال خرقتها لتغرق اهلها لقد جيئت شيئا إمرا. قال الم اقل انك لن تستطيع مع صبرا )(الكهف من 65الى الاية 71)
لقد وضع شيوخ هذه الطائفة شروطاً يرون توفرها في الصحبة وأخذ البيعة، وأهم هذه الشروط:
أولاً:أن يكون قصد المريد بالبيعة أخذ الآداب التي تعرف بسلوك طريق الله تعالى على درب الأولياء العارفين.
ثانياً:أن يكون واثقاً ان أستاذه من أهل الخير والصلاح.
ثالثاً:يتبع ذلك بالتسليم له ظاهراً وباطناً.
هذه الشروط الثلاثة. وهي روح بقية الآداب، وتذكر ان هناك واجبات على الأستاذ نحو المريد، منها أن يقبله لله تعالى قاصداً بذلك إصلاحه، وأن يخصه بالتوجيهات النافعة، وأن يرفِق به وأن يضعه في مكان أبنائه في المعاملة.
كيفية البيعة او التلقين:
يقصد بذلك ما جرى به العمل عند الشيوخ، وهو أن يجلس المريد مستقبلاً الشيخ فيطلب منه أخذ البيعة. وأن يكون المريد والشيخ على طهارة كاملة. وقبل التلقين وجب ان تجري كلمة التوبة على باطن الشيخ والمريد، فيجريها المريد على باطنه تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يدرك، ويحثه على حسن التوجه لله تعالى. وأن يأخذ المريد بيده يد الشيخ عملاً بقول الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﮊ [الفتح:١٠]. ويفتتح تبعاً للشيخ قراءة سورة الفاتحة ويجري على باطنه معنى الاية في (العبادة والاستعانة)، ويردد معه الشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول () سراً خافضاً طرفه إلى الأرض، ثم يردد وراءه صيغة البيعة المعمول بها عند شيوخ العلم، لأن اصل البيعة بيعة النفس لله وحده، وهي تعني العبودية الخالصة. فإذا استعنت فاستعن بالله واذا استعذت فاستعذ بالله.
والبيعة في بعدها الروحي تعني الاسترقاق لله وحده، وما كان الشيخ في هذا الا مربياً ومشرفاً، على تنفيذ محتوى رسالة السلوك التي تحمل المريد تنفيذها في حياته .
وتندرج في باب المعارف الصوفية، المعرفة بآداب النفوس السبعة التي افرد لها المشايخ آداباً واذكاراً خاصة واول هذه النفوس.
النفس الامارة:
وهي الامرة بالسوء ولا تأمر صاحبها بخير
الثانية النفس اللوامة:
فاذا جاهد صاحبها وخالفها في شهواتها حتى اذعنت لاتباع الحق وسكنت تحت الامر التكليفي ولكنها تغلب صاحبها في اكثر احوالها ثم ترج اليه باللوم على ماوقع سميت لوامة وهي الثانية
الثالثة النفس الملهمة:
فاذا اخذ في المجاهدة والكد حتى مالت الى عالم القدس واستنارت بحيت الهمت فجورها وتقواها، وعلامتها ان يعرف صاحبها دسائسها الخفية الدقيقة من الرياء والعجب.
الرابعة النفس المطمئنة:
فاذا لزم الجهاد حتى زالت عنها الشهوات وتبدلت الصفات المذمومة بالمحمودة وتخلقت باخلاق الله تعالى الجمالية ، ولكنها لاتخلو من دسائس خفية جداً كالشرك الخفي وحب الرياسة الا انها حقائقها ودقتها لا يدركها الا اهلها الذين نور الله بصائرهم لان ظاهرها الاصلاح والانصاف بالصفات الحميدة من الكرم والحلم والتوكل والزهد والورع والشكر والصبر والتسليم والرضا بالقضاء مع انكشاف بعض اسرار وانخراق بعض مادات وظهور بعض الكرامات فلربما ظن صاحبها انه الامام الاعظم وان مقامه هو المقام الافخم وهذا من جملة الدسائس.
الخامسة النفس الراضية:
فاذا ادركت العناية الالهية واستند الى شيخه بالكلية ولازم المجاهدة حتى تمكن الصفات المحمودة وانقطع عن الرياء وصارت نفسه زليلة واستوى عنده المدح والذم.
السادسة النفس المرضية:
ولكن رؤية الفناء ولاخلاص ربما اوقع في شيء من الاعجاب فيرجع به القهقرى فاليستعذ بالله من ذلك مع مداومة الذكر والالتجاء الى الله ويلاحظ انه لايتم له الاخلاص الا بمدد الشيخ فاذا فني عن الفناء وخلص عن رؤية الاخلاص تجلى عليها بالرضا وعفى عن كل ما مضى وتبدلت سيئاتها الى حسنات وانفتح لها ابواب الاذواق والتجليات فصارت غريقة في بحار التوحيد.
السابعة النفس الكاملة:
الا ان صاحب الهمة لايرضى بالوقوف عند هذه المقامات وان كانت سنية بل يسير من الفناء الى البقاء ويطلب وصل الوصل بمقام اللقاء فتناديه حقائق الاكوان انما نحن فتنة فلا تكفر وان الى ربك المنتهى.(كتاب: ابو البركات احمد الدرديري ص/92ـ93 شيخ الازهر د.عبدالحليم محمود)
لقد فتحت تجربة السلوك الصوفي النافذة للمعرفة باحوال النفس ودسائسها وركونها الى المحاب والمغريات، وقد اجتهد الشيوخ الاولياء بفتح باب المجاهدات لتطويع النفس، وقسمت درجات السلوك والمجاهدات الى سبع مقامات، كل ما خلص السالك من عوائق عتبة، تلتها عوائق اخرى حتى نهاية المطاف، وخلاصة ما وقف عليه الشيوخ في الاجتهادات العلمية والمجاهدات السلوكية، شيء واحد، وهي الاداب المهذبة للنفس، قال ابوبكر الكتاني:
(التصوف. خلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء).
وقال ابومحمد الجريري: هو (الدخول في كل خلق سنى والخروج من كل خلق دنى).
يقول الشيوخ: اعلم ان التصوف بمعنى العمل. هو الطريقة.
واما الشريعة فهي الاحكام التي وردت عن الشارع.
واما الحقيقة فهي: اسرار الشريعة، ونتيجة الطريقة فهي علوم ومعاني تحصل لقلوب السالكين بعد صفائها.
والاداب ضرورية اذ انه متى ترك السالك الاداب او اكثرها بعُد عليه الوصول الى مطلوبه، وقد قسمها الشيخ الدرديري الى ثلاثة اقسام :
اما قلبية، واما مصاحبة، واما بعدية. وهذه الاداب عنده من شرائط الذكر. ( د. عبدالحليم محمود)
وقد ورد في نزول سورة الحجرات لتوضح أهمية الأدب مع النبي(). وقال الامام مالك لابي جعفر المنصور: إن حرمة النبي() ميتاً كحرمته حياً (1)، ولهذا أوجب العلماء روح الادب نفسه مع من ينقل علم النبوة الكريمة من بعده.
وتنقلنا معاني السير الى الله تواً الى القول في إنسان السلوك، فهو صاحب إرادة نازعاً نحو تحقيق ذاته، بقطع عتبات النفس، بالحد الأقصى من طاقته الإنسانية، ولا يتحقق هذا الكمال إلا في بعض الأشخاص، وإن كان داعِي السلوك يدعو كل إنسان أن يحقق ذاته في مقامات العبودية، على طريق الشيوخ الاولياء.
وقد اختار صاحب الإرادة طريق المقاومة الدائمة للنفس، لأنه إنسان متوتر باستمرار نحو تحقيق الذات، فهو مدرك الفرق بين بذل الجهد إلى أن يتجاوز العقبات الصعبة، وبين أن يستكين ويستسلم لعادات النفس، وما تحب من الراحة والمتعة العاجلة. ويتمثل في هذا الاخير قول العارف عمر بن الفارض
رَضوا بالامانى وابتَلُوا بحظوظهم
وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتْلُوا
فهم في السُرى لم يبرحوا من مكانهم
وما ظعنوا في السير عنه وقد كلّوا
وعن مذهبي لما استحبوا العمى على
الهدى حسدا من عند انفسهم ضلوا
فقد كان انسان التصوف. غير المتصوف: وهو الذي كابد البطالة والخمول من نفسه، فإن وجد بهذا الوصف فقد انفرد عن غيره كنموذج مخترق للحواجز المادية متمرد على العادات ومألوفاتها، فليست في إحساسه بهذه الاحوال، يحازيه احد في تلك المراقي، وعل هذه الاحوال خصت بها قلة الربانيين، ولهم امثال في الحياة:
(جاء حارثةُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ كيفَ أصبحتَ يا حارثةُ قال أصبحت يا رسولَ اللهِ مؤمنًا حقًّا قال يا حارثةُ إن لكلِّ حقٍّ حقيقةً فما حقيقةُ إيمانِك قال عزفَت نفسي عن الدُّنيا فأسهرتُ ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظرُ إلى ربِّي عزَّ وجلَّ على عرشِه بارزًا وكأني أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ في الجنةِ يتنعمون وأهلِ النارِ في النارِ يُعذبون فقال له يا حارثةُ عرفت فالزمْ ثم قال مَن أحبَّ أن ينظرَ إلى عبدٍ قد نوَّرَ الإيمانُ في قلبِه فلينظرْ إلى حارثةَ)( ابن حبان ومجمع الزوائد والبزّار).
ومن جملة آداب الطريق الصوفي: آداب صحبة الشيخ، وآداب صحبة الأخوان، و الآداب مع الأهل والأولاد، وآداب صحبة الأغنياء، وآداب صحبة الفقراء...الخ، وهي معالم قد تتغير بعض تفاصيلها، ولكن يبقى جوهرها وفكرتها التي يحافظ عليها الشيوخ الوارثون لعلوم وأسرار الدين.
عــد بـــدأً:
ونأخذ للإشارات التربوية امثلة من مؤلفات(1) الشيخ الجيلاني رضي الله عنه لعلها تفتح الباب لمزيد من الإطلاع. قال: (ينبغي على المريد ألا يتكلم بين يدي شيخه إلا في حالة الضرورة، وألا يظهر شيئاً من مناقب نفسه بين يديه، وأن يكون متهيئاً لخدمته ومن معه، وينبغي عليه إذا جرت مسألة بين يدي الشيخ أن يسكت وإن كان عنده منها جواب، وعليه ألا يتحرك في حالة السماع بين يديه، وعليه دوام المرافقة والصدق في الصحبة في الله، فلا يكن المريد مع شيخه مشغولاً بأهل الدنيا، وأن يحذر من مخالفته لأن مخالفة الشيوخ سم قاتل) ثم قال: (والذي يجب على الشيخ في تأديب المريد هو أن يقبله لله عز وجل لا لنفسه، فيعاشره بحكم النصيحة ويلاحظه بعين الشفقة، ويلاينه بالرفق عند عجزه عن احتمال الرياضة، فيأخذه بالأسهل ولا يحمله ما لا طاقة له به، ويأخذه بالأشد فيأمره بترك متابعة الطبع في جميع إموره). ثم قال في صحبة من كان من غير أهل الطريق أن: (يحفظ السر عنهم وينظر اليهم بعين الشفقة، وينبغي عليه أن يحسن العشرة مع إخوانه فيكون منبسط الوجه ولا يخالفهم فيما يريدون بشرط ألا يكون فيه خرق للشرع، وألا يكون ممارياً ولجوجاً. ويكون أبداً مساعداً للأخوان، ويكون صبوراً على أذاهم غير حقود، ولا ينطوي على أحد منهم على سوء وغش غير مغتاب ولا مسيء المحضر، ويذب عنهم في حالة الغيبة ويستر لعيبهم ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه، ولا يرى ملكه ممنوعاً على أحد من الأخوان، وأن يعاشر كل أحد من حيث هو لا يكلفه فوق طاقته، وأن يعاشر من هو دونه بالشفقة عليه ومن هو فوقه بالإجلال، ومن هو مثله من الأخوة بالافضال والإيثار).
ويرى أن من الواجب التعرف على آداب العشرة والمعاملة لأن من القول ( الدين المعاملة ) .


المجاهـدات:
فهي من القواعد المهمة التي راعى رجال التصوف الاحوال فيها ضعفاً وقوة، ورتبت على المبادئ التالية:
الجوع، السهر، الصمت، الذكر، وقد راعى الشيوخ العلماء تأخر الزمن والانشغال وضعف الهمم، ان تكون المجاهدة في اصل العبادات، الصلاة، والصيام، والحج، وزيارة مشهد قبر النبي وكثرة الصلاة عليه، وكثرة الذكر، لقول الله تعالى (يايها الذين امنو اذكروا الله ذكراً كثيرا وسبحوه بكرة واصيلا )[الاحزاب 41] وللذكر آدابه الخاصة به عند أهل الطريقة، وهناك أصل كبير من مباني الاسلام، وهي الزكاة .
(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) [التوبة 60]
الزكاة متعدية في نفع الغير وبهذا تصبح في الدين من الاهمية بمكان، ولكثرة النفع في الانفاق، أكثر الوحي التنزيلي الحض عليه، واكثر التحذير من الشح والبخل، وفي هذا يذكرنا الوحي بإحوال اصحاب الجنة، أي الضيعة الزراعية (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين ولايستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم........إلى قوله تعالى فلما رأوها قالو إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم اقل لكم لولا تسبحون قالو سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعضهم يتلاومون قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين)[القلم 16-30] .
تنقل إلينا ايات الوحي التنزيلي قصص اصحاب الجنة، أي الضيعة، وما يضمرون من حرمان للمساكين، فقد كان الجزاء عاجلاً، وقد تكون صور عقاب الحرمان غير ذلك، من انواع الامراض الخبيثة، وغيرها من امراض مزمنة لا تنفعها جرعات طبية، متى ما خالف الناس قاعدة السنن الإلهية، فيكون هذا جزاءهم.
عل الحديث عن المجاهدات والتطهير للنفس أخذ مناحي وصورٍ مختلفة،وكان تركيز الوحي على الإنفاق في سبيل الله، لما فيه من نفع للمساكين والفقراء.(خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكنً لهم والله سميع عليم)[التوبة 103]
مع التأمل في المجاهدات وكثرة النصوص التي أدرجت في بطون المؤلفات، وحملتها ذاكرة اصحاب الطريق الا ان الشيوخ ركزت على تطهير النفس وتطبيعها بتعاليم النبوة "الدين المعاملة".
قال الشيخ الجيلاني : (لأهل المجاهدة والمحاسبة عشر خصال جربوها لأنفسهم، فإذا أقاموها وأحكموها بإذن الله تعالى وصلوا إلى المنازل الشريفة):
ترك الحلف بالله صادقاً أم كاذباً.
اجتناب الكذب في الجد والهزل.
اجتناب خلف الوعد.
اجتناب إيذاء الخلق ولعنهم.
تحمل الظلم منهم واجتناب الدعاء عليهم.
حسن الظن بأهل القبلة والحذر من الشهادة على أحد منهم بكفر أو نفاق.
كف الجوارح عن النظر إلى المعاصي والنهم إلى شيء منها ظاهراً ولاباطناً.
رفع المؤونة عن الخلق والاستغناء عنهم.
قطع الطمع عن النفس جملة والإنقطاع إلى الله تعالى.
التواضــع:
ههذه الخصلة الأخيرة قد جعلها الشيخ أساساً لكل سالك وسائر إلى الله تعالى فقال: (التواضع هو ألا يَلقَى العبدُ أحداً من الناس إلا رأى له الفضل عليه، ويقول عسى أن يكون عند الله خير مني، فإن كان صغيراً قال: هذا لم يعص الله وأنا قد عصيت، وإن لقي كبيراً قال: هذا عند الله كان عالماً أُعطى ما لم أبلغه، وإن كان جاهلاً قال هذا عصى بجهل وأنا عصيته بعلم، وإن كان كافراً قال: لا أدري عسى أن يختم له بخير، وربما يختم لي أنا بشر العمل).
قال مرة لابنه الشيخ عبد الرازق: (ياولدي! التصوف مبني على ثمان خصال:
السخاء لنبي الله إبراهيم. الرضا لنبي الله اسحق.
الصبر لنبي الله أيوب. الإشارة لنبي الله ذكريا.
الغربة لنبي الله يوسف. لبس الصوف لنبي الله يحيى.
السياحة لنبي الله عيسى.الفقر لنبينا محمد() وعليهم أجمعين.
إنتشـار الطريقـة:
يبدو انه قد تكونت لدى الشيخ الجيلاني فكرة نشر الطريقة في البلدان المختلفة، وهذا جعله يفكر في إقامة جامعة علمية، وسنحت الفرصة لهذه الرؤية عندما خلَّفه شيخه أبا سعيد القاضي في مدرسته بباب الأزج، فتكلم فيها بلسان الوعظ والتذكير. وضاقت المدرسة بالناس ، من شدة الزحام والضيق كان يجلس للناس عند السور مستنداً إلى باب الرباط. ثم وسعت بما أضيف اليها من المنازل التي حولها وبذل الأغنياء أموالهم في عمارتها، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم. وكملت المدرسة في سنة 528هـ وصارت منسوبة اليه. وتصدرها للفتوى والتدريس وكان يفتي على المذاهب الأربعة. وتخرج من مدرسته عدد كبير من العلماء، نشروا تعاليم "الطريقة" في أرجاء المعمورة(1).
وقد انتهجت مدرسته نمطاً اشبع رغبات الطلاب العلمية، فحوت ثلاثة عشر علماً. هذا التوسع العلمي هو الذي أدى إلى أن يكون تلاميذ الطريقة أساتذة علم اولا، وشيوخ سلوك ثانياً، فقد جابوا الأقطار المجهولة لنشر الإسلام في الأمصار البعيدة التي لم تغزها جيوش المسلمين، أو لم تستطع إخضاعها للحكم الإسلامي. فانتشر بهم الإسلام في إفريقيا السوداء وفي اندونيسيا وجزر المحيط الهندي وفي الصين وفي الهند(2)

وفـاة الشـيخ الجيلاني رضي الله عنه:
جاوز عمر الشيخ رضي الله عنه التسعين سنة، فلما دنت لحظات الوفاة قال لأولاده: (أبعدوا من حولي فإني معكم بالظاهر ومع غيركم بالباطن، وقد حضر عندي غيركم فأوسعوا لهم، وتأدبوا معهم، هنا رحمة عظيمة، ولا تضيقوا عليهم المكان. وكان يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، غفر الله لي ولكم وتاب الله علي وعليكم. وقال: ويلكم أنا لا أبإلى بشيء ولا بملك الموت، يا ملك الموت منح لنا من يتولانا سواك. وسأله ولده عبد الجبار ماذا يؤلمك من جسدك ؟ فقال جميع أعضائي تؤلمني إلا قلبي فما به من ألم، وهو صحيح مع الله عز وجل. ثم أتاه الموت فكان يقول: استعنت بلا إله إلا الله سبحانه وتعالى الحي الذي لا يموت ولا يخشى الفوت، سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت.لا إله إلا الله محمد رسول الله() ، ثم خرجت روحه الكريمة رضي الله عنه وأرضاه)(1).
فقد كان تاريخ وفاته سنة 516هـ الموافق 1165م، ودفن ليلاً بمدرسة باب الأزج ببغداد لكثرة الزحام امتلأت الحلبة والشوارع والأسواق والدور، فلم يمكن دفنه في النهار(2).
مضى الإمام الجيلاني رضي الله عنه وقد أدى ضريبة العمل لتخليد الدين، وظلت طريقته ميداناً للدعوة إلى الله، عليه رحمات السماء دائماً نفعنا الله به .

خلفاء الشيخ عبدالقادر الجيلاني:
الشيخ عبد الوهاب:
ولد في شعبان سنة 522هـ ببغداد وتوفي بها في شوال سنة 593هـ. قام بالتدريس في حياة والده نيابة عنه. ثم تولى المدرسة بعد وفاة والده عليه رحمات الله، كان فقيهاً فاضلاً ترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام وابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة.
الشيخ عبد الرازق:
عبد الرازق ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني ولد في ذي القعدة سنة 528هـ، وكان أشهر أبناء الشيخ الجيلاني في العلم والحديث، وكانت له أحوال باهرة في الذكر والعبادة، روي أنه مكث ثلاثين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياءً من الله تعالى. وله ترجمات مطولة(2).


انتشار الطريقة في العالم الاسلامي:
ورأى بعض الباحثين إن سبب انتشار الطريقة القادرية ارتكز على أربعة عوامل:
أولاً: إهتمام الإمام الجيلاني بإرساء قواعد الطريقة على الكتاب والسنة.
ثانياً: تلقي العديد من المريدين الوافدين من العالم الإسلامي الطريقة القادرية وخرقة التصوف تلقيناً ومبايعة من الإمام الجيلاني في بغداد ومكة. وعملوا على نشر الطريقة في أقطارهم.
ثالثاً: ترك الإمام ذرية كثيرة فقام أولاده وأحفاده الذين يجمعون بين العلم والتصوف بتولي أمر الطريقة وإحيائها.
رابعاً: أدت فاجعة القرن السابع الهجري يعني سقوط بغداد على أيدي المغول سنة 656هـ إلى إضفاء لون من اللامركزية للطريقة. فاعتُبرت فروعها بالبلدان أصولاً. وبهذا التفريع كان إنتشارها في أرجاء العالم الإسلامي.
وقد أدى هذا الدور الأخير إلى كثرة علماء وتلاميذ الطريقة فتغلغلت بجهودهم في اوساط المجتمعات الانسانية، بشكل فعال وتناسبت مع حال كل مجتمع.
يبدو ان احوال الفتن من جراء الصراع بين حكومات الخلفاء والمعارضين دعى ذرية الشيخ الجيلاني الى التفكير في موطن غير بغداد، رحل الشيخ شرف الدين يحيى بن أحمد من أحفاد الجيلاني، واستوطن حماة سنة 734هـ وظلت زاويته عامرة حتى القرن الحادي عشر وتلقى فيها تعاليم التصوف الشيخ عبد الغني النابلسي.
الشيخ شرف الدين الجبرتي المتوفي سنة 806هـ كانت له مدرسة صوفية في زيد باليمن.
الشيخ حسن جبرو أسس مركزاً للطريقة في عام 1819م ببلدة برديرة على نهر جوبا بالصومال.
الشيخ عويس بن محمد البراوي القادري قام بنشر الطريقة في جوبا العليا وأسس مسجداً وزاوية في (توجلة).
وفي مصر الشيخ على بن الحسن محمد الأكحل المعروف باسم على القادري، وعلاء الدين البغدادي وهو من ذرية الشيخ عبد القادر الجيلاني(1) .
وفي المملكة السنارية: قدم الشيخ تاج الدين البهاري دخل البلاد السنارية (السودان)، في النصف الأول من القرن العاشر الهجري ونشر بها الطريقة القادرية.
وقدم ايضاً الشيخ عبد الرحمن الخراساني في النصف الثاني من القرن الثالث عشر وأخذ منه الشيخ أحمد الجعلي الطريقة القادرية.
وبهؤلاء الشيوخ الدعاة أنتشرت الطريقة وتفرعت في بلدان العالم الاسلامي.
ولعل بعض القراء يودون ان يعرفوا صلة العلاقة الرابطة بين الشيخ الجيلاني وفروع الطريقة المنتشره في البلادان التي اشرنا اليها وبخاصة بلادنا السودان.
يبدو من خلال الشيوخ الذين اشرنا اليهم تبين سر العلاقة الكائنة بين الشيخ الجيلاني وتلاميذ الطريقة في البلدان المختلفة.



الانسياب الصوفي في السودان
الحديث عن الطريقة القادرية في السودان وما قام به رجالها خلال خمسة قرون من الزمان بلا انقطاع في ميدان الدعوة إلى الله تعالى.
هذا يوجب الحديث عن الاسلام في المملكة السنارية، وكان بدخول العرب المسلمين مملكة (المقرة) وبنهايتها على يد الفاتحين العرب، كان التدفق نحو المملكة العنجية الوثنية ( علوة) وبنهاية هذه المملكة في معركة جبل مويا الشهيرة على يد الفونج والشيخ عبدالله جماع، وقيام المملكة السنارية.
قدم الشيخ تاج الدين البهاري مع تلميذ الحاج داوود بن عبدالجليل، وكان دخوله بلاد المملكة من متطلبات الوقت في حركة الدين والدعوة في اوساط مجتمعات المملكة التي تفقد الكثير وتحتاج الى الشيوخ العلماء في القيادة والتوجيه والارشاد.
والحديث عن الانسياب الصوفي مع الفتح والهجرات السلمية أوجب مدخلاً، وهذا يستدعي الرجوع إلى الذاكرة التاريخية التي تحكي مضابطها تحرك الجيوش الفاتحة في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وبعد انقضاء عامين على فتح مصر، رأى القائد الفاتح سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه أن يؤمن شواطئ وأطراف الولاية الجديدة (مصر)، بخاصة طرفها الجنوبي الذي كان متاخماً لمملكة مسيحية كبيرة في أرض النوبة. واتجهت سياسة المسلمين منذ أن تم لهم فتح مصر إلى فتح بلاد النوبة، لضرورة المحافظة على أطراف مصر من ناحية الجنوب، وتأمين طرق التجارة القديمة فارسلت فرقة من الفرسان بقيادة عقبة بن نافع لفتح بلاد النوبة سنة 641م، والراجح أن عدد المسلمين في هذه الحملة لم يكن كبيراً، بينما كانت خسائرهم كثيرة لشدة المقاومة التي أبداها النوبيون، فضلاً عن مهارة هؤلاء في رمى السهام، حتى أن المؤرخين العرب أطلقوا عليهم اسم رماة الحـدق، ولذا لم يستطع المسلمون أن يتوغلوا جنوباً مع أن هذه المحاولة، وإن لم تكن ناجحة فإنها كذلك لم تكن فاشلة تماماً، والدليل على ذلك نص معاهـدة الصلح التي تمت بين عمرو بن العاص وقيروس (المقوقس). ذلك النص الذي ورد فيه ذكر النوبة لأول مرة في وثيقة عربية: (أن على النوبيين الذين يدخلون في الصلح مع المسلمين دفع كذا وكذا من الرؤوس وفتح بلادهم لتجارة الصادر والوارد)(1).
ولكن لم يحافظ النوبيون على العهد الذي بينهم وبين المسلمين، فلم يكد يقرع أسماعهم وفاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعزل عمرو بن العاص، حتى رأوا نقض الصلح، فأرسلوا سراياهم إلى الصعيد فخربوا وأفسدوا، فاستعد عبد الله بن أبي السرح الذي خلف عَمْرَاً في ولاية مصر لملاقاتهم رغبة منه في مواصلة الفتوحات التي قام بها سلفه، فتمكن جيشه من التوغل جنوباً حتى دنقلا عاصمة المملكة المسيحية الشمإلىة (المقرة) سنة 652م وحاصرها حصاراً شديداً واستعمل المنجنيق في ضرب المدينة فخربت كنيستهم. فكان بعد ذلك قرار الصلح المشهور تاريخياً باتفاقية (البقط)، والذي طلبه ملك النوبة (قليدور) من القائد العربي عبد الله بن سعد بن أبي السرح. وقد كان مؤدى هذا الصلح أن يدفع ملك النوبة لبيت مال المسلمين 360 رأساً من الرقيق مقابل عهد كتبه لهم عبد الله بن سعد يعتبر أساساً للعلاقات بين مصر الإسلامية والنوبة، مع وعد منه بهدية سنوية من الحبوب والملابس تقديراً لفقرهم. وكان مما نص عليه العهد تأمين أهل النوبة والتأكد بعدم محاربتهم ماداموا قائمين على تنفيذ الشروط التي بينهم وبين المسلمين، ومنها حفظ من نزل بلدهم من مسلم أو معاهد، وحفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتهم، ولا يلتزم المسلمون بدفع عدو و لا مغير على بلادهم(2).
كان لهذا العقد ثمرته لحين من الزمان، فقد ظلت بسببه الاتصالات حسنة بين المسلمين والنوبة المسيحيين، وفتح باباً للولوج لأرض النوبة مع ضمانٍ لهم في حرية الحركة غير أن هذا الصلح لم يشمل البجة الذين ما لبثوا أن أغاروا على صعيد مصر سنة 725م فصالحهم ابن الحباب وكتب لهم عقداً ينص على دفع ثلاثمائة من الإبل الصغيرة، على أن يجتازوا الريف تجاراً غير مقيمين، وألا يقتلوا مسلماً أو ذمياً وألا يؤووا عبيد المسلمين، ويظل وكيلهم في الريف رهينة في يد المسلمين.
ولم يمضِ قرن على هذه المعاهدة حتى عاد البجة إلى شن الغارات من جديد على جهة أسوان، وكثر إيذاؤهم للمسلمين فرفع ولاة الأمور في أسوان خبرهم إلى المأمون الذي جرد عليهم حملة بقيادة عبد الله بن الجهم، فكانت له معهم وقائع عديدة انتهت بموادعتهم وكتابة عقد جديد بينه وبين رئيسهم (كنون بن عبد العزيز)(1) يختلف كثيراً عن عقد عبد الله بن سعد لملك النوبة. (بلاد البجة حتى "مصوع" جزء من الدولة الإسلامية) وتطبق عليها شروط البلاد التي تفتح عنوة، بدليل فرض الخراج. فتهدمت أمام المسلمين السدود المانعة لتدفقهم في البلاد الجديدة التي أصبحت بعد هذا العقد داراً ومقراً جديداً للعرب الوافدين، وبسبب التمازج والإنصهار التدريجي إنتشر الإسلام بين أهل البجة. ولكن الملوك – وإن أعطوا عهوداً ظاهرها الطاعة إلا أن نفوسهم لم تطب لهذا الوافد الجديد، الذي سحب من تحت أقدامهم المجد. وهذا ما جعلهم كثيري النقض للعهود التي يبرمونها، فقد حدث في أيام الخليفة المتـوكل أن أغاروا على الصعيد، وامتنعوا عن دفع الخراج وقتلوا كثيراً من المسلمين بمناجم الذهب بالعلاقي ، فجرد لهم (الخليفة حملة قوامها ألف من الجند والمتطوعة بقيادة محمد بن عبد الله القمي الذي سار إلى أسوان وأتى العلاقي فأخذ من ربيعة ومضر وإلىمن ثلاثة آلاف رجل والتحم مع علي بابا ملك البجة في معركة انتهت بهزيمة البجة)(1). هذا الإنتصار أتاح فرصة لعقد بات بموجبه العرب متمتعين بحماية الـدولة الإسلامية، وأعطاهم الحرية في العمل في مجال استخراج المعادن الثمينة كالذهب وغيره من الأحجار الكريمة، التي اجتذبت جماعات عربية كبيرة كانت تقوم باستخراجها والاتجار فيها.
أول أمـير مسـلم:
أدت الحروب التي دارت بين المسلمين والنوبة على مدى السنين إلى عقود معاهدات، أتاحت الإستقرار والتمازج الذي كان نتاجه تزوج العرب من النوبة والبجة، وبهذا زالت عوامل الخصومة والثأر بي الطرفين، وأتيح للعرب بعد أن ورثوا العرش النوبي، فقد اختلط عرب ربيعه بالنوبيين وتزوجوا من بنات رؤسائهم، لأنهم كانوا تجاراً ولهم مصالحهم المادية في بلاد النوبة كما أسلفنا، وتدريجياً تم لهم الإنتفاع من نظام الوراثة المعروف عند النوبة وهو توريث ابن الأخت.
والراجح أن هذ التمازج قد كون طبقة حاكمة خضع لها النوبيون من أهل (مريس) الذين زال عنهم السلطان الفعلي لمُلك النوبة المسيحية. ولاسيما بعد أن دخل معظمهم الإسلام. ثم اعترفت الـدولة الفاطمية بهذه الإمارة العربية النوبية أخيراً، وذلك حين استعان الخليفة الحاكم بأمر الله بأبي المكارم هبة الله أمير ربيعة في القبض على (أبى ركوة)(2) في عام 1006م فكوفئ بلقب (كنز الدولة) وبهذا عرفت عشيرة بني كنز(3)، وبسبب الإختلاط والتزاوج، انتقل الملك من أيدي ملوك النوبة المسيحيين إلى كنز الدولة ذوي النسب العربي النوبي في عام 1323م (723هـ). وجاء في وصف دنقلا وملكها بعد أن آلت مقاليد الحكم فيها إلى بنى كنز: (إن ملكها الآن مسلم من أولاد بني كنز، وإنه يأوي الغرباء إلى جامع دنقلا فيرسل اليهم فيأتونه فيضيفهم وينعم عليهم هو وأمراؤه)(1) ، وباستقرار بنى كنز على عرش الملك النوبي، أتيح للعرب أن ينتشروا في أجزاء السودان المختلفة وأن يكونوا حكومات القبائل على النيل.
وكانت الجماعات العربية التي هاجرت إلى حوض النيل الأوسط
تشتمل على مجموعتين كبيرتين، هما مجموعتا العرب العدنانيين والقحطانيين، ويمثل العدنانيون في الوقت الحاضر الكواهلة والمجموعة الجعلية وبعض القبائل الصغيرة الأخرى كالرشايدة، بينما يمثل القحطانيون المجموعة الجهينية. إن أول إشارة إلى بني كاهل وردت في رحلة ابن بطـوطة إلى (عيـذاب) وسـواكن في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي (1353م)، فذكر أن أولاد كاهل يسكنون المنطقة الممتدة من عيذاب إلى سواكن، وأنهم مختلطون بالبجة عارفون بلسانهم. ولقد كان لهم الأثر الأكبر في نشر الإسلام والثقافة العربية وسط البجة بعد أن صاهروهم ونالوا مركز الزعامة فيهم. أما المجموعة الجعلية فتركزت على النيل، الأعظم منهم جنوب الخرطوم الحإلية حتى دنقلا. وتمثل هذه الضفة من النهر المركز الرئيسي الذي انتشرت منه القبيلة في شعب وفروع نحو البطانة والنيل الأزرق والنيل الأبيض والركابية، وسط الجماعات النوبية، وقد كان تدفق العرب على مملكة علوة من الجهة الشمالية والجهة الشرقية معاً بصورة كبيرة، الأمـر الذي أدى بدوره فيما بعد إلى انحلال وسقوط المملكة النوبية، وقيام مملكة سنار الإسلامية التي استقر بها الإسلام في السودان.
أن هذه الهجرات قد جاءت مصحوبة بالتصوف كواحـد من المعارف التي كانت متأصلة في حياة بعض المهاجرين. ومن الذين كان لهم أثرٌ صوفي واضحٌ في تلك الفترة، ذو النون المصري وهو من أصل (نوبي)،(1)وكذلك من صفوف النساء المتصوفات (تحية النوبية التي كان أبواها نصرانيين)(2) وظاهرة تصوف أمثال هؤلاء فيه إشارة واضحة إلى دخول التصوف إلى مملكة المقرة منذ وقت مبكر. فقد صحب التصوف جماعات من الجيوش الفاتحة، وأسراب الهجرات السلمية عبر البحر الأحمر.
والتصوف في تلك الفترة وإن لم يكن ذا طابع إجتماعي منظم كالذي حدث بعد دخول الشيخ تاج الدين البهاري، إلا أنه كان يحمل بعض ما كان متاحاً له أن يبرز به في الوسط الاجتماعي، فقد وصف المقريزي وجوده عن ابن سليم الأسواني: أن مملكة علوة أن سوبا عاصمتهم تقع شرق الجزيرة الكبرى بين البحرين (فيها أبنية حسان ودور واسعة وكنائس كثيرة الذهب وبساتين، ولها رباط فيه جماعة من المسلمين… الخ)(3). والمعروف أن الرباط (4) لم يعرف إلا مع جماعات التصوف، أن هذه الجماعة الصوفية التي أسست لها رباطاً وسط المملكة المسيحية والوثنية معاً، بلا ريب إنها لعبت دوراً كبيراً في نشر دعوة الإسلام، بأسلوب لم يثر السلطة الحاكمة، بل ويبدو أنها كانت ذات أثر في بعض أصحاب الكلمة النافذة من رجال المملكة ولذلك سمح لها بإنشاء ذلك الرباط الصوفي. هذه المعالم التاريخية توضح وجود التصوف في مملكتي (المقرة وعلـوة) في حقبة سبقت تدهور تلك الممالك وسقوطها .
فقد أدت أسباب كثيرة إلى قيام ما يشبه الحكومة المركزية في مملكة علوة لضم شتات العرب المسلمين وإماراتهم المختلفة، بعد أن أصبحوا قوة كبرى لا تستطيع حكومة المملكة أن تقف أمام تيارهم الجارف، الذي أخذت مفاهيمه العقائدية والفكرية تنمو وسط (التكوينات) المختلفة، بصورة أحدثت تغيرات جذرية ارتجت لها أركان المملكة العنجية. وأصبح هذا التجمع القبلي في حاجة إلى سلطة جديدة، تلائم احوال المسلمين. وقد بدء الأمر بدعوة بعض رجال القبائل العربية، إلى النظر في أمر قيـام مملكة إسلامية. وانحصر الأمر أخيراً بين عمارة دنقس زعيم الفونج وعبد الله جماع شيخ عرب القواسمة الذي اجتمعت حوله القبائل العربية، وتعاهدا على إزالة المملكة العنجية الوثنية، فدارت بينهم معركة في أربجي في عام 910هـ – 1505م، انتصر فيها الحليفان وفر العنج إلى جبال فازوغلى وكردفان، ومن بقي منهم اعتنق الإسلام واختلط بالعرب(1).
بعد هذا الانتصار الرائع الذي نهى الممالك الوثنية وكانت الفكرة من الحليفين في تكوين مملكة اسلامية، امتـد ظلها غرباً إلى مداخل جبال كادقلي، وشمالاً وشرقاً إلى البحر الأحمر. تحت ظلال هذه المملكة نشط التصوف. وكانت الطريقة القادرية من العوامل القوية في تأسيس هذه المملكة فقد تولى شيوخها مسئولية الدعوة إلى الله تعالى. بين مجتمعات جديدة تتسم بالامية .



الشـيخ تاج الـدين البهاري
المفتـاح:
تُبرزُ الحروف على لوحة الكتاب معنونة إسم علم من أعلام العلم والتصوف، هو الشيخ محمد تاج الدين البهاري، اللذي إختلفت الأقلام حول وطنه وفي أيٍ بقعة من خارطة الكوكب الأرضي، وقد كان الاختلاف أيضاًً حول انتماءاته البشرية، ويصعب على الباحث الحصول على وجود وثيقة توضح موطنه ومسقط رأسه، إن صح القول أنه من المنطقة الواقعة شرق الجزيرة العربية، من بهار بالقرب من منطقة قندهار، ولم يُر ترجيحاًًَ في هذا الأقوال يؤخذ به، لأن الأمر كله اجتهادٌ حول نسبة كلمة بهاري، وياتي السؤال عن تاريخ مولده وإن لم توجد مضابط تحدد ذلك، إلا إننا نأخذ بدخوله المملكة السنارية في منتصف القرن العاشر، ويبدو أنه كان عمره آنذاك بين الأربعين والخمسين سنة، ومحولتنا تحدد العمر بذلك لأن النشاط والحركة الدائبة في جولته المختلفة إلى جبال تقلي فإنها تحتاج إلى قوة البنية.
سنده الصوفي:
الشيخ البهاري كما ذكرت هو من خلفاء الشيخ الجيلاني، وهذا يدعو لذكر سندٍ يربطه بأحفاد الشيخ الجيلاني، وقد ورد أن اكثرهم في منطقة الشام التي نزح إليها ابناء الشيخ عبدالرازق بن الشيخ عبد القادر الجيلاني وأسسوا فيها زوايا للطريقة. ومن شيوخ سنده الذين توجد مزاراتهم بالشام في منطقة سوريا.
الشيخ أجمل والشيخ أكمل والشيخ علاء الدين والشيخ علي أكبر والشيخ علي أصغر والشيخ جمال الدين. ومنهم من يوجدون في مزار واحد بالقرب من مدينة حماه، وقد وردت سلسلة الشيخ البهاري أنه اخذ عن الشيخ محمد عبد الوافي عن الشيخ أكمل عن الشيخ أجمل عن الشيخ أكبر عن الشيخ علي أصغر عن الشيخ جمال الدين عن الشيخ كمال الدين عن الشيخ علاء الدين عن الشيخ محمد عن (والده) الشيخ أحمد عن (والده) الشيخ عبد الرازق ابن الشيخ الجيلاني عن والده الشيخ عبد القادر الجيلاني(1).
وقد ورد في سند هذه السلسلة بعض الألقاب والكنى بدلاًً عن الأسماء الحقيقية. وهذا يرجع إلى سمات ذلك العصر، فقد عمد الخلفاء والملوك إلى الألقاب الضخمة ينعمون بها على الناس من باب المكافأة والإعتراف بالخدمات، وتلك عـادة نشأت في بعض البلاد الإسلامية أيام البويهيين في بغداد. فقد كنى الفاطميون مثلاًً أبا المكارم بـ (كنز الدولة) الذي صار أساساًً لبنى كنز، وذلك عند قبضه على أبي ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك الأموي بمماليك النـوبة. ولم تتوقف ظاهرة الألقاب عند حدود جغرافية معينة بل تأثر بها المجتمعات في تلك الممالك وغيرها، نجد في تاريخنا القاب مثل ذلك.

البهاري إلى المملكة السنارية:
التقى الحاج داوود بن عبد الجليل بالشيخ تاج الدين البهاري في مكة كرمها الله، في دار الشيخ الجيلاني التي كان ينزل فيها الخلفاء بعده، ويبدو أنه اثناء هذا اللقاء ولحظات الأُنس والتعارف جرى بينهما الحديث في أحوال كثيرة ومن بينها أحوال المملكة السنارية، وطلب ابن عبد الجليل من الشيخ البهاري التكرم بزيارة بلاده، لأنه لمح من الحديث معه أن الناس في حاجةٍ إلى مثل هذا الشيخ، وقد توافقت الدعوة مع ما كان يعتمل في صدر الشيخ تـاج الدين من إمور مرتبطة بمسائل روحية تجاه المملكة السنارية، التي كانت تمر يومها باحوال جديدة في نظام وطبيعة الحكم، وهو أمر شغل بال الكثيرين من رجال الدين في العالم الإسلامي، وكلٌ يرغب بالإسهام في بناء تلك المملكة، وكان الشيخ تاج الدين ممن قيض لهذا الأمر.
ويذكر ود ضيف الله قول البهاري أنه قدم البلاد (بإذن رسول الله() والشيخ عبد القادر الجيلاني)، وأن ذلك في (أول النصف الثاني من القرن العاشر الهجري) وقيل انه بين 957- 975 هـ.
فصحب الحاج داوود في رحلته إلى قريته (وادي شعير(1)) سرعان ما ألفه الناس لما علموا أنه خليفة الشيخ عبد القادر الجيلاني.
دخل البهاري البلاد على قدرٍ وصدره يجيش بإصلاحات عظيمة، يريد الإسهام بها في واقع مملكة جديدة، وهي أشد ما تكون حاجةً إلى إسهام العلماء، وبعد أيام من التعرف، دعاه الحال إلى التفكير في التبشير بالطريقة لتقديره للعامل الزمني.
فرأى هناك قرى نائية وأحياء مشتتة أنّى له بالمطاف على كل هذه القرى، فأختصر الأمر على المعرفة بكبار رجال القبائل العربية، والصلة بملوك وشيوخ القصر السناري، وقد رأى هذا التواصل من الإمور المهمة في تيسير نشر الطريقة.
وكانت البداية المسار بقرى وسط وشرق الجزيرة، ينزل حيث يشير إليه صاحبه أبن عبد الجليل، وقد نألت قرية (العك*) حظاًً وافراًً لأرتبطه بها أسرياًً، ثم أرتحلت قافلته في مسيرها مقيلاًً ومبيتاًً في القرى والأحياء، حتى ناخت الرواحل أمام دار ود التويم شيخ الشكرية، وهي من المنازل التي قصدها الحاج داوود لمكانة ود التويم وتجمع الناس فيها. وقد أصبح شيخ قبيلة الشكرية بعد، من تلاميذ بيعة اربجي الشهيرة.
وكان الشيخ البهاري مع ما كان يتحدث مع الملوك والشيوخ في الأحوال المختلفة. وقد استفدوا كتيراًُ من علومه ومعارفه، وهذا ما جعله يخص القصر ببعض وقته، وقد يسر له هذا التجاوب أن ينشر طريقته بين الشيوخ والأمراء ورجال القبائل.
ويبدو ما كان من الشيخ البهاري من رؤى جديدة، جعلت العلاقة بين مشايخ التصوف وبين المملكة السنارية علاقة حميدة يجَلُها الإحترام المتبادل، ونأخذ لهذا ملمحاًً (أن الملك بادي ولد رباط أرسل إلى الشيخ حسن وقال له: تعال أعزم لي ناصر أخوي ماسكاه أم غزالة، فذهب الشيخ حسن ود حسونة، وشفى الله على يده أخا الملك وبعد تمام الشفاء، قال الشيخ للملك بادي: ناصر قعدناه للفقراء يبقى خشم حوش يقضي لهم حوائجهم)(1).
هذه المقولة إشـارة إلى ما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الرؤساء والشيوخ من احترام، وفقاًً لمنهج الشيخ البهاري. فقد صاغ مفهوم طريقته بأن جعل من رجل الدولة عجيب المانجلك شيخاًً من شيوخ الطريقة. ومع أحوال السلطة فقد احتفظ بِأمرين عظمين:
مشيخة السلطة.
البساطة في المشيخة الصوفية.
فقد كانت قوة الرجل الذاتية لم تجعل أحوال سلطة الدولة والمشيخة الصوفية تختلط عليه، بل جعل بين الأمرين برزخاًً فاصلاًً.
والشيخ بانقا الضرير أنحدر من ابهت القصور وزهد في متاعها واتخذ في غابة الحُُمر كوخاًً من البوص لا تحيط به إلا الوحوش وكثرة الثعابين.
تتابع الحديث عن الطريقة القادرية في البلاد يوقفنا على شخصية فذة تكتنف بين جنبيها المعرفة العلمية والصوفية، وإن شئت قل إلى جانب ذلك ذو مراسٍ بالسياسة والإدارة الحكيمة، تجلى ذلك في أعماله وحركته وسط القطاعات الشعبية المختلفة، من أمراء وعلماء وزعماء قبائل، استطاع بحمكته ووفرة العقل وثقوب الفكر، أن يؤسس في وقت قليل طريقة كبرى، موازية للمملكة السنارية اتساعاًً، بل تجاوزتها انتشاراًً إلى جبال تقلى.
والدارس لحركة البهاري التأسيسية يرى له أسلوباًً جديداًً في إختياره للشخصيات التي يريد تسليكها، وأوضح هذا تجواله الواسع وسط الجزيرة وشرقها، مع التفاف الناس حوله إلا أنه لم يفتح باباً للتسليك، ويبدو أنه أراد بذلك أن تتم له المعرف بالرجال الذين يبحث عنهم، وهو لا يريد من السلوك كثرة إلتفاف الناس حوله، بل يبحث عن شخصياتٍ بعينها يُحملها المسؤلية في بلاد خلت من الوثنية عن قرب، وهذا يجعله يختزن في مدركته كثير من الأفكار التي تدور في خلده، وهو كما ذكر جاء البلاد لنشر هذه الطريقة فقط، وقد سبقه في هذا الميدان رجالاًً امتدت بهم الطريقة من العراق إلى الهند واليمن والصومال والحبشة وبرنو، هذا الميدان الذي سُبق فيه جعله ينظر الى الإمور بروية وحكمة، ويبدو أن أحوال الطريقة قد كانت أمامه وأضحة، لابد ان يولي أمرها رجالاًً من البلاد نفسها، وهو رجل صاحب دعوة وبلاغ، عليه أن يؤدي الأمانات إلى أهلها.
بلا ريب إن الصنف الذي كان يبحث عنه فهو صنف قليل بمعاييره العلمية والسلوكية، وقد كانت الإشارة منه بعد الأختبار والتمحيص إلى محمد ود عبدالصادق وبانقا الضرير قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةالولدان يحييان البلد)(1).
دخل الشيخ البهاري بلداًً لم يطل تخلصه وقتئذٍ من القبضة الوثنية والمسيحية معاًً، وهو يتحدث في هذا مع ملوك وشيوخ المملكة في رحلاته المتكررة إلى سنار، وكذلك يتحدث في هذا مع تلاميذ الطريقة، ويرجوا منهم أن يكونوا عيناً ساهرة في ما يحدث ويشدوا الأحزمة في ميدان الدعوة والتبشير.
النظرة في شخص الشيخ البهاري، إنه صاحب رسالة كحال العلماء الذين دخلوا البلاد، وعليه أن يودي الدور الذي جاء من اجله، فهو تسليك وتربية التلاميذ الذين يريد أن يحملهم مسؤلية الطريقة دعوةً وتبشيراً. مناحي كثيرة في شخصية البهاري اخذت بألباب الذين تتلمذوا عليه وكذلك اخذت بألباب الملوك والأمراء.
كل هذا قد كان وبين دفتي النفس البهارية ذاتاًً تتجوهر بالصدق والامانة، وتعلوا أن تشاب بشيءٍ من حطام الملوك، لهذا الشموخ الأبي أحبه الناس، وعله تجربته الصوفية قد هدته إلى ديدن سلوك تنتفع به أهل الطريقة، بحيث لا تكون خدمة الدين والدعوة إلى الله باباً إلى الثراء. وبخاصة الذين يولون أمر الناس، من رؤساء ووزراء عليهم النظر ﮋﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﮊ[الأحقاف:٢٠]. الشيخ البهاري مع وجوده وسط رجال العشائر وقصر المملكة، إلا أنه رحل من البلاد صفر اليدين كما دخل، فأعتبروا ياؤلي الألباب، تلك النفوس الأبية نفوسُ العلماء العاملين الذين تَجلّهم الحياة لتجردهم.
التخـطـيط لبيعـة أربجي:
يبدو أن مسار الرحلة الطويلة التي دام تنقلها وقتاًً طويلاًً وسط القرى كان له ثمره حيث تعرف الشيخ البهاري على كثير من رجال القبائل الذين يُعتبرون حكام حقيقيون تنقاد لهم الناس وهذا بلا ريب اختصر له الوقت ووفر له الزمن.
فقد ساعدت هذه الرحلات في خلق علاقات اجتماعية واسعة، ووأيضاًً بما كان له من ومؤهلات علمية وفكرية وروحية عالية جعلت العلاقة بينه وبين الديوان الملكي السناري، وفي الخطوات تالية عمل على وضع لبنة أولى في بنائه للطريقة بالبلاد. فقد كان على موعد مع الرحيلمن حيث أتاء، إذ لا بد من البحث عن رجال يعتمد عليهم، ويتمثل هؤلاء في القيادات القبلية والعشائرية اللتى التقى بها.
وإذا كان الأمر كذلك فهذا التحليل سيجعلنا نفهم كيف أن الوضع كان يتطلب أن يختار من هـؤلاء السادة خلاصتهم وزبدتهم ليضعها في مكان القيادة. ولم يعتمد في هذا على الفراسة وحدها، فكان لابد أن يبين مبرراته للأمة التي طلب منها الانقياد لهم فيما بعـد، ولذلك فقد خطط الشيخ البهاري لإجراء بيعة جماعية تكون واسعة الصدى، يعقد فيها امتحاناًً تتواتر أخباره، قوة وصلابة بإيمان الذين يجتازونه حتى يتبعهم الناس عن اقتناع بتميزهم عنهم.
في دار الهنـدي:
في هذه الدار كانت البيعة وكان الامتحان الصعب الذي لم يجتاز صعوبته إلا خمسة من الرجال هم :
محمد ود عبد الصادق.
بان النقا الضرير.
الشيخ عجيب المانجلك.
الشيخ شاع الدين ود التويم.
حجازي بن معين
ووضعت التراتيب لأمر الدعوة بدار الهندي، وما كان فيها من حسن ضيافة ورحابنة استقبال للوافدين، ومن ملاحظة في أمر الدعوة أن ما تم فيها لم يكون أمر عفوياًً. فقد كانت باتقان واسلوب رفيع راعى أحوال كل الوافدين.
ويبدو أن أمر البيعة وما فيها من جديد أوجب تحضير غرفة خاصة للتسليك، والأمر فيه على غير ما جرت به العادة، فقد وضع الشيخ البهاري لتسليك والبيعة معاير خاصة لا يريد أن يعطي البيعة لكل أحد إلا من إجتاز عقبة الإمتحان.
فقد كان يطل من غرفة السلوك التي أدخل بجوارها عدداًً من الخراف ليذبح منها عند تسليك كل مريد خفية، فكان ينادي في الناس: "أُسلك وأَرشد وأَذبح ويمـوت التلميذ على الإيمان"، فقد أخافت عبارة الذبح الناس وشدهت لها الأفكار وأتستصعبوا أمر الذبح، كيف يكون ذلك؟.
فجبن الناس بالنفس فقـدِم محمد ود عبد الصادق وهو شاب لم يتجاوز الثمانية عشر إلا قليلاًً، وتوضأ وصلى ركعتين فدخل عليه وسلكه الطريق وذبح أحد الكباش فسال الدم وظن الناس أنه ذبحه فأدهِش الجمع وارتبكت الأفكار فضجوا (ضبحو ضبحو)(1).
ولم يزل الشيخ يردد عبارته: (لا حسد ولا بخل، اسلك واذبح ويموت التلميذ على الإيمان)، وكان بعد، الأمير السناري بانقا الضرير، فلما سمع الضرير نداء الشيخ البغدادي تقدم بوثوق، وهنا تتجلى صفات التضحية في الأمير السناري فتوضأ وصلى ركعتين وقال: أنا ( توراًً كمل كراه اخترت لقاء ربي)، فدخل وسَلَكَ وذُبح خروفاًً فسال الدم فصاح الناس أيضاًً ضبحو ضبحو.
يُروى أن الشيخ عجيب بعد دخول بانقا غرفة التسليك وضجيج الناس، مع علمه بصاحبه البهاري الإ أن الضجيج رتب عليه أن يكشف لهم حقيقة الأمر التي تُهدء من أحوالهم، وقد كانت عند الشيخ عجيب مقدمة عقلية تُبعد عن ذهنه تصور الذبح، أن يصدر عن رجل عرف أنه رجل علم وفكر يمتاز برؤى روحية مشرقة.
ويبدو أن اطروحات فكرية في معارف التصوف وأشياء من هموم المملكة الإسلامية الحديثة، جري الحديث في توطيدها بين الشيخ البهاري ورجل المملكة الشيخ عجيب المانجلك، لتكون كلاً من المملكة والطريقة مكملاً للآخر في تكاملهما حفظاًً للإسلام في أرض انتزعت حديثاًً من براثن المسيحية والوثنية، ويرى البهاري أن التمكين هو التلاقي بين الملوك وشيوخ الطريقة بروح يجلها الإحترام.
بلا ريب أن صور الحوار التقريبي بين البهاري ورجال المملكة، وثق العلاقة بين الطرفين، وكان منهم إرسال بانقا الضرير إلى (قََريِِ) ليحضر الشيخ عجيب أمر هذه البيعة، فلم يكن حضوره إلى أربجي صدفة كما جرى الحديث في رواية القصة في طبقات ود ضيف الله، وتكتمل قصة ملحمة الذبح بدخول شيخ المملكة غرفة التسليك سواء كان هو الرجل الثالث وهذا الأكيد أو كان الخامس بعد شاع الدين ود التويم أو حجازي بن معين وبه ختم التسليك، فدخل فرأي صاحبيه ود عبد الصادق و(عكاز الملك) الضرير كما يظن ويعتقد، فجلس إلى جنبيهما وطلب من الشيخ البهاري التسليك وكان من الخمسة الذين أخذوا بيعة الذبح. وانفتح أمر التسليك بعد يومها العصيب، فسلك علي البهاري أربعين رجلاًً.
تُؤرِخ لحظات أربجي حدثاًً عظيماًً في تاريخية الطريقة القادرية في السودان، وقدر لها أن تُوسم بهذا الحـدث لتكون معلماًً في أول حلقة من سلسلة الحياة السودانية، وكان التقدير والتبجيل لرجال ذلك الحـدث الذين ضحوا بالروح والدم حقيقةً لا شعاراًً. فكانت حقيقة الإيمان الكامنة في النفوس المؤمنة حقاًً، هي التي نشرت الطريقة القادرية في السودان بالذبح والموت على الإيمان.
هذه البيعة الجماعية بهذا المفهوم قد تمت بتدبير عقلية حكيمة وبصيرة نافذة وصفاء روحي، وهذا الجهد الذي بذل يمكن أن يلتمس في الآتي:
اختيار منطقة أربجي كمنطقة تتوسط جغرافياًً تلك المناطق التي زارها الشيخ البهاري في زيارته الأولى التي تعرف فيها على الكثير من الناس، ثم إختيار دار الشيخ محمد الهنـدي مكاناًً للقاء من حيث أنه من البيوت ذات المكانة الكبيرة بالمملكة.
العمل على راحة الوافدين والتجهيز بما يناسب حالهم، فقد كان المطلوب من هذا لقاء أن يجتمع الأعيان والوجهاء في مكان واحد، وكان لابد له أن يكون حدثاًً تاريخياًً مهماًً في الحياة السودانية. فما جرى تم تناقله بتواتر، وهذا ما كان يرجوه الشيخ البهاري.
فقد كان اختيار الشيخ تاج الدين للبيعة بالذبح، مع ما فيه من حكمة ودراية، إلا أنه كان اختباراًً حقيقياًً يبين صدق المريد وتحمله، وان من يجتاز اختباراًً كهذا لن يشك الناس في صدقه، وهو ما كان يرمي إليه الشيخ تاج الدين، لأنه أتى البلاد من أجل رجال يحملهم مسؤلية الطريقة، والذبح كاختبار غريب في نوعه عن الأهالي، كان أيضاًً سبباًً لإنتشار الأمر بين الناس.
بهذا قد تحققت الغاية التي أشرنا إليها، وقد جعلتنا حتى زماننا هذا تاريخياًً نعلم أخبار ذلك اللقاء وأولئك الرجال، رغم الدهور التي ضربت بيننا وبينهم وعدم وجود وسائل التوثيق في ذلك الزمن، ولكن الشيخ البهاري كانت وسيلته التي الهمه الله اياها، هي ذاكرة المجتمع التي نقلت ذلك الحدث بتواتر.
وبعد حدث الذبح الكبير الذي تناقله الناس فكانت وسائل أخر لنشر وهي بيوت القصائد والأشعار التي ترنم بها المادحون من ابناء الطريقة فجددت وجوه التاريخ لهذه الملحمة العظيمة.
ولقد أورد الشيخ عبد الباقي المكاشفي في قصيدة ذكر فيها رجال السلسلة القادرية مربعاًً شعرياًً يقول:
البهـاري بهــر بنور الكون جاب بالذبح طريق الصون
وقال الشيخ الكنجي بن إبراهيم ود أحمد في إحدى قصائده:
نـحــن شــبــابــنــا ربـحــو جـنـيـن جـــاهـــــم مــعــنى تــاج الــــدين
شـــبـــابــنــــا شـــــبــابـــــاً زيـــن مـــــدو رقـــــابــــهـــــم بـيـقـيــن
نـــحــــن شــبـــابــنــا جــابو الربح مـــــدو رقـــــابــــهـــــم للــذبـــح
صــــارو يـــكـــتـــبــو ويــمــحـــو وكـل الـــخـالـفـــوهــــم قــمـحـــو
والحمدي الشاعر قال:
بذبح الرقاب من شيخـنا تاج الديـــــن
يا راغب الطريق هذا مسلك الواردين
هذا طريق الكمَّل الجيـدين جـابوا
هانوها النفس ختوها تحت الطين



وقد وثق شعراء الطريقة هذا الحدث في قصائد كثيرة حفظت لنا تاريخية تلك الساعات.

البهـاري أفكار ورؤى روحية :
عنوان هذه اللوحة أفكار ورؤى، وهو للتعرف على ما يسطر فيها عن حياة رجل دخل البلاد على قدرٍ، يحمل بين اضلاعه هموم اصلاحات كبيرة، يريد بثها بين الناس، وفي مقدمة تلك الهموم التبشير بطريقة يحمل مكنونها طريق الذين هدى الله، وليس شيء يقدم في الحياة اعظم من هذه القيم.
وكانت حركته انطلاقاً من وادي شعير كادت تغطي معظم أرض المملكة نشراً وتبشيراً بمنهج طريقته، التي قدر لها النجاح في واقع الحياة السودانية، بالأُسس والخطط التي قدر، ومع ما كان يطرقه بحثاًً وتفرساًً عن نوعية الرجال التي تصلح لتحمل المسئولية، إلا أن عامل تجربة الذبح الفريدة استخلصت له قلة، فكان عليها مدار الأمر في مستقبل الحياة، وإلى جانب الإختيار الذي ركز عليه الشيخ البهاري إلا أنه لم يغفل جانب الدولة، فقد جعل من الملوك أصدقاء بزياراته، ويبدو من هذا أنه كان شخصية جاذبة ومؤثرة بما لها من علم وفير وملتمسات روحية بمجريات الحياة، فقد استطاع بحنكته وإقناعاته الروحية والعقلية أن يجعل من الشيخ عجيب المانجلك رجل الدولة والشخصية القوية في المملكة أحـد شيوخ الطريقة وكذلك بانقا الضرير الذي كان أميراًً ديوانياًً مقرباًً بين أخوته الملوك ينحدر من دهاليز القصر السناري ملبياًً دعوة البهاري، من النعيم إلى حياة الفقراء والزهـد، والشيخ مع استجابة ملوك القصر وتطويعها للطريقة إلا انه فرض أمراً له واقعيته، وهو أن يكون التلاميذ شيوخاً لا ملوكاً، ورأى هو الأنفع في الآماد البعيدة، وكان لهذا نفاذه البصائري، يحاول الشيخ البهاري بما يفعل أن يجمع لطريقته كل الخطط التي تهيئ لها سلامـة السير والبقاء في الحياة السودانية، وإلى جانب ما ألمَّ من خطوط إلا أن أمراً يعد المرتكز الأساسي للطريقة وهو العلم، وهو بلا ريب معطي الآداب الحقيقية عقائدياً وسلوكياً وهذا ما جعله يدعو الشيخ عبد الله العركي إلى السلوك من لحظات أربجي، يبدو انه لمـح فيه نموذج العالم الرباني الذي يمكن أن تنشأ على يده مستقبلاً مدرسة علم على نمط مدرسة الجيلاني في بغداد، وهو ملمح لم يكن بعيـداًً من مخيلة الشيخ البهاري، وهو يستعرض أطيافاًً من الأفكار تساعد في دفع حركة إصلاحية. وكذلك يستعرض أمـوراًً بالغة الدقة، وهو يرى ألاّ يتخلف التفكير الديني عن دور تأمين البلاد من المخاطر التي قد يثيرها الأعداء.
وما حدث بالفعل أن تلاميذه الذين آلت اليهم مقاليد مشيخة الطريقة كانوا رواد حركة فاعلة أسست المساجد وخلاوى القرآن والتكايا والمدارس العلمية، وانتظمت بهم الحركة الإرشادية التي لم تعهد البلاد لها وجوداًً قبلاًً، ولم يقتصر دور التلاميذ على العمل التربوي وسط المسلمين، بل امتد الأمر تبشيراًً إلى القبائل الوثنية دعوةً ونشراًً، وقد كانت رحلة الشيخ البهاري إلى جبال تقلى ( 975-982هـ-1510-1517م) سلك عليه عبد الله الجمال جد الشيخ حمد ود الترابي وبعض التقليين، وقد أدى هذا الدور الصوفي الصاعد أن يكون التلاميذ التقليين فيما بعد أعمدة لقيام مملكة إسلامية كبيرة، وكان أول ملوكها "جِيلي أبو جريدة محمد الجِيلي" حيث صارت كلمة (جلي) بكسر الجيم لقباً موروثاً لملوك تقلى، ولعل "جلي" بالكسر يعني "الجيلي"بعد حذف الألف واللام والياء الأولى بعد الجيم يثقل على الاعاجم نطقاً ، فصار الاسم (جلي).
ولعل الشيخ البهاري اثناء وجوده في تقلي وضع مع تلاميذه خطة لقيام دولة إسلامية نظير المملكة السنارية، ومن نظرة لتأثيراته في تلك الممالك نجزم بذلك.
بهذا الأسلوب والعمل المتقن كانت القادرية في الحياة السودانية، وقد أعانه الله بما وضع من أسس سليمة على نقل شعب برمته الى المسار القادري الذي سارت عليه البلاد خمسة قرون بلا توقف، ولا تزال تتجدد في الأرضية الشعبية، فكلما أفرزت قطاعات شعبية بواقع فكر وثقافة جديدة في الحياة تُحدث القادرية تأثيراً جديداً وذلك لما للشيوخ من أثر روحي، ظل له الخلود في عمق الحياة السودانية، ونعني أن الأحفاد قد توارثوا عن الأجداد والآباء آداب المدرسة القادرية.
والنفس بما لها من تطبيع بحياة الآباء والأجداد، فإنها تحن أبداً إلى ذلك المنحى مهما كان للتأثيرات الحياتية الطارئة من فعل غريب، فإن عامل الوراثة يظل متعمقاً في النفس ينازعها إلى منحى الآباء، وهذه العوامل وغيرها مكنت القادرية أن تبقى تعاليمها متجذرة في النفوس على مرّ القرون.
نُظم ووسائل:
لعل الإستعراض لنشاط الشيخ البهاري رحمه الله لاسيما الأخير منه يدعو إلى النظر فيما أدخل معه من أشكال ووسائل تنظم حركة الطريقة في مسارها اليومي، وأظهرت تلك النظم الدور المنظم للأحوال بين الشيخ والمريدين، وإن شئت قل بين الراعي والرعية، وحلقة وسيطة لا نريد أن يُنسى دورها وهي وظيفة (المُقدم) نيابة عن الشيوخ في بعض المسئوليات الإدارية أو التربوية، ويرى الإمرة أو المشيخة شرط تربط آدابه بين الطرفين، وهي البيعة الصوفية التي تعني إلتزاماً بشرعيات الدين وآدابه الروحية، ومن آداب وأذكار في اليوم والليلة. وما تبع ذلك من الإجـازة في مرتبة المشيخة توظيفاً للإرشاد في الحياة الإجتماعية، وبما كان من آلات تعارفت عليها الهيئات الدينية والسياسية تتبع التوظيف، وعند البهاري من تلك الجُبة أو الكوفية أو الطاقية والككر (أي الكرسي) الذي يجلس عليه المراد تأييده، والرايات أو الأعلام فهذه أشياء في حركة الطريق عُرفت بدخول الشيخ البهاري الذي أدخل طريقته بنظام متكامل لم يُعرف قبله، ويفيد في هذا توثيق ود ضيف الله للشيخ البهاري واستخلافه للشيخ الهميم فقال: (وأداه الأسماء والصفات ومعرفة دخول الخلوات والرياضة)(1). وفي إجازة الشيخ عبد الله العركي لأخيه محمد (أبو إدريس) (لقنتُه كلمة التوحيد والأذكار المأثورة والحزب السيفي وأجزتُه كما أجازني شيخي العجمي وهو عن شيخه البهاري البغدادي).
ويوضح ذلك ما أعطى البهاري لتلميذه محمد الهميم من الأسماء والصفات، وما لقنه عبد الله العركي لأبي إدريس من أذكار مأثورة يبدو إنه ورد الأساس الشائع عند أهل الطريقة ومتفق عليه عند الأعراك والصادقاب هو:
* بسم الله الرحمن الرحيم.
* أستغفر الله العظيم.
* لا إله إلا الله.
* الله الله.
* اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وسلم.
* يا لطيف.
* حسبنا الله ونعم الوكيل.
* حي قيوم.
ويبدو أن هناك أوراد تصحب دخـول الخلوات وقيـام الليل، كالتهليل والإستغفار والصلاة على النبي() بكيفية وترتيب يناسب الإعتكاف.
كـشـوفـات وإلهـامـات:
كان الشيخ تاج الدين رحمه الله ذو اشراقات وإلهامات كثيرة ظهرت لتلاميذه، وقد رأينا ذكر شيء منها مع ما ذكرنا من علمه وحكمته. فمن ذلك قـوله للشيخ الهميم: (يا محمد ولدي سبعة سنين لا دين لا دنيا وبعدها الدين والدنيا) وكذلك قال له: (تسكن أرضاً يقال لها النـادرة، سلوكة ودلوكة، تسوق فيها اليمن والحجاز) يعني أن أهلها أصحاب زراعة يحبون اللهو واللعب و تكون منطقة تجارية يوفد اليها الناس مما ذكر. وقد تحقق ذلك بعد ذهاب الشيخ البهاري تفصيلياً، فقد دخل الشيخ الهميم خلوة إعتكافية بمنطقة (دلوت) امتدت لسبع سنوات، وبعدها فتح الله عليه في أمر الدين فبنى المسجد والخـلاوي وتدفق عليه الناس لطلب الطريق والإرشاد، ووسع عليه في أمر الدنيا. ثم انه سكن (المندرة) التي كانت كما وصفها شيخه البهاري. وقد كان الشيخ البهاري في لحظة سفره من السودان في روحية عالية، وفيوضات إشراقية أحس بها تلاميذه مما جعلهم يطلبون منه أشياء كثيرة، حققها الله بصدقه في مسعاه.
ويروى عنه أيضاً لما رجع إلى بلده ومقر مشيخته حدث خليفته بالحجاز الشيخ حبيب الله العجمي بمجيء الشيخ عبدالله العركي وأوصى له بالمشيخة، وترك له عكازه وكوفيته إشارة لتأييده، ولا تزال هذه الموروثات موجودة بمنطقة أبو حراز مقر السادة العركيين.

وفـاتـه:
كان الشيخ على معرفة بأنه قـدم السودان لنقل أمر الطريقة للتلاميذ الذين يرى أنهم أهل للقيام بخدمتها. فآخى بين الكل ورباهم بالآداب المصفية للنفوس من عوامل الكبر والرياء. وبعد أن أدى الأمانة إلى أهلها سافر إلى الحجاز ولم يُعرف عنه بعد ذلك من خبر لبرزخ البحر الكبير بين السودان والأراضي الحجازية. ولكن لم يكن هناك حاجز روحي، فقد ارتوى الكل من نفح وعرفان الشيخ الواصل تاج الدين البهاري شيخ مشايخ القادرية بالسودان. ولا نعلم بالتحديد متى كانت وفاته، ولكن الشيخ العركي سافر في زمن لا يبعد كثيراً عن سفر الشيخ تاج الدين ليدركه فوجد أنه إنتقل إلى رحمة مولاه الشاملة، وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر الهجري رضي الله عنه، وجزاه الله عن بلادنا خير الجزاء بما وفّى ونشر من آداب وعلوم ثبتت العقائد راسخةً رسوخ الجبال لا تزلزلها عواصف الأهواء والفتن.







المـلامح الشـكلية للـطريقـة القـادرية
أبرزنا في هذا السفر بعضاً من شيوخ الطريقة القادرية في السودان بغرض الكشف عن نشاط الطريقة في مجال الدعوة إلى الله، وما اتخذت لذلك من الوسائل المساعدة لحركتها التي لم تفتر في البلاد منذ خمسمائة عام. وهذا النشاط والحركة المتعاظمة جعلت البعض يتساءل هل لهذه الطريقة شكل تنظيمي محدد الملامح يحركها ويحكم سيرها ووجودها في المجتمع؟ وهل تمثل المصطلحات والأشكال التي في منهج الطريقة القادرية موضعاً لبناء منظم في الهرمية تقوده أفقياً للمجتمع الواسع الذي تمارس فيه دعوتها إلى مركز واحد؟.
من التتبع التاريخي لنشاط الطريقة القادرية في السودان لا يجد المرء ما يمكن أن يكون نظاماً ترتبط به الطريقة باعتبارها فرعاً لمركز سواء بداخل السودان أو خارجه. فكل وحدة عضوية للطريقة في أي مكان هي أصل للرؤى التفصيلية الخاصة بشيخها، مع الحفاظ على الإطار العام للطريقة. هذا ما أراده لها شيخنا الأكبر الإمـام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، وهو ما جرى عليه المنوال. ولكن هذا الإنسياب الحر في حركة الطريقة لم يفتت من قوامها بل لم يمنعها من إتخاذ الأشكال والمسميات التي نلتمس منها ما يمكن أن نطلق عليه (مركزية روحيـة).
الأشـكال والمسميات:
يمكن تقسيم الوسائل التي تعارف عليها أهـل الطريقـة في السودان إلى قسمين أساسيين:
القسم الأول: المسميات ذات الطابع العام، وهي التي يشترك فيها جميع أهـل الطريق الصوفي على اختلاف مشاربهم. وهذه غالباً ما تكون ذات صلة بوظائف التدرج في الطريق الصوفي عموماً، والطريقة القادرية على وجه الخصوص وأهم هذه المسميات:
الطـريقـة:
هو مصطلح تعارف عليه أهل التصوف، وطريقة الرجل هي منهجه في الحياة، سواءً كان محموداً أم مذموماً. قال(): (من سن سنة حسنة فعمل بها له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها له وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً).
قال الإمام أبو الحسن محمد السندي رحمه الله: سنة حسنة أي طريقة مرضية يُقتدي بها(1) والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها.
قال صاحب المباحث الأصلية مشيراً إلى الطريقة الصوفية في عمومها(2):

وهـذه طريقة الإشـراقِ كانت وتبقى ما الوجود باقي
واعلم بأن هذه الطريقة بحث عـن التحقيق والحقيقة

القـوم:
مصطلح يعني أهل التصوف في مجموعهم، وقد أطلقوه على أنفسهم استلهاماً من أقواله(): هم القوم لا يشقى جليسهم، من أحب قوماً فهو منهم... الخ وقد وردت كلمة القوم في معظم نصوص الأدب الصوفي السوداني.
قال الشاعر أبو كساوي في مطلع إحدى قصائده:

ســـــاداتي عـــــموم بناديهــــم
بنادي القـوم بناديهــــــــم

وقال الشيخ عبد المحمود نور الدائم(1):
محـبتي في جـميـع الصالحين ومــن يــر ســوى قــولـنـا هــذا لــقــد كــذبا
و من يصحب القوم مع صفو السريرة لم يندم وعـمرك يلقي الخير والرتبا

وقال الشـيخ قريب الله أبو صالح ذاكراً في مدح جده الشيخ الطيب ود البشير(2)

طـيـب الــقـوم أبـو الأعـــــــلام طـــيـّـبــنا مــــــن الآلام
طـيـب الــقـوم تـــداركــنـــــــــا مــن الأوحــال خـلـصـنا

شـيخ الطـريقـة:
شيخ الطريقة هو القيادة الدينية التي تقوم بمهام الإرشاد والتسليك.
المـريـد:
هو التلميذ الذي يأخذ السلوك من أستاذ الطريقة الصوفية، وهي كلمة استقاها القوم من قوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﮊ [الكهف: ٢٨].
المقـدّم:
وهي وظيفة تنظيمية مساعدة للشيخ مما يُسند اليه من إمور.


السـالك:
هو من نال قدراً من الآداب الروحية، وكان ذا اجتهاد في مساره الروحي بالمداومة على الأوراد والأذكار. وهو صاحب حال يترقى من مقام إلى مقام فهو في زيادة. وقد قال الشيخ محمد ود بـدر رحمه الله: السالك من لدغته حية التصوف فأقبل على محبة الشيوخ(1).
الـدرويش:
قيل هو المتعبد الزاهد(2). وهي كلمة تشير إلى غير ما قد يكون في ظاهر الأمر من خروج عن مألوف المجتمع، وإن من الحكم الجليلة ما قاله الشيخ محمد ود بـدر رحمه الله في الدرويش: (حقيقة الدرويش: بالـدال دّين، وبالراء رؤوف، وبالـواو ورع، وبالياء يخاف الله، وبالشين شاكر لله على جميع الأمور). فقد حذر الشيخ ود بدر تلاميذه بأسلوب متميز واصفاً الدرويش المدعي قال: (هو"نعوذ بالله منه" بالدال دجال، وبالراء رقيب، وبالواو وسواس، وبالياء يائس من رحمة الله تعالى، وبالشين شيطان).
وينبغي للمريد والسالك أن يزن نفسه بهذا الميزان ليعلم نفسه في أي الفريقين.
المـجـذوب:
يختلف عن الدرويش فقد يكون الأخير على وعي تام بكل تصرفاته، أما المجذوب فإنه في غيبة مع الله سبحانه وتعالى.
وقد قال القشيري موضحاً حقيقة هذه الغيبية: (هي غيبة القلب عما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه).
وقال الشيخ ود بـدر: المجذوب هو من لدغته حية الحقيقة فأقبل على الله بالكلية.
وقد قسم السهروردي الأمر إلى مجـذوب مجرد وهو من يبادئه الحق بآيات اليقين فيرفع عن قلبه الحجاب فيصبح غائباً عن الخلق، ومجذوب متدارك على وعي بما يفعل ولكنه مأخـوذ بوهج القرب(1)
القسـم الثاني: المسميات ذات الطابع الخاص الذي انفردت به الطريقة القادرية في السودان، فاتخذت من الوسائل ما جعل يبرز شكلاً مميزاً ساعد في استقرار صورتها في الأذهان. وأهم تلك الوسائل والأشكال:
الـكَـكَر:
هو كرسي من الخشب يجلس عليه من يـراد تأييده سواءً أكان شيخاً أم خليفة شيخ. وقد استعمله الشيخ تـاج الدين في تأييده للشيخ بانقا الضرير.
الطـاقـية (الكـوفـية المكاويه):
هي غطاء سميك مصنوع من القماش الأخضر ومحشو بالقطن. ، والكوفية فيما يبدو ان حرفة صنعتها منسوبة إلى الكوفة، وهي شارات يستخدمها بعض رجال التصوف في اجازة من يراد اجازته في مرتبة المشيخه .
الإجـازة الصـوفـية:
يقصد بها إعطاء الإذن في أن يُلقن الشيخ الأذكار وآداب السلوك. وتتدرج مراتب الإجازة الصوفية من الإجازة في المشيخة، تليها النيابة وهي الخلافة عن الشيخ بعد موته.
الإبـريق (الركـوة):
الإبريق أو الركوة هما إناءان عربيان قـديمان يعدان لحمل الماء، وهما يلازمان الشيوخ والفقهاء في حلهم وترحالهم للاستخدام في التطهر والوضوء. وكانت الركوة تصنع من النحاس والإبريق من الفخار، وأخيراً صار يصنع من أنواع الحديد والبلاستيك. وقد وردت كلمة إبريق بالمعنى في قوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ [الواقعة].
قال الصاوي رحمه الله: (الإبريق له عروة يمسك بها المسماة بأذن وله خرطوم).
العكـاز :
وهو عصا تُتخذ من خشب الشجر يقارب طولها المتر والنصف، واعتاد الشيوخ حمل العكاز في حلقالذكر. وأول من حمله في السودان الشيخ عبدالله العركي أتى به من ضمن شارات إجازته بعد أن خلفه الشيخ حبيب الله العجمي. وهو مازال موجوداً في منطقة أبو حراز منذ ما يقارب الخمسمائة عام.
العصـايا:
وهي موروث قديم اعتاد حَمْلها الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. قـال تعالى: ﮋ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮊ [طه].
قال الصاوي رحمه الله: (عصا موسى عليه السلام كانت من آس الجنة نزل بها آدم عليه السلام منها وورثها شعيب، فلما تزوج موسى بنت شعيب عليهما السلام أمـرها أن تعطيه عصاً يدفع بها السباع عن غنمه، وكانت عصي الأنبياء عليهم السلام عنده فوقعت في يدها عصا آدم عليه السلام، فأخذها بعلم شعيب)(1) .
وصفتها عند شيوخ التصوف أنها من خشب الأشجار باستثناء خشب السدر الذي لا يحملون عصاه لورود حديث بشأنه. وطـولها يقل عن المتر قليلاً، وهي ذات رأس محني يشكل مقبضاً، وبعضهم يستخدمها في العلاج والعزيمة والرقية ولهم فيها مآرب أخـرى.
الـدفوف (الطبل و الطار):
الطار أو الدف آلة إيقاعية عربية قديمة وهي عبارة عن إطار خشبي، يجلد بجلد الماعز. والطبل هو أيضاً آلة إيقاعية صغيرة مصنوعة من الخشب المجوف أو النحاس، وهي آلات ذات دلالات اجتماعية متباينة، وذات تأثير عميق في الوجدان، وذلك هو الذي ربط بينها وبين التصوف. وكلمة طبل بتعريفها المحدد (وهي لفظ مذكر) هي التي تختص بها حلقالذكر والمـديح.
النوبـة:
وهي آلة إيقاعية كبيرة تجلد من الجانبين، وقد استخدمت آلة لإعلان لحلقة الذكر الجماعي.
السّبحـة:
هي آلة ابتكرها العرب للعد وتصنع في السودان من نوى اللالوب(1) وتصنع في مناطق أخرى من العالم الإسلامي من الكهرمان وخشب (البَقِسْ) التركي المشهور وأخشاب أخـرى. كما تصنع أحياناً من بعض الحجارة أو البلاستيك أيضاً. وقد يتبادر للذهن سؤال عن السبحة في الوسط الإسلامي، لذلك نتوقف عنده قليلاً: أخرج الإمام أحمد رضي الله عنه في كتاب الزهد ثنا(2)عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية رجل من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم وكان جاراً لنا، فكان يسبح بالحصى. وفي معجم الصحابة للبغوي، وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر بن سليمان عن أبي كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي() أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصا فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به فيسبح حتى يمسي. وأخرج أبو سعيد عن حكيم الديلمي أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يسبح بالحصى، وقال ابن سعد في الطبقات عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنها أنها كانت تسبح بخيط عقود لها.
وعن الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه مرفوعاً: نعم المذكر السبحة. وعن راذان قال أخذت من أم يعفور تسابيح لها، فلما أتيت علياً قال لي: اردد على أم يعفور تسابيحها. وأبو هريرة كان له خيط له ألف عقدة يسبح به اثنتا عشر ألف تسبيحة، كما قال عكرمة.
ثم تولى العمل بها بأشكالها المختلفة في عهد التابعين ومن بعدهم من العلماء وعامة المسلمين، ولم يشذ من هذا إلا نفر لا يعتد به.
ذكر القاضي ابن خلكان في وفيات الأعيان أنه رؤي في يدي أبي القاسم الجنيد محمد رضي الله عنه سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه، قال السيوطي وقد رويت في ذلك حديثاً متسلسلاً هو ما أخبرني به شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبدالله من لفظه، ورأيت في يده سبحة قال أبو العباس أحمد بن أبي المجالس يوسف بن البانياسي بقراءتي عليه ورأيت في يده سبحة قال أنا أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي ورأيت في يده سبحة قال قرأت على شيخنا أبي الثناء ورأيت في يده سبحة قال قرأت على أبي محمد يوسف بن الفرح عبد الرحمن بن على ورأيت في يده سبحة قال أنا أبي ورأيت في يده سبحة قال أنا قرأت على أبي الفضل بن ناصر ورأيت في يده سبحة قال قرأت على أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي ورأيت في يده سبحة قلت له سمعت أبا بكر محمد بن علي السلمي الحداد ورأيت في يده سبحة فقال نعم، رأيت أبا ناصر عبد الوهاب بن المقري ورأيت في يده سبحة قال رأيت أبا الحسن على بن الحسن بن أبي القاسم المترفق الصوفي وفي يده سبحة قال سمعت أبا الحسن المالكي يقول وقد رأيت في يده سبحة فقلت يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السبحة فقال كذلك رأيت أستاذي الجنيد وفي يده سبحة فقلت يا أستاذ إلى الآن مع السبحة قال كذلك رأيت أستاذي سرى بن مغلس السقطي وفي يده سبحة فقلت يا أستاذ أنت مع السبحة فقال كذلك كان رأيت أستاذي معروف الكرخي وفي يـده سبحة فسألته عما سألتني عنه فقال كذلك رأيت أستاذي عمر المالكي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه فقال كذلك رأيت أستاذي الحسن البصري وفي يـده سبحة فقلت يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت الآن مع السبحة فقال لي شيء كنا نستعمله في البدايات ما كنا لنتركه في النهايات. أحب أن أذكر الله بقلبي وفي يدي ولساني(1).
الـراية القادرية:
الراية وهي العلم الذي تتميز بها الطرق الصوفية عن غيرها ولكل طريقة رايتها واللون الذي يميزها. وعلى الراية الصوفية تكتب عبارات أهمها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأسماء الخلفاء الأربعة واسم الشيخ عبد القادر الجيلاني عند اتباع الطريقة القـادرية.
وتاريخ الراية أو العلم كرمز لفصيل اجتماعي معين أمر موغل في القدم، والأمر لا حاجة به إلى التفصيل لأن أي عين تستطيع أن ترى مدى إهتمام الدول بأعلامها، كرمز متفرد يدل على إستقلالها وسيادتها ولا تسمح بتعريضه للإهانة من جماعات أو دولة، وهو شعار محترم سياسياً واجتماعياً وهذا يجعلنا نتحدث عن تاريخ الراية المرتبط بالإسلام وهذا يقود إلى البحث في عصر الإسلام الأول، وفي غزوة أحد دفع اللواء وهو الـراية إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه وبعد استشهاده حملها على بن أبي طالب.
وعند فتح مكة كان يحمل اللـواء سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال اليوم يـوم الملحمة، فشكا أبو سفيان مما سمع من سعد إلى النبي() فنزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس وفي رواية أنه لما نزع الراية دفعها إلى الزبير(1)
وفي غزوة مؤتة قال ابن اسحق: قاتل زيد بن حارثة براية رسول الله() حتى شاط في رماح القوم، فلما استشهد أخذها جعفر، فلما استشهد أخذها عبد الله بن أبي رواحه، وبعد استشهاده أخذ الراية ثابت بن أرقم، فلما ولي خالد أخذ الراية ودافع القوم. وفي غزوة خيبر دفع النبي() الراية إلى علي بن أبي طالب وكانت بيضاء. وفي فتح مكة مرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان يا عباس من هذه، والشاهد في هذه الروايات(2) هو استخدام الراية على عهد النبي() والمعاني التي استخدمت لها. ومن هذا كان اهتمام الشيوخ الصوفيين بالراية كرمز لطرقهم، وأخيراً لكل من الطرق الكبيرة الأم لوناً تتميز به، فكان للقادرية لون رايتها الأخضر الذي كثيراً ما يرد ذكره في قصائد القوم.
قال أبو كساوي:

الجيلي الخضرا رايتو الجيلي الكبرى ولايتو
الجيلي السابقة عنايتو الكل الناس في رعايتو


الجُـبة المـرقوعـة:
الجبة المرقعة عند أهل الطريق فعل اختياري، لا ينظر لصاحبها نظرة ذات مغزى، وقد يؤمر بها المريد لأمر تربوي معين. وعموماً فيمكن أن نقرأ قول السرالسقطي في المباحث الأصلية(1):
إلا لأوصاف وسوف تـــأتي
ومــــنعــها للــبرد ثم الحـــر
قل طمـــع الطامعـــين فـيها
والصبر ثم الاقتــداء بـعــمر
فهي إذن أقــرب للتواضـــع والقوم ما اختاروا المرقعــات
أولها فــيها اطــراح الكــــبر
وخــفـــة التكــليف ثم فــيــها
وذلة النفس وتطويل العـمـــر
إلا ترى لابســها كالخـاشـع

وقد بين الشيخ ابن عجيبة في شرحه للقصيدة وجوهاً عشرة لاختيار الجبة المرقعة يمكن الرجوع اليها في كتابه إيقاظ الهمم.
المسـيـد:
لعل كلمة مسيد تعني مسجد بإبدال الجيم ياء وقد ورد في بعض لغات العرب إبـدال الجيم ياء وهو لفظ عربي مسموع ،قالت أم هيثم
فأبعدكن الله من شيرات
إذا لم يكن ظل ولا جـــنى
تعني شجرات
والمسيد هو بقعة للعباده تضم ساحته منافع مختلفه مسجد الصلاة وخلوة القرآن والتكية وهي عباره عن مكان لخدمات الاكل والشرب وهو اسم شائع عند رجال التصوف.



شيرات: تعني شجرات.

الـزاويـة:
وهو اسم لدور العبادة والأمكنة التي يجتمع فيها الناس لهذا الغرض. وهو من المسميات الصوفية القديمة التي دخلت السودان من قبل مملكة الفونج. وعرفت كدور علم وعبادة يأوي اليها الغرباء.
ومن أشهر الزوايا في عهد الفونج زاوية عماره بن عبد الحفيظ في سنار وقد وصفها الفقيه محمد بن عويضة بقوله (قدمت زاوية عماره فوجدت الخيل والبغال والحمير متحاوشاها وفي بابها نعلات الصرموجة والفونجاوية والعربيـة، ودخلت فيها الناس حلقات، ناس يتحدثوا بتجارة الحجاز وناس بالغرب وناساً بحوش الملك وهو بينهم شايل سبحته يسبح، فإذا قاموا شرع في التدريس يقرأ اثنا عشر مجلساً)(1) فكان هذا وصفاً لحال الـزوايا وما كان يقوم به أصحابها المتصوفة من مختلف وجوه الأنشطة.
الـتكـيّة:
يقصد بها مكان الأكل والشرب للطلاب والضيوف، وقيل: إنها من أصل تركي.
قـدح الحـراز وقدح الدبكر:
وهو إناء يصنع من جذوع الأشجار الكبيرة في غرب السودان من أشجار الحراز، و كلمة الدبكر يبدو انها من مصطلحات الفونج او انه احدث في زمن سلطنة علي ديناريقدم فيه الاكل للخاصة من الضيوف، وكان يوجد في مساجد المتصوفة.
نـار الجيلي:
لقد شاع عندنا في السودان على لسان المتصوفة القادرية لفظ (نـار الجيلي). وهي عندهم الأساس الذي تقوم عليه المشيخة الصوفية. ويقصد بهذا المصطلح: المجموع الذي يتكون من نار القرآن وتكيّة الأكل والشرب. وقد شاعت هذه الكلمة على لسان الشيخ خوجلي أبو الجاز رحمه الله: (أول من أوقد نار الشيخ عبدالقادر الجيلاني الشيخ إدريس ود الأرباب)(1). يعني في السودان. وقال في مرة أخرى: نـار الشيخ عبدالقادر الجيلاني بعد الشيخ إدريس عند الشيخ بدوي. وقال الشيخ ود بـدر رحمه الله: سألت الله ألا يخرج أثر الجيلي ونار القرآن من بيتي إلى آخر الزمان). ولا يزال أهل الطريق يحرصون على إيقاد نار الجيلي والمحافظة على هذا المصطلح.
قال الشاعر الكنجي:
نار الجيلي ديك موقودة عند ناس ود بدر موجودة
من يوم هم بوقــــــــوده جاهو الخدر وسلمو عوده

أمـانـة الجـيلي:
الأمانة هي ما كان ملكاً مستودعاً عند الغير بغية الحفظ، ولا يجوز التصرف فيه إلا بإذن صاحبه. وقـد وردت كلمة الأمانة في القرآن الكريم حيث قال تعالىﮋ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﮊ [الأحزاب: ٧٢ ]. وورودها في هذه الآية الكريمة وإن كان المدلول غير ما نحن بصدده، إلا أنه يستفاد منه أن الدين وشرائعه أمانة عند المسلم، لانطباق شروط تعريف الأمـانة عليها وهذا المفهوم نود أن نقيس عليه المعنى الوارد عند أهل الطريقة وهو (أمانة الجيلي). وقد يوجد بين أهل الطريقة من يشير إلى أنها جرم مادي يدفن في الأرض، ولكن ننظر إلى ثلاث قـضـايا:
* أولاً: مفهوم (أمانة الجيلي) باعتباره إرثاً للشيخ عبد القادر الجيلاني لا يخرج عن الإطار العام لمدرسته، ولذلك فهو لا يبعد عن مفهوم القيام بأمر الدين في النفس والمجتمع.
* ثانياً: ولعل هذا هو الأمر المعاش بين شيوخ الطريقة، وهو أن (أمانة الجيلي) معنى من معاني الروح والنفث الرباني.
* ثالثاً: المعلوم أن أهل الطريق يتحدثون في علوم الحقيقة بالإشارات واللغة الرمزية، وهذا ما يجعل البعض منهم يعطي للمعاني أشكالاً مادية.
هذه الثلاث تجعلنا ندرك أن الأمانة إرث روحي يجعله الله يتداول بين كبار أولي العلم لخدمة الدين وحركته في واقع الحياة، لنقل الناس من ثقل المادة وأوحال ركامها ليقفوا بشفافية على أعتاب الغيب.
يسمى صاحب الأمـانة بالوارث المحمدي أو صاحب الوقت أو المجدد، فهو معتصم بالله في حركاته وسكناته، زاهـد، تقي، نقي، مجاهد، مجتهد، دائب الحركة لا يفتر عن الذكر ونفع الناس. مميز بالرأفة والرحمة لتخلقه بخلق النبـوة.
وقد يدور في الأذهان سؤال عن كيفية انتقال هذا (الإرث الروحي) إلى (الأبناء الروحيين). إنها مسألة تثقل على الكثيرين، ويعسر هضمها على من كان من غير أهل الطريق الصوفي. إلا أن الآيات القرآنية تساعد في نقل هذا الإرث.
قال تعالى: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﮊ [الكهف: ٨٢]. المعني خبأ الله تعالى الكنز المشار اليه تحت الجدار، سواءً كان حجارة كريمة، ذهب أو فضة أو جواهر أو أنه شئ معنوي روحي، وقد رمز اليه بما هو عادة ينبه الأذهان ويشد النفوس، وقد حفظه الله سبحانه وتعالى قروناً من الزمن متوارياً في الأرض وذلك لصلاح أبيهما، سواءً كان الأب القريب أو الأب البعيد الجد العاشر على أقوال المفسرين. وتعمق الآية معنىً مهماً في إظهاره وتوريثه وهى وشيجة الإيمان المغروسة في الأبناء، فقد ارتفعت بالأبناء إلحاقاً لهم بالمعاني العلية، والإيمان سبب قوى في التوريث الروحي وموجباته، وفى هذه الآية وغيرها إشارة قوية بجواز انتقال الإرث الروحي من الأصول إلى الفروع، كما تورث الماديات، كذلك تورث المعنويات الروحية ﮋ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﮊ [النمل :16]
من المعلوم ضرورة إن النبوة لا تورث ولكن الذي يورث معاني روحية قيمة من معنويات الإيمان ﮋ وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَأتبَعّناْهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم ﮊ [الطور:19](رواية الدوري). والأمر في الكنز ومعناه التأويل القريب لفهمه أنه موروث روحي عبر عنه الوحي بلفظ الكنز المادي لنفاسته وقرب مفهومه من الأذهان، وقد نقله الله إلى اليتيمين ليعينهما ببركته على أمر الدين والنهوض بواجباته ويعينهما أيضاً على نوائب الحياة ومستعصيات الحلول، كل المعاني تشير إلى أن الكنز أمرٌ روحيٌ أريد به تحقيق دفعات إيمانية في نفوس الغلامين، لأن الشيء المادي قد يُحظى به الطالح ويحرم منه الصالح وقد أخفى الله الكنز ذا المضمون الروحي بجريان السنة الإلهية في الحياة أن يُخفي العلم بموت العلماء ومن يستحقون إرثه، فباطن الأرض أولى بإخفاء المثاقيل الكريمة، من أن تعبث بها أيد فاجرة.
والتوريث الروحي تشير اليه الآية (248) من سورة البقرة بوضوح أكثر حيث قال تعالى: ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮊ [لبقرة: ٢٤٨].
قال الصاوي رحمه الله: التابوت كان عند آدم وفيه صور الأنبياء جميعهم، وفيه صورة محمّد() وبنيه وأصحابه وقيامه يصلي بهم، ثم توارثته ذرية آدم إلى أن وصل لموسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة والألواح التي تكسرت. ثم أخذه بنو إسرائيل بعد موسى وكانوا إذا خرجوا للقتال يقدمونه بين أيديهم وكانت الملائكة تحمله فوق رؤوس المقاتلين.
وقال الجـلال المحلي رحمه الله عن بعض محتوياته: هي نعلا موسى وعصاه وعمامة هارون، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم ورضاض الألواح(1)، وقد كانت السكينة التي تنعم بها هؤلاء الأتباع من بني إسرائيل تستمد من بركة تلك الأشياء التي تخص الأنبياء الطاهرين، إلا أنها نفسها كانت سراً روحياً وليس مادياً توارثه الأتباع عن الأنبياء بحسب درجات اتباعهم.
وما وقع لأتباع أنبياء بني إسرائيل جاز عقلاً وشرعاً حصوله للأولياء المحمـديين كالشيخ الجيلاني وغيره.
كما أن للعلماء نصيب من الإرث لقوله صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء. وهذا الإرث عند العلماء لا يعني مجـرد حمل النصوص ، وإنما صوره كثيرة فالإيمان إرث، والتقوى إرث. وهنالك معانٍ روحية كثيرة للإرث يفيض الله بإشراقها على الربانيين مضافة إلى ما أوتوا من علمٍ يستفاد من نصوصه في حفظ الدين في الحياة ما بقيت الأرض.
والولي هو الأساس في إصلاح النفوس وحفظ الدين. وعامة أهل الإيمان تبعاً للأولياء حيث قال تعالى: ﮋ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ [الكهف: ١٧]. في هذه الآية الولي المرشد الوارث الكامل هو ولي مرشد حكيم داعٍ إلى الله، معلم لآيات الله وسنة رسوله، قادر على تزكية النفس ونقل القلب البشري إلى آفاق الاستشعار بالغيب، قادر على النقل إلى مقامات الإسلام(1)
هذه التزكية والنقلة الروحية، التي هي فيض من نفحات الرحمن، قد تكون بمجرد الجلوس مع الربانيين، والتعرض لنفحات الله، وتكون آفاقه أوسع بإضافة الذكر المستديم إلى هذه الصحبة الصالحة.
عن حنظلة الأسدي رضي الله عنه قال: دخلنا على رسول الله() فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال وما ذاك؟ قلت: نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كأننا نراها رأى العين وإذا خرجنا منك عافسنا الأزواج والضيعات ونسينا، فقال() والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن يا حنظلة ساعة فساعة ثلاث مرات.
الحديث يفتح أمامنا آفاقاً لأن نذكر أقوال بعض أصحاب الإرث المحمّدي من صالحي الأمة إجابة دعواتهم لأنفسهم او لإنسان وسرعة نقله من حال رديئة إلى مقامات سنية والدعاء سواء بالمقال او الحال بتوجه النية لا شك أنه مستجاب بظهر الغيب، لطهارة القلوب والجارحة ونظافتها من الران، أثر سريع في فتح الباب لصعود الكلم الطيب ﮋ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﮊ[ فاطر: ١٠] لأولياء هذه الأمة شأن مع ربهم يجري بتقدير إكرام ومنن مذهلة للأفكار لايحجر من جريانها عقل أو لغو ألسن.
قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنة تحدثاً بنعمة الله كان يؤتى إلينا بالبدوي(1) عند الصبح يبول على ساقه، فلا يمسي الليل إلا وقد صار من الكّمل.
إن الأمور لا تجري بقدرة من العبد يفعل ما يشاء بل الأمر كله لله يقدره على يد من شاء ويصطفي من عباده إظهاراً ليد القدرة وإحداثها في الكائنات.
وقال الشيخ محمد بـدر رضي الله عنه: وكم أتانا مثل هذا عند صلاة الصبح وعند صلاة الظهر صار من الكُمّل، وكم أتانا عند صلاة الظهر وعند صلاة العصر صار من الكمل، وكم أتانا عند العصر وعند المغرب صار من الكُمّل(2).
الوارثون روحياً كثير لسعة الفيض الذي لايقيد ولاتحجر فتوحاته في زمان (كل يوم هو في شان)، شئون سبق جريان القلم بها في العلم الإلهي شأن لا يتجدد بحساب ولا يحدث بفكر وروية و لايحدث بعد صمت لطلاقة الفعل الإلهي عن التقييد.
ما قيل في كثرة الوارثين قد يكون في كل زمان أن الله يفرد عبداً بشأن الهداية والإصلاح بين الخلق، وهذا إن شئت قلت هو أن الله يُحدث مجدداً في كل قرن الذي عناه في قوله (): إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها(3) .
أن الصلة وثيقة بين المجدد والوارث المحمدي الكامل. المجدد من أُلقي في قلوب الأمة الشهادة بصلاحه وولايته والأمة المحمدية خصت بأنها لا تجتمع على ضلال فلا يكون المجدد من أصحاب الأهواء والخارجين عن الإجماع، فالتجديد من هؤلاء إنما هو مد في الضلالة و استغراق في الهوى و بعث للفتن، والفتنة نائمة لعن الله موقظها.
الولاية تتفاضل درجاتها في النفع وحصول الخير للناس، فمن الأولياء من يكون نفعه مقصوراً عليه لا يتعداه إلى غيره، إلا أن الولي الوارث له خاصية النفع العام بتأثير تقواه وصلاحه. وهذا الحال مأخوذ من حال الأنبياء عليهم السلام. فمنهم المأمور بالتبليغ ومنهم من لم يؤمر بالتبليغ.
وبهذه الشذرات لعلنا نكون قد شاركنا في تقريب الفهم لمعنى أمانة الجيلي المتناقل سرها بين العارفين، ولنغوص قليلاً في أبعاد قصة تُحكى بين أهل الطريقة القادريـة في السودان عن أن بعض من اختصهم الله بهذا الإرث لما أحس بدنو الأجل تشاور مع بعض العارفين، وتمنى أن تنتقل أمانـة الجيلي إلى أحد أبنائه، فقال له صاحبه مذكراً: (لو كانت بدوها الأولاد ما جات من بغـداد)، أي لو أنها تعطى بحكم أبوة النوع الإنساني، لكان الأجدر بها أحفاد الشيخ الجيلاني في بغـداد، ولكن الأمر يعطى بخصوصية وحكمة قدرت في صاحبها النفع العام للأمة. ومع ذلك فالجائز شرعاً أن يكون لكل ولي إرثه الخاص به، الذي ينتفع منه أبناؤه ومحبُّوه خاصة. وهو أمر لا يخلو منه مؤمن مع تفاوت في الدرجات. قال تعالى: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮊ [الطور: ٢١](رواية حفص).
أمانة الجيلي نفث رباني ينفثه الرحمن فيمن يريد به هداية الخلق. وكونها سراً وإرثاً محمدياً ينفي عنها كونها شيئاً مادياً يدفن في الأرض مثلاً كما يخيل لمن تصعب عليه إشارات وتلميحات القـوم. فالدفن كناية عن الإخفاء أو القبض الوارد في الحديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء(1).
فالعلوم والأسرار لها أهلها المهيِّؤون لقبولها والعمل بها. قال صلى الله عليه وسلم: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة(1). متى لم يوجد لهذه العلوم أهـل رفعت وأخفيت أسرارها حيث شاء الله.
سـجـادة الطـريقـة:
السجادة كما هو معروف هي المفرش الذي يجلس عليه. وارتباطها باسم الطريقة نتج عن اعتياد الشيوخ الجلوس عليها تأدباً مع الناس مريدين وغيرهم، وإبعاداً لروح التعإلى والكبرياء. ولأنها إحدى اللوازم في آداب الشيوخ صارت أيضاً إحدى شارات المشيخة الصوفية وهي عرش مملكة التصوف، وكرسي أستاذية للتربية جللها الأدب، وزادها وقاراً بأن اتخذت من موضوعها تأديب النفس.
قال صاحب الرائية:
لا وكر إلا أنْ يطير عن وكر سجادة الصوفي بيت سكونه

وليكن الحديث عن سجادة التصوف خاتمة لحديثنا عن الملامح الشكلية للطريقة القادرية، ومدخلاً للحديث عن مشيخة الطريقة في السودان، والتي بدأ وجودها بدخول أستاذها الشيخ تاج الدين البهاري المملكة السنارية في منتصف القرن العاشر الهجري، وتحققت ظهوراً بأخذ الشيخ محمد ود عبد الصادق الهميم، والشيخ بانقا الضرير بيعة الذبح الشهيرة بمنطقة أربجي. ثم انطلقت الشعلة التي أوقدها البهاري، وزاد توهجها واعتمالها في نفوس الذين أحيوا طريق النبوة سهراً، وجوعاً، وذكراً، وقياماً، وصمتاً وتأملاً. واستمروا علي ذلك حتى تفجرت ينابيع الحكمة في القلوب فسالت أودية أخصبت وأنبتت، فاستقى الناس وزرعوا. فكان هذا ولا يزال حظ سجادة التصوف التي أعدها الشيوخ لتكون منبراً خـالداً للدعوة إلى الله تعالى، وأرادوا لها أن تسود بمكارم وفضائل تنأى بصاحبها عن تناول أحوال الناس بالقيل والقـال. وظل ديدنها أبداً تفقد أحـوال الناس. وما دامت تلك هي مضامين سجـادة التصوف، كان حقاً على المجتمع أن يجـود بمثل تلك النماذج الكريمة التي ظلت دوحة فيحاء للأيتام وعابري السبيل، ومنارة هـداية لمن ضل الطريق وتـاه.
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-09-2012   #3
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي رد: كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

الباب الثاني
الشيخ عبد القادر الجيلاني( )

هو محيي الدين عبد القادر بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن الزاهد بن محمد بن داؤود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ابن أبي طالب، ووالدته أم الخير أمة الجبار فاطمة بنت الشيخ عبد الله الصومعي الحسيني( ).
ويبدو أن أسلافه نزحوا إلى بلاد الفرس مع من نزح بسبب الفتن التي عمت آل البيت الكريم، ولد الشيخ الجيلاني في سنة 470هـ الموافق 1532م في قصبة بلاد جيلان وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان.
قال العلامة شمس الدين الدمشقي: ولد ببلدة الجيل سنة سبعين وأربعمائة للهجرة. الجيل موضعان أحدهما لصقيع واسع مجاور لبلاد الديلم مشتمل على بلاد كثيرة، والآخر بلدة عبد القادر الجيلاني( ). ولنشأته في البلاد الفارسية لقب بالعجمي، وقد وصفه الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله بقوله: كان شيخنا محيي الدين عبد القادر رضي الله عنه نحيف البدن، ربع القامة، عريض الصدر، واللحـية طـويلة، أسمر مقرون الحاجبين خفيفاً ذا صوت جهوري وسمتٍ وقدرٍ وعلم( ).
نشأ الشيخ عبد القادر الجيلاني في بيت طاهر ينتسب للعترة النبوية الشريفة. وكان أبواه على قدم راسخ في الدين، فقد ورد أن أمه فاطمة كان لها حظ وافر من الخير والصلاح( ). وذكر الدمشقي أن أباه (كان من جملة مشايخ جيلان ورؤساء زهادهم، له الأحوال السنية وكان مجاب الدعوة)( ).
إن نشأة عبد القادر في رحاب القرآن الكريم والتقوى وصلاح الأبوين، شكلت اللبنة الأساسية في ذلك الصرح الشامخ، نشأ وروحه يحدوها حادي الشوق إلى الرحاب الربانية. وما إن بلغ الثامنة عشرة من عمره وكان ذلك عام ثمانية وأربعمائة للهجرة، حتى استأذن والدته أن تهبه لله عز وجل فانطلق إلى بغداد يطلب العلم من أساطين عصره.
وتلقى الشيخ علوم الفقه على العديد من شيوخ بغداد. وكان جلهم على المذهب الحنبلي ومنهم: أبو الوفا علي بن عقيل، وأبو الخطاب الكلوذاني، وأبو الحسن محمد بن القاضي أبي يعلى والقاضي أبو سعيد المخزومي. وسمع الحديث من جماعة، منهم: أبو غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وأبو سعيد محمد بن عبد الكريم، وأبو العنائم محمد بن ميمون الفرس، وأبو بكر أحمد بن المظفر وغيرهم من علماء الحديث. وقرأ الأدب على أبي ذكريا يحيى بن على التبريزي( ).
وأخذ الشيخ الجيلاني بالمذهب الحنبلي في العبادات، ولكنه كان يفتي على المذاهب الأربعة( ).
وكانت عقيدته على مذهب أهل السنة والجماعة، فلم يُلمح في عقيدته تعطيل أو تشبيه، قال في معرفة الحق تبارك وتعالى: (إنه واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، مستوٍ على العرش محتوٍ على الملك محيط علمه بالأشياء، وهو المحرك وهو الساكن لم تتصوره الأوهام ولا تقدره الأذهان).
يقول : إن القرآن هو كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه الذي نزل به جبريل على الرسول(). وهو غير مخلوق كيفما قرئ وتلي وكتب. وهو كلام الله وصفة من صفات ذاته غير محدث ولا مبدل ولا مغير ولا مؤلف ولا منقوص ولا مصنوع ولا مزاد فيه بدأ تنزيله واليه يعود حكمه)( ).
يقول: (يعتقد أهل السنة أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام خير الأمم أجمعين وأفضلهم أهل القرن الذين شاهدوه وفدوه بأنفسهم وأموالهم، وأفضلهم العشرة الذين شهد لهم النبي() بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة، وأفضل هؤلاء العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي)( ).
قال: (نص الإمام أحمد رحمه الله على الإمساك عن جميع ما شجر بين الصحابة من منازعة وخصومة لأن الله تعالى يزيل ذلك بينهم يوم القيامة كما قال تعالى: ﮋ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﮊ [الحجر: ٤٧].
وقد رأى أن خلافة معاوية بن أبي سفيان صحيحة بعد موت عليّ، وبعد خلع الحسن بن عليّ رضي الله عنهما نفسه عن الخلافة وتسليمها لمعاوية وجبت إمامته( ).
أفاض الشيخ الجيلاني رضي الله عنه في الإجلال والتعظيم للصحابة، وكذلك زوجات النبي(). خاصة البّرة الصديقة بنت الصديق رضى الله عنهما التي أنزل الله فيها قرآناً يتلى برفعة مقامها، وموضحاً سوء عاقبة الذي تولى كِبر الإفك والافتراء، تلك لعمر الله اموراً بالغة من الفتن، تبعثها شياطين الإنس والجن في كل مكان وزمان، ولا تزال دوائر الهدم تسعى جاهدةً لا يغمض لها جفن، تسعى آناء الليل وأثناء النهار لإطفاء شعلة الدين في النفوس بالغمز واللمز في الصحابة وزوجات النبي الطاهرات.
آراءه ومذاهبه الفكرية:
وتحدث عن الفرق فقال: (أصل ثلاث وسبعين فرقة عشر فرق: أهل السنة، والخوارج، والشيعة، والمعتزلة، والمرجئة، والمشبهة، والجهمية، والضرارية، والنجارية، والكلابية. وأهل السنة طائفة واحدة، والخوارج خمسة عشر فرقة، والمعتزلة ست فرق، والمرجئة اثنتا عشرة فرقة، والشيعة اثنتان وثلاثون فرقة، والجهمية والنجارية والضرارية والكلابية كلها فرقة واحدة، والمشبهة ثلاث فرق. فجميع ذلك ثلاث وسبعون فرقة على ما أخبر به النبي (): إن بنى إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: وما تلك؟ قال (): من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي(1).
دعم الشيخ الجيلانى ارأه مستنداً في ذلك على حديث سارية عن النبي () أنه قال: (من يعش منكم سيرى اختلافاً كثيراً، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الإمور فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار).
وحديثه عن تلك الفرق تفصيلاً يستشف منه موقفه الفكري والعقائدي. قال عن فرقة الخوارج إنها أول الفرق خروجاً عن إجماع الأمة، (لخروجهم عن عليّ بن أبى طالب كرم الله وجهه، وسّموا (حكمية) لقولهم (لا حكم إلا الله) وإنهم يشتمون أصحاب رسول الله () وأنصاره، ويتبرأون منهم ويرمونهم بالكفر والعظائم، وإنهم قالوا: ( إن أبا موسى وعمرو بن العاص رضى الله عنهما كفرا حين حكِّمهما عليّ رضى الله عنه بينه وبين معاوية رضى الله عنه، ويزعمون أن الحيران الذي ذكره الله تعالى في القرآن علّى كرم الله وجهه حزبه وأصحابه يدعونه ائتنا - وهم أهل النهروان) .
وقد اوضح الشيخ الجيلانى القول في الخوارج، فقال: أنهم أول الفرق خروجاً عن الإجماع،وأول من أساءوا الفهم في أحكام الآيات فأطلقوا لفظ (مشرك) على المسلم، وقالوا لسـيدنا الحسن بن على رضى الله عنهما: أنت مشــرك وكان أبوك قبلك مشركاً)(1).
وقد كان فهمهم للقرآن مغلوطاً، جعلهم هذا الالتوا يقررون كفر الصحابة الأجلاء، بل كل من خالفهم بدعوة الحاكمية لله، وأن افكار هذه الفرقة ستظل باقية بين الناس ما دامت نفس منفوسة، ويصدق هذا قول الامام على كرم الله وجهه حين قيل له بعد مقتلهم يوم النهروان: (إن الله أراحك منهم، فقال: لا والله إنهم باقون في أصلاب الرجال إلى أن تقوم الساعة)(1).
أما الشيعة فقد ذكر أنها منقسمة إلى الرافضة والغالية والزيدية، (قيل للشيعة رافضة لرفضهم أكثر الصحابة وخلافة أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة إلا أن نفرا منهم وحكى عن الزيدية وهي ست فرق خالفوا الرافضة في ذلك وفي قولهم إن الأمة ارتدت بتركها إمامة علي رضي الله عنه. وأما الغالية فقد تفرقت منها اثنتا عشرة فرقة ادعت أن علياً رضي الله عنه أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم )، وادعت أيضا أنه نبي وأن جبريل عليه السلام غلط في نزول الوحي عليه)(2). علُّ الحديث عن الشيعة يسوقنا إلى تعريف كلمة التشيع، أنه يعني الموالاة والمناصرة، وقد ورد في قوله تعإلى: ﮋ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﮊ [القصص: ١٥]،وفي قوله تعإلى : ﮋ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﮊ [الصافات]، بهذا المعنى فإن الحياة لا تخلو من مشايع ومناصر، ولكن الذي طرحه الشيخ الجيلاني رضي الله وتحدث عن أحواله وأقسامه هو ما عرف في تاريخ الأمة الإسلامية بالشيعة المغالية التي ترى أن جملة الاصحاب ارتدوا إلا ستة . إن ما اصاب آل البيت الكريم في الحقبة الأموية والحقبة العباسية هو شئ جسيم ومؤلم قد تكبدوا مخاطره وصبروا علي بلواه، ولكن هذه المساوئ وجب أن تحصر في دائرة تلك التاريخية، وقد انصرم ما كان بوقته وحملت كل نفس ما كسبت من خير وشر، فمن الأجدر ألا يتعدى هذا الحدث زمانه، ويجعل الشيعة بما تحس من تقصير أسلافها مع الحسين رضي الله عنه الذي أخرجوه من مدينة جده () إلى العدو وتخاذلوا عنه، وقد ظل هذا التخاذل المذري عند فرق الشيعة (عقدة ذنب) يريدون أن يخففوا عن الشعور بالذنب: بمعادة جيل الصحابة رضي الله عنهم، وما ابتدعوا من إقامة المآتم الحسينية كل سنة، وما يحدث فيها من ضرب الصدور بالايدي، وتجريح الاجسام وسيلان الدما، فقد أتخذوا من هذه المآتم قضية يتباكون فيها بالعويل إلى منتهى الحياة، إن البكاء علي التوابيت والتباكي المصطنع طول الحياة شئ له غرابته يتنافي والرشد وسلامة العقول. يجب على الشيعة أن تفيق من غيبوبة هذا العويل الذي شاب على صنعه الأطفال والنساء.
وعلى أولياء هؤلاء الذين يتباكون أن يذهبوا بهم إلى المصحات النفسية والعقلية، مما اصابهم من وخزات وهمزات النفث الشيطاني الذي صور لهم هذه الأوهام، ودعاهم إلى صب ويلات اللعنات بكل وقاحة وسوء أدب علي جيل الذين :هاجروا وآووا ونصروا. وإن كان هذا اللعن المريض لعموم الجيل الكريم إلا أنهم أفردوا نفراً صادقاً في طليعة الأصحاب صبوا عليه بالغ الأذى وكثرة اللعن... أبو بكر الذي نزل فيه مع صاحبه قوله تعالى: ﮋ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﮊ [التوبة:٤٠]. وتتابع اللعن منهم على عمر وعثمان وعلى عائشة الصديقة بنت الصديق المبرأة مما تلتوي به ألسنة أهل النفاق في كل جيل ... وتظل الآية الكريمة شاهدةً وحافظةً لمكانتها وبراءتها ﮋ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﮊ [النور] واتلو إلى قوله تعالى ﮋ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮊ [النور: ٢٣] ويذكرُ الوحيُ التنزيلي في لوحة السورة الكريمة ما بقي من الآيات المذكرة ببرائة وافضال عائشة الصديقة، وينفي عنها مفتريات بن ابي سلول،والذين ساروا على دربه: إن الله أكرم عائشة الصديقة، وجعلها ربة الحجرة الكريمة وفراش النبوة الطاهر، الذي لا تضم وسائده خبيثة ابداًً: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ [النور: ٢٦]، نقول للذين يتباكون حول التوابيت هل عاشوا معنى هذه الآية تلاوةً وفهماً؟ طبعاًً لا. بلا ريب. إن الأدب الرفيع في التعامل الإجتماعي يدعونا إلى توقير الآباء والأجداد ومن هم اكبر سناً، ناهيك عن تلك الصفوة التي لن تتكرر أبداً في تاريخية الحياة، ما هكذا ترد الإبل يا سعد.
إن العجب وكل العجب أنهم يلفتون نظر الناس إلى أنه لم يتمتع بالأدب اللائق مع صاحبه، ويشيرون كذلك إلى عدم محبته ومجافاته، لأنه لم يصلي على الرسول () في الخطبة التي أعلن فيها وفاته، هل من عاقل يصغي إلى مثل هذه الترهات والوساوس !؟ اللهم إلا من لا عقل له. ليس علي جيل الهجرة والنصرة من حديث يقال بعد الوحي الكريم: ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﮊ [الحشر]. يبدو بلا ريب أن من نهشت أسنانهم وولغت ألسنتهم دماء جرحي الغزوات الكريمة يعسر عليهم أبداً وإلى الأبد إبصار وفهم ما انطوى بين دفتي المصحف الكريم من أفضال لذلك الرعيل الذي وفَّى، ولم يفقهوا قوله تعإلى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﮊ ، هل الذين يصبون اللعنات علي الصفوة الخيرة من الأصحاب عليهم الرضوان من أولئك الذين وصفهم الله تعإلى في الآية الكريمة يدعون بالخير لذلك الجيل؟ بالطبع لا وألف لا. إن ما بين دفتي المصحف من إفاضة بصدقهم وفلاحهم يدعو إلى حسن الأدب والتجلة لهم، والبحث والتنقيب في أحوالهم الفاضلة يدعونا أن نأخذ الأمور بأناة وروية وألا نسرع الحكم بعواطف متشنجة وتقليد أعمى. إن ما كان من دعوى المحبة المزعومة لال البيت الكريم ما هو إلا ستار وراءه خفايا أمور خطيرة قصد من جلها إلقاء السموم في نفوس بريئة، تكيل بعد الصاع تجريحاً وأذى للذين هاجروا وآووا ونصروا. هذا أمر لا تعيه نفوس خُدِّرت بجواذب التوشيحات الحزينة بكاءً علي التوابيت التي يقصد بترنيمها استراق الوعي من العقول.
المحبة إلى آل البيت والأولياء شئ يقدر منحاه وأدبه، ولكن علينا في منعطف المناحي الروحية من ضوابط تقينا شر الإنزلاق في الهوة التي لا نجاة منها. ووجب في زحمة الأفكار والصراع العقائدي المتطرف أن نترك للوحي الكريم يقرر الفروق الكائنة بين الذين تحملوا مؤنة المناصرة والذين تحملوا أذى إبان سريّة الدعوة والجهر بها مع صاحب النبوة الأعظم وبين الذين جاءوا بعد الفتح الأكبر. ﮋ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﮊ [الحديد: ١٠].
ان ما شجر بين الأصحاب عليهم الرضا أمر قضى عليه الزمان وسُدل عليه الستار بما فيه من صواب وخطإٍ، وقد كان لكل فريق رؤيته واجتهاده، ونحن بالطبع ليس لنا أن نُنصب أنفسنا قضاة ندين أو نصوِب فريقاً علي أخر، لبعد حقبة الاحداث عنا، ولكن الذي نقول: قد كان فريق اكثر صواباً من غيره
هذه الاستضاءة وجب أن تُصحح على مفاهيمها أفكارٌ خاطئة في النظر والتعامل مع رعيل الأصحاب الذين رضي الله عنهم، وفي التأسي والاقتداء بهم علمياً وروحياً بنص ما ورد: (بأيهم اقتديتم اهتديتم). إن لم يكن هذا الحديث في مرتبة الصحيح إلا أن منطوق الآية الكريمة يدعمه معناً ويرفعه إلى درجة المقطوع بصحته ﮋ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﮊ [ الأنعام: ٩٠].
ان عداء الشيعة لجيل الاصحاب فهو خطاءٌ، وتعدٍ لا يُغتفر ابداً، فقد كان منهم التجريح لهم في أعز ما عندهم، وهو الايمان بالله ورسوله().
وإن من اغرب ما تفتريه فرق الشيعة، قولهم في رقية وأم كلثوم، إنهن بنتا خديجة من زوجها الذي كان قبل النبي ()، هذا النفي والابعاد لأمرٍ مستترٍ في نفسية الشيعة، لتزويجهن من عثمان ، فإن اقرت بذلك الامر يدخلها في ضيق وحرج، وقد اجهدت نفسها في ذلك لتجد مبرراً لإبعاد مصاهرت عثمان من النبي ()،
اذ نقول لشيعة اليوم على رسلكم في ماذا كان هذا العنت والتضييق ونحن في عصر كفينا فيه شر تلك المحن والإحن. ووجب علينا ألا نشغل أنفسنا ونشغل الأمة ونلقن نفوس الابناء البريئة ما لا ينفع بل يضر يقينا ! .
علُ الشيخ الجيلاني رضي الله في احاديثه عن شتى الفرق والنحل رأى أنه سيكون في كل زمان من يبعثون الفتن الغابرة في النفوس
ولما كان هو من العترة الكريمة وشجرة النبوة، فان علمه ومعارفه تكذب مفتريات تلك الفرق، التي جعلت علم النبوة عند آل البيت الكريم فقط، نعم إن عند الذرية الطيبة علم الاسانيد المتصل وعلم فحوى الروح، ولكن هذا لا ينفي أن في الامة علماء ربانيين أصطفو لخدمة هذا الدين، الامر في نظرة الشيعة لإئمة وعلماء السنة وجب ان تكون نظرةً موضوعية بعيدة عن الغلو والتطرف ، إذا افترضنا خلو ديار المسلمين من الائمة والعلماء، إلا ما رأت الشيعة، فهل هذا صحيح؟. أو عليهم تصحيح هذا المفهوم،
فقد كان الشيخ الجيلاني كما ذكرنا فقد اخذ من مدارس اهل السنة. العلوم الفقهية واللسانية والعقلية، ويستند في ارءه واطروحاته العلمية على ما اخذ من علماء تلك المدرسة .
وهو يروي عن علمائها حديث أم بشر أنها سمعت النبي () يقول عند حفصة (لا يدخل النار إنشاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوه تحتها) . وأيضاً حديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول (): (لا تسبوا أصحابي، فان أحدكم لو انفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نُصيْفَهُ) .
والائمة والعلماء من آل البيت الشريف لم يتركوا الناس تفترسهم الوساوس الشياطنية لجيل الصحابة، فقد ورد في هذا حديث الامام زيد، ومحمد الباقر، والإمام جعفر الصادق وغيرهم، عن هذه النحلة الفاسدة. ونظروا إلى الصحابة نظرة إجلال وتعظيم عملاً بقول جدهم (): (الله الله في أصحابى، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) (1).
والمحبة لآل البيت لاتستدعى هذا التطرف والغلو من الشيعة، بل كان الواجب الأقتدى بهم والسير على طريقهم في الحياة. فقد ناصر كبار علماء السنة أهل البيت في محنهم الصعبة إبان حكم الدولة الاموية والدولة العباسية .
روي أن الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه قد أفتى بتأييد ثورة الإمام زيد بن على رضى الله عنه سنة ۱۲۱ضد الحكم الأموي، وبصرف الزكــاة لتأييد هذه الثورة(1). وكذلك الإمام مالك رضى الله عنه ناصر آل البيت في ثورتهم ضد العباسيين.
وكثير غيرهم أمثال الامام الزهري وسفيان الثوري وقد استفتى الناس الامام ملك في مبايعتهم الإمام محمد بن الحسن النفس الزكية، وقالوا إن في أعناقنا بيعة لأبى جعفر، فقال مالك: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين(2). وجاء اليه محمد بن جعفر يشكو المحنة والاضطهاد فقال مالك: أصبر حتى يجئ تفسير هذه الآية: ﮋ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﮊ [القصص: ٥ ].

سلوكه الصوفي:
فقد صحب في اول دخوله العراق الشيخ أبا الخير حماد بن مسلم بن دروة الدباس وأخذ عليه بيعة السلوك الصوفي، ولبس الخرقة من القاضي أبا سعيد المبارك بن علي المخزومي الذي سبق أنه كان أستاذاً للشيخ عبد القادر في علوم الفقه الحنبلي فروعاً وأصولاً، والمخزومي لبس خرقة المشيخة من الشيخ أبا الحسن علي بن محمد القرشي ويقال له الكهاري، وهو من أبي الفرج الطرطوسي وهو من الشيخ عبد الواحد التميمي وهو لبسها من الشيخ الشبلي، وهو من الشيخ أبا القاسم الجنيد شيخ الطائفة الصوفية، وهو من خاله سرالسقطي وهو من معروف الكرخي وهو من داؤود الطائي وهو من حبيب الله العجمي وهو من سيدي الحسن البصري وهو من الإمام علي رضي الله عنه وهو أخذ من الرسول () إلى آخر من انتهت اليه علوم وآداب هذا الطريق.
ومن طريق آخران داؤود الطائي اخذ من علي الرضا وهو من والده موسي الكاظم وهو من والده جعفر الصادق وهو من والده محمد الباقر وهو من والده علي زين العابدين وهو من والده سيدنا الحسين وهو من والده علي بن أبي طالب، فقد كان هذا التلقين في معناه الروحي فهو عند أهله أخذاً للسلوك والآداب، وهما روح الدين وحياته في النفوس.(هذا سند بيعة الطريق الذي أخذه الجيلاني عن شيوخه)
الجيلاني وأسـتاذه الـدبّاس:
في عُلا اللطائف الروحية يبدو كل شيء مقلوباً بالنسبة لعالمنا المادي الثقيل. ولذلك فإن الجانب العملي مقدم على الجانب النظري، لأن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم.
وهذا العلم تتفاوت فيه درجات الناس، فقد يتعرض الإنسان في بداية طريق الله عز وجل إلى بعض الامتحانات التي تفيده في مسار حياته، وهذا ما حدث للشيخ الجيلاني رضي الله عنه عند قدومه الى بغداد لتلقي العلوم . قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةأنه لما دخل بغداد وقف له الخضر عليه السلام ومنعه من الدخول، وقال له ما معي من أمر بأن تدخل إلى سبع سنين. فقام على الشط سبع سنين يلتقط من البقالة المباح، ثم قام ذات ليلة فسمع الخطاب يا عبد القادر ادخل بغـداد فدخل وكانت ليلة مطيرة باردة، فجاء إلى زاوية الشيخ (أبو الخير الدباس). فقال الشيخ أغلقوا باب الزاوية وأطفئوا الضوء، فجلس عبد القادر على الباب فألقى الله عليه النوم فنام فاجتنب ثم قام فاغتسل، ولم يزل كذلك إلى سبع عشرة مرة، وهو يغتسل عقيب كل مرة، فلما كان عند الصبح فتح الباب فدخل عبد القادر فقام اليه الشيخ أبو الخير فاعتنقه وضمه اليه وبكى وقال: يا ولدي عبد القادر الـدولة اليوم لنا وغداً لك فإذا وُليت فاعدل بهذه الشيبة)(1).
وقد صحب عبد القادر الجيلاني الشيخ الدباس وسلك عليه ولغنه الذكر، فكان عبد القادر الجيلي الذي دخل العراق لأول مرةٍ فجعل يتنقل بين شيوخ العلم، وبين أستاذه الدباس الذي كشف له عن مآله، فقد تعرض اثناء صحبته له إلى كثير من الامتحانات والاختبارات المريرة .
حكى الشيخ عبد القادر رضي الله عنه فقال: (كنت إذا غبت عنه (أي الشيخ الدباس) لطلب العلم ورجعت اليه يقول: إيش جابك إلينا؟ أنت فقيه سر إلى الفقهاء فأسكت. وكان يؤذيني أذية كبيرة ويضربني، فطمع فيّ أصحابه لكثرة ما يرونه يؤذيني، فرآهم مرة يؤذونني فقال لهم: يا كلاب لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله أحد أنا أؤذيه لأمتحنه فأراه جبلاً لا يتحرك)(2)
يقف الإنسان عجباً من الشيخ الدباس وما كان من امتحانات قاسية أجراها على تلميذه الجيلاني، ولكن رغم ما في ظواهرها من صعوبات لا يتحملها الكثير من الناس ، إلا أنها كانت في ما بعد تجربة صاغته بالمعاني الرفيعة، والدباس بما يفعل يود الوقوف على نفسية الطالب وصلاحيتها لما يريد أن يفرغ في باطنه من علوم ومعارف، وهي أشياء لا تعطى إلا بمقاييس، وهذا الاحوال وما صحبتها من امتحانات لم تغب عن التلميذ الطالب الذي تلقى قدراً من التجارب، التي أعطته طاقة صبر على ما يبدر من أستاذه، والأيام في تقلبها لم تمهل الأستاذ المعرفة الغريب الأطوار أن يكمل عنده عبد القادر ما تبدي له من احوال روحية غالية المنال، وكانت الحسرة بالغة على التلميذ ان تغص الحلق عبرة الاسى، وقد خطفت يد المنون أستاذاً حجة عصره بلا منازع، وهو أحوج ما يكون إليه كل لحظة من حياته، ولكن للقدر تصرفه أن ينقله في مراحله إلى القاضي أبي سعيد الصوفي، وكان القاضي إلى جانب العلوم الشرعية شخصاً أعجمت عوده وعجنته الآداب الصوفية. رغم أنه كان شيخ وقته علماً وتصوفاً بعد الدباس، إلا أنه في المعاملة مع تلميذه الجيلاني له أمر يختلف عما كان من صاحبه الدباس ، يبدو لهذا الاختلاف نظرات عند الشيوخ في التربية، أو أن كل مرحلة تحتاج إلى حالة معينة من الشدة والرفق، أو أنه قد وجد تلميذه الجيلاني في مرحلة تعدت الطلب، وهذا عِقد من الزمن المعاملة فيه غير ما يجري في البدايات، إنه لما أراد أن يجيز تلميذه عبد القادر الجيلاني قال في تواضع ورفق (لبس مني عبد القادر خرقة ولبست منه خرقة يتبرك كل منا بالآخر). هذا النوط عند شيوخ التصوف يرمز إلى التوظيف في مرتبة الدعوة إلى الله تعالى، وهو أمر اصطلحت عليه الشيوخ، بأن لا يجاز في هذا المقام إلا من نال حظاً من المعرفة العلمية والروحية، وهو أمرٌ فتح على عبد القادر باباً جديداً أوصله سنداً روحياً بكبار رجال المعرفة، وللسند معناه الروحي وأهميته العلمية، ارتقى سند عبد القادر من القاضي المخزومي وهو من الشيخ أبي الحسن علي القرشي وهو من الطرطوسي وهو من عبد الواحد اليماني وهو من الشبلي وهو من سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد، والتأسي برجال هذه السلسله الروحية دعاه إلى خوض خضم المجاهدات الساخنة، ولم تقف به الخرقة عند حدَ لبسها، فقد ترك كل سلطان علم وجاه وجرد سيف المجاهدات على النفس وهواها.
ونترك الشيخ الجيلاني في هذا يقص حَرَّ تجربته الرهيبة فقال: (قاسيت الأهوال في بدايتي، فما تركت هولاً إلا ركبته، وكان لباسي جبة صوف وعلى رأسي خرقة، وكنت أمشي حافياً في الشوك، وكنت أقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخص في شاطئ النهر، ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من الله الحال)(1).
فقد كان للبيئة الأسرية التي تربى فيها الشيخ الجيلاني اثرها لفهم التجارب الروحية العميقة، فلم تبهره الأحداث إنما زادته صلابة، وأدخلت في روعه أن أمراً جللاً ينتظره في قابل أيامه، ومن تلك ما واجهه بعد وهو في بغداد فقال: (وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن التي بها، فأخذت مصحفي وعلقته على كتفي ومشيت إلى باب الحلبة لأخرج إلى الصحراء فقال لي قائل: أين تمشى؟ ودفعني دفعة خررت منها على ظهري، وقال: ارجع للناس فيك منفعة فقلت: ايش علي من الخلق؟ أنا أريد سلامة ديني قال: ارجع ولك سلامة دينك ولم أر الشخص القائل، ثم بعد ذلك طرقتني أحوال واستشكل علي، فكنت أتمنى على الله أن يسهل لي من يكشفها، فلما كان الغد اجتزت بالمظفرية ففتح رجل باب داره وقال لي: يا عبد القادر تعال فجئته فقال لي: ايش طلبت البارحة؟ فسكت ولا أدري ما أقول فاغتاظ ودفع الباب في وجهي حتى طار الغبار من جوانبه إلى وجهي، فلما ذهبت تذكرت الذي سألت الله ووقع في نفسي أنه ( أي الرجل) من الصالحين، فرجعت أطلب الباب فلم أعرف فضاق صدري، وكان ذلك الرجل الشيخ حماد الدباس، ثم عرفته وصحبته وكشف لي ما كان يشكل علي)(2).
ويقول عن تلك الفترة الترويضية: (أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمساً وعشرين سنة مجرداً لا أعرف الخلق ولا يعرفونني، وتأتيني طوائف من رجال الغيب والجـان أعلمهم الطريق إلى الله عز وجل)(1).
ثم أن أمراً روحياً آخر حدث له، ويبدو أنه كان بعد هذه الفترة التي قضاها في الصحراء، كان يحمل في طواياه دَلالات كثيرة أهمها بلوغ الغاية في النضوج، ويتوافق مع هذا أنه كان في مفتتح الأربعينات من عمره المبارك رضي الله عنه. وعن هذا الأمر حكى فقال: (رجعت من سياحتي مرة يوم جمعة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة إلى بغداد حافياً، فمررت بشخص مريض متغير اللون نحيف البدن، فقال: السلام عليك يا عبدالقادر، فرددت عليه السلام فقال: ادن مني فدنوت منه فقال لي: أجلسني فأجلسته فنما جسده وحسن حلاه وصفا لونه فخفت منه فقال: أتعرفني؟ فقلت اللهم لا فقال: أنا الدين وكنت قد مت ودثرت فأحياني الله بك بعد موتى فتركته وانصرفت إلى الجامع فلقيني رجل ووضع نعله لي وقال لي يا سيدي محي الدين، فلما قضيت الصلاة هرع الناس إلى يقبلون يدي ويقولون محي الدين، وما كنت دعيت به قبلاً)(2) .


آداب المريد والصحبة:
يتحدث الشيخ الجيلاني عن فحو آداب السلوك قال رضي الله عنه: (يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس، فيكون على عقيدة السلف الصالح أهل السنة القويمة سنة الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين والأولياء والصالحين).
لقد بنى الشيخ الجيلاني أصول طريقته على الكتاب والسنة، وأوجب على السالك في بدايتهِ، النظر في وجوه العلم لتصحيح الذي يعرفه بمعاني العبودية، التي خلق الانسان من اجل القيام بواجباتها امتثالاً للقول الكريم ( وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) العبادة وهي طريق الذين هدى الله من النبيين والصدقيين والصالحين، وقد عبّد الاولياء والصالحون طريقها وبذلوا الجهد في توضيح المعالم ليرتاده السائرون في انات ويسر، لقوله صلى الله عليه وسلم ( ان هذا الدين متين فاوقلوا فيه برفق ان المنبة لا ارضاً قطع ولا ظهراً ابقى) بلا ريب ان سلوك الطريق الى الله يوجب طلب رفقة الصالحين وما اكثر حاجتنا الى الذين يختصروا لنا مسافة السير ويجنبوننا دعاوي النفس وتلبيسات الشياطين، وهذا يقودنا الى القول الكريم ( الرحمن فسأل به خبير).
فقد كانت صحبة الصالحين عند الشيخ الجيلاني وهي البداية الضرورية التي ينطلق منها المريد إلى بقية الآداب، وهي تعلمنا معاني القدوة المطلوبة،: ﮋ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﮊ [ الأنعام: ٩٠]: ﮋ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ [التوبة: ١١٩].
الاقتداء والكَوَن مع الصادقين كما ذكر يختصر لنا الطريق أي كانت هذه المسافة في العبادات أو الامور العادية ، إن للشيخ معناً كبيراً في صياغة شخصية الطالب والمريد.
وقد أشار الشيخ الجيلاني رضي الله عنه إلى آداب المريد المبتدي، فقال: ينبغي أن يكون له إيمان وتصديق واعتقاد بأن لا أحد في دياره أولى من شيخه بالإتباع حتى ينتفع منه، وينبغي عليه ترك مخالفته في الظاهر والباطن وترك الإعتراض عليه في الظاهر والباطن، وأن يكون خصماً على نفسه لشيخه وألا يعتقد فيه العصمة.
ويرى ايضاً ان التصديق والطاعة شرط واجب على المُريد، لأن باخذه البيعة يصبح الشيخ ولي امره، والبيعة في اوجهها المختلفة توجب الطاعة الشرعية لأُولي الامر بمنطوق القول الكريم ( يايها الذين ءامنو اطيعو الله واطيعو الرسول واُلي الامر منكم)
والبيعة في شرعيتها عقود بين طرفين .
الطرف الاول الشيخ.
والطرف الثاني المريد.
وإذا قيل إن البيعة من العقود للقول الكريم (يايها الذين امنوا اوفو بالعقود)[المائدة]من هذا الوجه وجب الوفاء بعقودها،
وللفقهاءِ وجوه فتاوى فيها تتعلق بالوجوب والبطلان، هذا الوجه الاخير تتعلق فتواه بالبيعات السياسية.وقد افتى الامام مالك ببطلان بيعة المكره . راجع النص
وقد كانت بيعة الشيوخ الاولياء المتصلة السند، وهي بيعة تربوية، تختلف عما ذكر إلا انها تتفق بوجه الطاعة، فقد كان الحديث في هذا متعلق بالشيخ والمريد، إلا ان عقود البيعة جْرت إلى تفصيلاتٍ ، جرى القلم بالحديث في احوالها .


ونترك الحديث في البيعة التربوية لشيخٍ من اساطين العلم والتصوف وهو الشيخ الجيلاني ،يقول: ان من شرط المريد ألاَّ يرى أحداً في دياره أولى من شيخه، هذه الرؤية مبنية على شروط بيعة غير المكره، لان المريد قدم على اخذها بإرادةٍ، وهذا يجعل ما قاله الشيخ الجيلاني في الإعتقاد أمر واجب في أخذ البيعة.
ولنا وقفة مع ملاحظة بعض متاخري شيوخ التصوف حول كلمة ان لايرى المريد احدا في دياره اولى من شيخه، يرون ان مع تاخر الزمان وكثرة العصبيات الجاهلة من المريدين والطلاب لمشايخهم كان لابد من محازير تمنع من الوقوع في أحبولة الاخطاء.
قال العلامة الشعراني رحمه الله في قول إن على المريد: (أن يتأدب مع شيخه، وألا يعتقد في أنه أكمل المشايخ الموجودين الآن، فإن في ذلك قلة أدب مع أرباب الأحوال وكمل الأولياء، مع ما يكون في ذلك من الكذب أنه حدْثٌ بالظن وهو أكذب الحديث، فلا يكون التفضيل إلا لمن علم ذلك بإعلام إلهي)(1).
وقد كان هذا من العلامة الشعراني تنبيهاً لمن وقع في احبولة العصبيات الضيقة، فكان لا بد من مثل هذه الشروح المفسرة لرروح الاداب المتعلقة بالشيخ والمريد في هذا الزمان، وقال: انما كان الوقوف مع هذا لكثرة القاصرين من الشيوخ والمتتلمذين
والحديث عن ما جاء عن الشيخ: الذي لايرى المريد اكمل منه وهو الوارث المحمدي، لما ورد ( العلماء ورثة الانبياء) وقوله  ( من ازداد علماً ولم يزداد هدى لم يزداد من الله الا بعد)
بلاريب ان حسن الظن أمر محبب، ولكن على المريد مراعاة الأدب مع كمل الأولياء الذين لا تعرف احولهم، مع أن البيعة للإرشاد والتربية أمر مفتوح بشروطه، إلا أنه لا يعطي من تمشيخ درجة الولاية.

البيعـة وأطوارهـا:
بدأت الدعوة من النبي () بمن يثق بهم، فكان من الشباب علي كرم الله وجهه ومن الرجال أبي بكر رضي الله عنه ثم عثمان وبهذين الشيخين نشطت الدعوة السريه وسط احياء مكة، ثم بعد مرور سنتين على سرية الدعوة نزول القول (يايها المدثر قم فأنذر) ] وتتابعة وتتابعت ايات الوحي التنزيلي حاسمة منذرةً بالجهر بالدعوة : ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭼ [الحجر: ٩٤]
( وصعود الرسول () على جبل الصفا ونادى في قريش (هلمو إلي هلمو إلي) فكانت هذه المرحلة دعوةً وإجابه لم يذكر فيها شيأً من أخذ المواثيق والعهود من الذين كانو معه في دار الارقم.
وأول بيعة عُقدت مع النبي () هي بيعة العقبة الأولى التي أخذها بعض الرجال من الأوس والخزرج بحضرة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان حينذاك على دين قومه ويبدو انه حضر بدعوة من النبي () .
عن جابر الأنصاري أن النبي () لبث عشر سنين يتبع الناس في المواسم في ذي المجّنة وعكاظ وفي منازلهم بمنى يقول:"من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة، فلا يجد أحداً ينصره ولا يؤويه حتى إن الرجل يرحل من مصر أو من اليمن إلى ذي رِحْمِه فيأتيه قومه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتننك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل ويشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرءه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام. وبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا وقلنا حتى متى رسول الله () يطرد في جبال مكة ويخاف فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فواعدنا بيعة العقبة. فقال عمه العباس: يا ابن أخي لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك. إني لذو معرفة بأهل يثرب فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال هؤلاء قوم لا نعرفهم هؤلاء أحداث. فقلنا يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة، فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زِرارة وهو أصغر السبعين إلا أنه قال: رويداً يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن يعضكم السيف، فأما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وأما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر عند الله عز وجل، فقالوا يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، قال فقمنا إليه رجلاً رجلاً فأخذ علينا ليعطينا بذلك الجنة( )".
بهذه العقود أُستُكمِلَتْ شروط الطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وكانت البيعه تعطى وتوخذ على حسب ماتقتضيه الاحوال الداعية إلى ذلك .
دعى النبي () إلى البيعه يوم الحديبيه وكان سببها ذيوع خبر قتل عثمان رضي الله عنه .وتعرف هذه البيعة، ببيعة الرضوان.
قال الاصحاب  أخذنا البيعة على ألا نفر، وأخذناها على الموت.
وقد أخذت بيعات على كلمة التوحيد والإقرار بالنبوة، ثم كانت بعد بيعات النبوة، بيعات الخلفاء الراشدين، وأول بيعة أخذت للخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهي المشهورة ببيعة السقيفة، ثم بعد الخلفاء الراشدين توالت البيعات في الدولة الاموية والدولة العباسية فقهرتا الناس على ذلك بحد السيف. فكثر النزاع بين الظالم والمظلوم .
وكرد فعل طبيعي برزت الثورات المناهضة للظلم من أهل البيت الكريم عليهم السلام، وأخذت الناس البيعة على نصرتهم، والانضواء تحت لوائهم.
وفي هذا الجو المعتم بالغيوم برزت جماعات الصوفية، وأخذت البيعة عن تلاميذ خلص لآل البيت، مثل داوود الطائي، وورد في سلسلة التصوف انه أخذ عن علي الرضا، أو انه عن حبيب الله العجمي عن الحسن البصري عن علي ابن ابي طالب، وردت هذه البيعات إنها أخذت على طريق أهل السنة، لم يشبها غلو وتطرف الشيعة، وقد كانت بيعات التصوف، ذات صبغة روحية خالصة من الشوائب يرجع أصلها إلى ما ورد أن محمداً رسول الله () بايع أصحابه فرادى وجماعات على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ().
وقد ورد تسلسل سند الطريقة الخلوتية إلى ابي بكر الصديق  ومن بين شيوخ السلسلة جعفر الصادق اخذ عن جده أبي أمه القاسم ابن محمد موصول السند الى ابي بكر الصديق 
ومع إختلاف اطوار البيعة الا ان لها اصلا من القرآن :ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮊ [الفتح:١٨]
والبيعة الصوفية في اخذها لها صور من التلقين يتلوه الشيخ ويردد على اثره التلميذ والمريد، سواءً كان التلقين جماعياً او لفرد. عن شداد بن اوس قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب قلنا لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب وقال ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع صلى الله عليه وسلم يده ثم قال الحمد لله اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد ثم قال ألا أبشروا فإن الله قد غفر لكم".(المصدر/مجمع الزوائد)
ويلي هذا الحديث عن تلقين الذكر، عن معاذ رضي الله عنه "أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخذ بيدِه يومًا ثمَّ قال يا معاذُ واللهِ إنِّي لأحبُّك فقال له معاذٌ بأبي أنت وأمِّي يا رسولَ اللهِ وأنا واللهِ أحبُّك قال أوصيك يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ أن تقولَ "اللَّهمَّ أعِنِّي على ذكرِك وشكرِك وحسنِ عبادتِك"( الترغيب والترهيب 2/375)
هذا الوجه من ورود تلقين الافراد والجماعة، فتح الباب واسعاً امام الشيوخ الاولياء في اختيار صيغ الذكر وتلقينه، والاخذ من الشيخ الكامل يحدث في النفس التواضع والتذلل اللذين هما خلق الدين. قال ابوبكر الكتاني: ( التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء).
القول فيما ذكر باختصار، فإن وجد الشيخ بشروطه، وجب عليك عند أهل العلم إتباعه، وأن تصبر نفسك معه فيما يأمر به من خير أو ينهاك عن منكر، لأنك عقدت الصفقة معه على أنه أقدر منك في العلم بمعانيه الشرعية والروحية ، وهذا ما اوجب عليك صحبته وان تكون حياتك معه على التسليم واليقين. وأمر الاتباع والتسليم عند شيوخ التصوف وهو في فحواه مأخوذ من اتباع الخضر لموسى : فوجد عبداً من عبادنا اتينه رحمة من لدنا وعلمناه من لدنا علماﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮊ ( قال انك لن تستطيع مع صبرا. وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا. قال ستجدني انشاء الله صابرا ولا اعصي لك امرا. ﮋ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﮊ فانطلقا حتى اذا ركبا في السفينة خرقها قال خرقتها لتغرق اهلها لقد جيئت شيئا إمرا. قال الم اقل انك لن تستطيع مع صبرا )(الكهف من 65الى الاية 71)
لقد وضع شيوخ هذه الطائفة شروطاً يرون توفرها في الصحبة وأخذ البيعة، وأهم هذه الشروط:
أولاً:أن يكون قصد المريد بالبيعة أخذ الآداب التي تعرف بسلوك طريق الله تعالى على درب الأولياء العارفين.
ثانياً:أن يكون واثقاً ان أستاذه من أهل الخير والصلاح.
ثالثاً:يتبع ذلك بالتسليم له ظاهراً وباطناً.
هذه الشروط الثلاثة. وهي روح بقية الآداب، وتذكر ان هناك واجبات على الأستاذ نحو المريد، منها أن يقبله لله تعالى قاصداً بذلك إصلاحه، وأن يخصه بالتوجيهات النافعة، وأن يرفِق به وأن يضعه في مكان أبنائه في المعاملة.
كيفية البيعة او التلقين:
يقصد بذلك ما جرى به العمل عند الشيوخ، وهو أن يجلس المريد مستقبلاً الشيخ فيطلب منه أخذ البيعة. وأن يكون المريد والشيخ على طهارة كاملة. وقبل التلقين وجب ان تجري كلمة التوبة على باطن الشيخ والمريد، فيجريها المريد على باطنه تفصيلاً فيما علم وإجمالاً فيما لم يدرك، ويحثه على حسن التوجه لله تعالى. وأن يأخذ المريد بيده يد الشيخ عملاً بقول الله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﮊ [الفتح:١٠]. ويفتتح تبعاً للشيخ قراءة سورة الفاتحة ويجري على باطنه معنى الاية في (العبادة والاستعانة)، ويردد معه الشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول () سراً خافضاً طرفه إلى الأرض، ثم يردد وراءه صيغة البيعة المعمول بها عند شيوخ العلم، لأن اصل البيعة بيعة النفس لله وحده، وهي تعني العبودية الخالصة. فإذا استعنت فاستعن بالله واذا استعذت فاستعذ بالله.
والبيعة في بعدها الروحي تعني الاسترقاق لله وحده، وما كان الشيخ في هذا الا مربياً ومشرفاً، على تنفيذ محتوى رسالة السلوك التي تحمل المريد تنفيذها في حياته .
وتندرج في باب المعارف الصوفية، المعرفة بآداب النفوس السبعة التي افرد لها المشايخ آداباً واذكاراً خاصة واول هذه النفوس.
النفس الامارة:
وهي الامرة بالسوء ولا تأمر صاحبها بخير
الثانية النفس اللوامة:
فاذا جاهد صاحبها وخالفها في شهواتها حتى اذعنت لاتباع الحق وسكنت تحت الامر التكليفي ولكنها تغلب صاحبها في اكثر احوالها ثم ترج اليه باللوم على ماوقع سميت لوامة وهي الثانية
الثالثة النفس الملهمة:
فاذا اخذ في المجاهدة والكد حتى مالت الى عالم القدس واستنارت بحيت الهمت فجورها وتقواها، وعلامتها ان يعرف صاحبها دسائسها الخفية الدقيقة من الرياء والعجب.
الرابعة النفس المطمئنة:
فاذا لزم الجهاد حتى زالت عنها الشهوات وتبدلت الصفات المذمومة بالمحمودة وتخلقت باخلاق الله تعالى الجمالية ، ولكنها لاتخلو من دسائس خفية جداً كالشرك الخفي وحب الرياسة الا انها حقائقها ودقتها لا يدركها الا اهلها الذين نور الله بصائرهم لان ظاهرها الاصلاح والانصاف بالصفات الحميدة من الكرم والحلم والتوكل والزهد والورع والشكر والصبر والتسليم والرضا بالقضاء مع انكشاف بعض اسرار وانخراق بعض مادات وظهور بعض الكرامات فلربما ظن صاحبها انه الامام الاعظم وان مقامه هو المقام الافخم وهذا من جملة الدسائس.
الخامسة النفس الراضية:
فاذا ادركت العناية الالهية واستند الى شيخه بالكلية ولازم المجاهدة حتى تمكن الصفات المحمودة وانقطع عن الرياء وصارت نفسه زليلة واستوى عنده المدح والذم.
السادسة النفس المرضية:
ولكن رؤية الفناء ولاخلاص ربما اوقع في شيء من الاعجاب فيرجع به القهقرى فاليستعذ بالله من ذلك مع مداومة الذكر والالتجاء الى الله ويلاحظ انه لايتم له الاخلاص الا بمدد الشيخ فاذا فني عن الفناء وخلص عن رؤية الاخلاص تجلى عليها بالرضا وعفى عن كل ما مضى وتبدلت سيئاتها الى حسنات وانفتح لها ابواب الاذواق والتجليات فصارت غريقة في بحار التوحيد.
السابعة النفس الكاملة:
الا ان صاحب الهمة لايرضى بالوقوف عند هذه المقامات وان كانت سنية بل يسير من الفناء الى البقاء ويطلب وصل الوصل بمقام اللقاء فتناديه حقائق الاكوان انما نحن فتنة فلا تكفر وان الى ربك المنتهى.(كتاب: ابو البركات احمد الدرديري ص/92ـ93 شيخ الازهر د.عبدالحليم محمود)
لقد فتحت تجربة السلوك الصوفي النافذة للمعرفة باحوال النفس ودسائسها وركونها الى المحاب والمغريات، وقد اجتهد الشيوخ الاولياء بفتح باب المجاهدات لتطويع النفس، وقسمت درجات السلوك والمجاهدات الى سبع مقامات، كل ما خلص السالك من عوائق عتبة، تلتها عوائق اخرى حتى نهاية المطاف، وخلاصة ما وقف عليه الشيوخ في الاجتهادات العلمية والمجاهدات السلوكية، شيء واحد، وهي الاداب المهذبة للنفس، قال ابوبكر الكتاني:
(التصوف. خلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء).
وقال ابومحمد الجريري: هو (الدخول في كل خلق سنى والخروج من كل خلق دنى).
يقول الشيوخ: اعلم ان التصوف بمعنى العمل. هو الطريقة.
واما الشريعة فهي الاحكام التي وردت عن الشارع.
واما الحقيقة فهي: اسرار الشريعة، ونتيجة الطريقة فهي علوم ومعاني تحصل لقلوب السالكين بعد صفائها.
والاداب ضرورية اذ انه متى ترك السالك الاداب او اكثرها بعُد عليه الوصول الى مطلوبه، وقد قسمها الشيخ الدرديري الى ثلاثة اقسام :
اما قلبية، واما مصاحبة، واما بعدية. وهذه الاداب عنده من شرائط الذكر. ( د. عبدالحليم محمود)
وقد ورد في نزول سورة الحجرات لتوضح أهمية الأدب مع النبي(). وقال الامام مالك لابي جعفر المنصور: إن حرمة النبي() ميتاً كحرمته حياً (1)، ولهذا أوجب العلماء روح الادب نفسه مع من ينقل علم النبوة الكريمة من بعده.
وتنقلنا معاني السير الى الله تواً الى القول في إنسان السلوك، فهو صاحب إرادة نازعاً نحو تحقيق ذاته، بقطع عتبات النفس، بالحد الأقصى من طاقته الإنسانية، ولا يتحقق هذا الكمال إلا في بعض الأشخاص، وإن كان داعِي السلوك يدعو كل إنسان أن يحقق ذاته في مقامات العبودية، على طريق الشيوخ الاولياء.
وقد اختار صاحب الإرادة طريق المقاومة الدائمة للنفس، لأنه إنسان متوتر باستمرار نحو تحقيق الذات، فهو مدرك الفرق بين بذل الجهد إلى أن يتجاوز العقبات الصعبة، وبين أن يستكين ويستسلم لعادات النفس، وما تحب من الراحة والمتعة العاجلة. ويتمثل في هذا الاخير قول العارف عمر بن الفارض
رَضوا بالامانى وابتَلُوا بحظوظهم
وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتْلُوا
فهم في السُرى لم يبرحوا من مكانهم
وما ظعنوا في السير عنه وقد كلّوا
وعن مذهبي لما استحبوا العمى على
الهدى حسدا من عند انفسهم ضلوا
فقد كان انسان التصوف. غير المتصوف: وهو الذي كابد البطالة والخمول من نفسه، فإن وجد بهذا الوصف فقد انفرد عن غيره كنموذج مخترق للحواجز المادية متمرد على العادات ومألوفاتها، فليست في إحساسه بهذه الاحوال، يحازيه احد في تلك المراقي، وعل هذه الاحوال خصت بها قلة الربانيين، ولهم امثال في الحياة:
(جاء حارثةُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ كيفَ أصبحتَ يا حارثةُ قال أصبحت يا رسولَ اللهِ مؤمنًا حقًّا قال يا حارثةُ إن لكلِّ حقٍّ حقيقةً فما حقيقةُ إيمانِك قال عزفَت نفسي عن الدُّنيا فأسهرتُ ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظرُ إلى ربِّي عزَّ وجلَّ على عرشِه بارزًا وكأني أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ في الجنةِ يتنعمون وأهلِ النارِ في النارِ يُعذبون فقال له يا حارثةُ عرفت فالزمْ ثم قال مَن أحبَّ أن ينظرَ إلى عبدٍ قد نوَّرَ الإيمانُ في قلبِه فلينظرْ إلى حارثةَ)( ابن حبان ومجمع الزوائد والبزّار).
ومن جملة آداب الطريق الصوفي: آداب صحبة الشيخ، وآداب صحبة الأخوان، و الآداب مع الأهل والأولاد، وآداب صحبة الأغنياء، وآداب صحبة الفقراء...الخ، وهي معالم قد تتغير بعض تفاصيلها، ولكن يبقى جوهرها وفكرتها التي يحافظ عليها الشيوخ الوارثون لعلوم وأسرار الدين.
عــد بـــدأً:
ونأخذ للإشارات التربوية امثلة من مؤلفات(1) الشيخ الجيلاني رضي الله عنه لعلها تفتح الباب لمزيد من الإطلاع. قال: (ينبغي على المريد ألا يتكلم بين يدي شيخه إلا في حالة الضرورة، وألا يظهر شيئاً من مناقب نفسه بين يديه، وأن يكون متهيئاً لخدمته ومن معه، وينبغي عليه إذا جرت مسألة بين يدي الشيخ أن يسكت وإن كان عنده منها جواب، وعليه ألا يتحرك في حالة السماع بين يديه، وعليه دوام المرافقة والصدق في الصحبة في الله، فلا يكن المريد مع شيخه مشغولاً بأهل الدنيا، وأن يحذر من مخالفته لأن مخالفة الشيوخ سم قاتل) ثم قال: (والذي يجب على الشيخ في تأديب المريد هو أن يقبله لله عز وجل لا لنفسه، فيعاشره بحكم النصيحة ويلاحظه بعين الشفقة، ويلاينه بالرفق عند عجزه عن احتمال الرياضة، فيأخذه بالأسهل ولا يحمله ما لا طاقة له به، ويأخذه بالأشد فيأمره بترك متابعة الطبع في جميع إموره). ثم قال في صحبة من كان من غير أهل الطريق أن: (يحفظ السر عنهم وينظر اليهم بعين الشفقة، وينبغي عليه أن يحسن العشرة مع إخوانه فيكون منبسط الوجه ولا يخالفهم فيما يريدون بشرط ألا يكون فيه خرق للشرع، وألا يكون ممارياً ولجوجاً. ويكون أبداً مساعداً للأخوان، ويكون صبوراً على أذاهم غير حقود، ولا ينطوي على أحد منهم على سوء وغش غير مغتاب ولا مسيء المحضر، ويذب عنهم في حالة الغيبة ويستر لعيبهم ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه، ولا يرى ملكه ممنوعاً على أحد من الأخوان، وأن يعاشر كل أحد من حيث هو لا يكلفه فوق طاقته، وأن يعاشر من هو دونه بالشفقة عليه ومن هو فوقه بالإجلال، ومن هو مثله من الأخوة بالافضال والإيثار).
ويرى أن من الواجب التعرف على آداب العشرة والمعاملة لأن من القول ( الدين المعاملة ) .


المجاهـدات:
فهي من القواعد المهمة التي راعى رجال التصوف الاحوال فيها ضعفاً وقوة، ورتبت على المبادئ التالية:
الجوع، السهر، الصمت، الذكر، وقد راعى الشيوخ العلماء تأخر الزمن والانشغال وضعف الهمم، ان تكون المجاهدة في اصل العبادات، الصلاة، والصيام، والحج، وزيارة مشهد قبر النبي وكثرة الصلاة عليه، وكثرة الذكر، لقول الله تعالى (يايها الذين امنو اذكروا الله ذكراً كثيرا وسبحوه بكرة واصيلا )[الاحزاب 41] وللذكر آدابه الخاصة به عند أهل الطريقة، وهناك أصل كبير من مباني الاسلام، وهي الزكاة .
(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) [التوبة 60]
الزكاة متعدية في نفع الغير وبهذا تصبح في الدين من الاهمية بمكان، ولكثرة النفع في الانفاق، أكثر الوحي التنزيلي الحض عليه، واكثر التحذير من الشح والبخل، وفي هذا يذكرنا الوحي بإحوال اصحاب الجنة، أي الضيعة الزراعية (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ اقسموا ليصرمنها مصبحين ولايستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم........إلى قوله تعالى فلما رأوها قالو إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم اقل لكم لولا تسبحون قالو سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعضهم يتلاومون قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين)[القلم 16-30] .
تنقل إلينا ايات الوحي التنزيلي قصص اصحاب الجنة، أي الضيعة، وما يضمرون من حرمان للمساكين، فقد كان الجزاء عاجلاً، وقد تكون صور عقاب الحرمان غير ذلك، من انواع الامراض الخبيثة، وغيرها من امراض مزمنة لا تنفعها جرعات طبية، متى ما خالف الناس قاعدة السنن الإلهية، فيكون هذا جزاءهم.
عل الحديث عن المجاهدات والتطهير للنفس أخذ مناحي وصورٍ مختلفة،وكان تركيز الوحي على الإنفاق في سبيل الله، لما فيه من نفع للمساكين والفقراء.(خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكنً لهم والله سميع عليم)[التوبة 103]
مع التأمل في المجاهدات وكثرة النصوص التي أدرجت في بطون المؤلفات، وحملتها ذاكرة اصحاب الطريق الا ان الشيوخ ركزت على تطهير النفس وتطبيعها بتعاليم النبوة "الدين المعاملة".
قال الشيخ الجيلاني : (لأهل المجاهدة والمحاسبة عشر خصال جربوها لأنفسهم، فإذا أقاموها وأحكموها بإذن الله تعالى وصلوا إلى المنازل الشريفة):
ترك الحلف بالله صادقاً أم كاذباً.
اجتناب الكذب في الجد والهزل.
اجتناب خلف الوعد.
اجتناب إيذاء الخلق ولعنهم.
تحمل الظلم منهم واجتناب الدعاء عليهم.
حسن الظن بأهل القبلة والحذر من الشهادة على أحد منهم بكفر أو نفاق.
كف الجوارح عن النظر إلى المعاصي والنهم إلى شيء منها ظاهراً ولاباطناً.
رفع المؤونة عن الخلق والاستغناء عنهم.
قطع الطمع عن النفس جملة والإنقطاع إلى الله تعالى.
التواضــع:
ههذه الخصلة الأخيرة قد جعلها الشيخ أساساً لكل سالك وسائر إلى الله تعالى فقال: (التواضع هو ألا يَلقَى العبدُ أحداً من الناس إلا رأى له الفضل عليه، ويقول عسى أن يكون عند الله خير مني، فإن كان صغيراً قال: هذا لم يعص الله وأنا قد عصيت، وإن لقي كبيراً قال: هذا عند الله كان عالماً أُعطى ما لم أبلغه، وإن كان جاهلاً قال هذا عصى بجهل وأنا عصيته بعلم، وإن كان كافراً قال: لا أدري عسى أن يختم له بخير، وربما يختم لي أنا بشر العمل).
قال مرة لابنه الشيخ عبد الرازق: (ياولدي! التصوف مبني على ثمان خصال:
السخاء لنبي الله إبراهيم. الرضا لنبي الله اسحق.
الصبر لنبي الله أيوب. الإشارة لنبي الله ذكريا.
الغربة لنبي الله يوسف. لبس الصوف لنبي الله يحيى.
السياحة لنبي الله عيسى.الفقر لنبينا محمد() وعليهم أجمعين.
إنتشـار الطريقـة:
يبدو انه قد تكونت لدى الشيخ الجيلاني فكرة نشر الطريقة في البلدان المختلفة، وهذا جعله يفكر في إقامة جامعة علمية، وسنحت الفرصة لهذه الرؤية عندما خلَّفه شيخه أبا سعيد القاضي في مدرسته بباب الأزج، فتكلم فيها بلسان الوعظ والتذكير. وضاقت المدرسة بالناس ، من شدة الزحام والضيق كان يجلس للناس عند السور مستنداً إلى باب الرباط. ثم وسعت بما أضيف اليها من المنازل التي حولها وبذل الأغنياء أموالهم في عمارتها، وعمل الفقراء فيها بأنفسهم. وكملت المدرسة في سنة 528هـ وصارت منسوبة اليه. وتصدرها للفتوى والتدريس وكان يفتي على المذاهب الأربعة. وتخرج من مدرسته عدد كبير من العلماء، نشروا تعاليم "الطريقة" في أرجاء المعمورة(1).
وقد انتهجت مدرسته نمطاً اشبع رغبات الطلاب العلمية، فحوت ثلاثة عشر علماً. هذا التوسع العلمي هو الذي أدى إلى أن يكون تلاميذ الطريقة أساتذة علم اولا، وشيوخ سلوك ثانياً، فقد جابوا الأقطار المجهولة لنشر الإسلام في الأمصار البعيدة التي لم تغزها جيوش المسلمين، أو لم تستطع إخضاعها للحكم الإسلامي. فانتشر بهم الإسلام في إفريقيا السوداء وفي اندونيسيا وجزر المحيط الهندي وفي الصين وفي الهند(2)

وفـاة الشـيخ الجيلاني رضي الله عنه:
جاوز عمر الشيخ رضي الله عنه التسعين سنة، فلما دنت لحظات الوفاة قال لأولاده: (أبعدوا من حولي فإني معكم بالظاهر ومع غيركم بالباطن، وقد حضر عندي غيركم فأوسعوا لهم، وتأدبوا معهم، هنا رحمة عظيمة، ولا تضيقوا عليهم المكان. وكان يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، غفر الله لي ولكم وتاب الله علي وعليكم. وقال: ويلكم أنا لا أبإلى بشيء ولا بملك الموت، يا ملك الموت منح لنا من يتولانا سواك. وسأله ولده عبد الجبار ماذا يؤلمك من جسدك ؟ فقال جميع أعضائي تؤلمني إلا قلبي فما به من ألم، وهو صحيح مع الله عز وجل. ثم أتاه الموت فكان يقول: استعنت بلا إله إلا الله سبحانه وتعالى الحي الذي لا يموت ولا يخشى الفوت، سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت.لا إله إلا الله محمد رسول الله() ، ثم خرجت روحه الكريمة رضي الله عنه وأرضاه)(1).
فقد كان تاريخ وفاته سنة 516هـ الموافق 1165م، ودفن ليلاً بمدرسة باب الأزج ببغداد لكثرة الزحام امتلأت الحلبة والشوارع والأسواق والدور، فلم يمكن دفنه في النهار(2).
مضى الإمام الجيلاني رضي الله عنه وقد أدى ضريبة العمل لتخليد الدين، وظلت طريقته ميداناً للدعوة إلى الله، عليه رحمات السماء دائماً نفعنا الله به .

خلفاء الشيخ عبدالقادر الجيلاني:
الشيخ عبد الوهاب:
ولد في شعبان سنة 522هـ ببغداد وتوفي بها في شوال سنة 593هـ. قام بالتدريس في حياة والده نيابة عنه. ثم تولى المدرسة بعد وفاة والده عليه رحمات الله، كان فقيهاً فاضلاً ترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام وابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة.
الشيخ عبد الرازق:
عبد الرازق ابن الشيخ عبد القادر الجيلاني ولد في ذي القعدة سنة 528هـ، وكان أشهر أبناء الشيخ الجيلاني في العلم والحديث، وكانت له أحوال باهرة في الذكر والعبادة، روي أنه مكث ثلاثين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياءً من الله تعالى. وله ترجمات مطولة(2).


انتشار الطريقة في العالم الاسلامي:
ورأى بعض الباحثين إن سبب انتشار الطريقة القادرية ارتكز على أربعة عوامل:
أولاً: إهتمام الإمام الجيلاني بإرساء قواعد الطريقة على الكتاب والسنة.
ثانياً: تلقي العديد من المريدين الوافدين من العالم الإسلامي الطريقة القادرية وخرقة التصوف تلقيناً ومبايعة من الإمام الجيلاني في بغداد ومكة. وعملوا على نشر الطريقة في أقطارهم.
ثالثاً: ترك الإمام ذرية كثيرة فقام أولاده وأحفاده الذين يجمعون بين العلم والتصوف بتولي أمر الطريقة وإحيائها.
رابعاً: أدت فاجعة القرن السابع الهجري يعني سقوط بغداد على أيدي المغول سنة 656هـ إلى إضفاء لون من اللامركزية للطريقة. فاعتُبرت فروعها بالبلدان أصولاً. وبهذا التفريع كان إنتشارها في أرجاء العالم الإسلامي.
وقد أدى هذا الدور الأخير إلى كثرة علماء وتلاميذ الطريقة فتغلغلت بجهودهم في اوساط المجتمعات الانسانية، بشكل فعال وتناسبت مع حال كل مجتمع.
يبدو ان احوال الفتن من جراء الصراع بين حكومات الخلفاء والمعارضين دعى ذرية الشيخ الجيلاني الى التفكير في موطن غير بغداد، رحل الشيخ شرف الدين يحيى بن أحمد من أحفاد الجيلاني، واستوطن حماة سنة 734هـ وظلت زاويته عامرة حتى القرن الحادي عشر وتلقى فيها تعاليم التصوف الشيخ عبد الغني النابلسي.
الشيخ شرف الدين الجبرتي المتوفي سنة 806هـ كانت له مدرسة صوفية في زيد باليمن.
الشيخ حسن جبرو أسس مركزاً للطريقة في عام 1819م ببلدة برديرة على نهر جوبا بالصومال.
الشيخ عويس بن محمد البراوي القادري قام بنشر الطريقة في جوبا العليا وأسس مسجداً وزاوية في (توجلة).
وفي مصر الشيخ على بن الحسن محمد الأكحل المعروف باسم على القادري، وعلاء الدين البغدادي وهو من ذرية الشيخ عبد القادر الجيلاني(1) .
وفي المملكة السنارية: قدم الشيخ تاج الدين البهاري دخل البلاد السنارية (السودان)، في النصف الأول من القرن العاشر الهجري ونشر بها الطريقة القادرية.
وقدم ايضاً الشيخ عبد الرحمن الخراساني في النصف الثاني من القرن الثالث عشر وأخذ منه الشيخ أحمد الجعلي الطريقة القادرية.
وبهؤلاء الشيوخ الدعاة أنتشرت الطريقة وتفرعت في بلدان العالم الاسلامي.
ولعل بعض القراء يودون ان يعرفوا صلة العلاقة الرابطة بين الشيخ الجيلاني وفروع الطريقة المنتشره في البلادان التي اشرنا اليها وبخاصة بلادنا السودان.
يبدو من خلال الشيوخ الذين اشرنا اليهم تبين سر العلاقة الكائنة بين الشيخ الجيلاني وتلاميذ الطريقة في البلدان المختلفة.



الانسياب الصوفي في السودان
الحديث عن الطريقة القادرية في السودان وما قام به رجالها خلال خمسة قرون من الزمان بلا انقطاع في ميدان الدعوة إلى الله تعالى.
هذا يوجب الحديث عن الاسلام في المملكة السنارية، وكان بدخول العرب المسلمين مملكة (المقرة) وبنهايتها على يد الفاتحين العرب، كان التدفق نحو المملكة العنجية الوثنية ( علوة) وبنهاية هذه المملكة في معركة جبل مويا الشهيرة على يد الفونج والشيخ عبدالله جماع، وقيام المملكة السنارية.
قدم الشيخ تاج الدين البهاري مع تلميذ الحاج داوود بن عبدالجليل، وكان دخوله بلاد المملكة من متطلبات الوقت في حركة الدين والدعوة في اوساط مجتمعات المملكة التي تفقد الكثير وتحتاج الى الشيوخ العلماء في القيادة والتوجيه والارشاد.
والحديث عن الانسياب الصوفي مع الفتح والهجرات السلمية أوجب مدخلاً، وهذا يستدعي الرجوع إلى الذاكرة التاريخية التي تحكي مضابطها تحرك الجيوش الفاتحة في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وبعد انقضاء عامين على فتح مصر، رأى القائد الفاتح سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه أن يؤمن شواطئ وأطراف الولاية الجديدة (مصر)، بخاصة طرفها الجنوبي الذي كان متاخماً لمملكة مسيحية كبيرة في أرض النوبة. واتجهت سياسة المسلمين منذ أن تم لهم فتح مصر إلى فتح بلاد النوبة، لضرورة المحافظة على أطراف مصر من ناحية الجنوب، وتأمين طرق التجارة القديمة فارسلت فرقة من الفرسان بقيادة عقبة بن نافع لفتح بلاد النوبة سنة 641م، والراجح أن عدد المسلمين في هذه الحملة لم يكن كبيراً، بينما كانت خسائرهم كثيرة لشدة المقاومة التي أبداها النوبيون، فضلاً عن مهارة هؤلاء في رمى السهام، حتى أن المؤرخين العرب أطلقوا عليهم اسم رماة الحـدق، ولذا لم يستطع المسلمون أن يتوغلوا جنوباً مع أن هذه المحاولة، وإن لم تكن ناجحة فإنها كذلك لم تكن فاشلة تماماً، والدليل على ذلك نص معاهـدة الصلح التي تمت بين عمرو بن العاص وقيروس (المقوقس). ذلك النص الذي ورد فيه ذكر النوبة لأول مرة في وثيقة عربية: (أن على النوبيين الذين يدخلون في الصلح مع المسلمين دفع كذا وكذا من الرؤوس وفتح بلادهم لتجارة الصادر والوارد)(1).
ولكن لم يحافظ النوبيون على العهد الذي بينهم وبين المسلمين، فلم يكد يقرع أسماعهم وفاة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعزل عمرو بن العاص، حتى رأوا نقض الصلح، فأرسلوا سراياهم إلى الصعيد فخربوا وأفسدوا، فاستعد عبد الله بن أبي السرح الذي خلف عَمْرَاً في ولاية مصر لملاقاتهم رغبة منه في مواصلة الفتوحات التي قام بها سلفه، فتمكن جيشه من التوغل جنوباً حتى دنقلا عاصمة المملكة المسيحية الشمإلىة (المقرة) سنة 652م وحاصرها حصاراً شديداً واستعمل المنجنيق في ضرب المدينة فخربت كنيستهم. فكان بعد ذلك قرار الصلح المشهور تاريخياً باتفاقية (البقط)، والذي طلبه ملك النوبة (قليدور) من القائد العربي عبد الله بن سعد بن أبي السرح. وقد كان مؤدى هذا الصلح أن يدفع ملك النوبة لبيت مال المسلمين 360 رأساً من الرقيق مقابل عهد كتبه لهم عبد الله بن سعد يعتبر أساساً للعلاقات بين مصر الإسلامية والنوبة، مع وعد منه بهدية سنوية من الحبوب والملابس تقديراً لفقرهم. وكان مما نص عليه العهد تأمين أهل النوبة والتأكد بعدم محاربتهم ماداموا قائمين على تنفيذ الشروط التي بينهم وبين المسلمين، ومنها حفظ من نزل بلدهم من مسلم أو معاهد، وحفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتهم، ولا يلتزم المسلمون بدفع عدو و لا مغير على بلادهم(2).
كان لهذا العقد ثمرته لحين من الزمان، فقد ظلت بسببه الاتصالات حسنة بين المسلمين والنوبة المسيحيين، وفتح باباً للولوج لأرض النوبة مع ضمانٍ لهم في حرية الحركة غير أن هذا الصلح لم يشمل البجة الذين ما لبثوا أن أغاروا على صعيد مصر سنة 725م فصالحهم ابن الحباب وكتب لهم عقداً ينص على دفع ثلاثمائة من الإبل الصغيرة، على أن يجتازوا الريف تجاراً غير مقيمين، وألا يقتلوا مسلماً أو ذمياً وألا يؤووا عبيد المسلمين، ويظل وكيلهم في الريف رهينة في يد المسلمين.
ولم يمضِ قرن على هذه المعاهدة حتى عاد البجة إلى شن الغارات من جديد على جهة أسوان، وكثر إيذاؤهم للمسلمين فرفع ولاة الأمور في أسوان خبرهم إلى المأمون الذي جرد عليهم حملة بقيادة عبد الله بن الجهم، فكانت له معهم وقائع عديدة انتهت بموادعتهم وكتابة عقد جديد بينه وبين رئيسهم (كنون بن عبد العزيز)(1) يختلف كثيراً عن عقد عبد الله بن سعد لملك النوبة. (بلاد البجة حتى "مصوع" جزء من الدولة الإسلامية) وتطبق عليها شروط البلاد التي تفتح عنوة، بدليل فرض الخراج. فتهدمت أمام المسلمين السدود المانعة لتدفقهم في البلاد الجديدة التي أصبحت بعد هذا العقد داراً ومقراً جديداً للعرب الوافدين، وبسبب التمازج والإنصهار التدريجي إنتشر الإسلام بين أهل البجة. ولكن الملوك – وإن أعطوا عهوداً ظاهرها الطاعة إلا أن نفوسهم لم تطب لهذا الوافد الجديد، الذي سحب من تحت أقدامهم المجد. وهذا ما جعلهم كثيري النقض للعهود التي يبرمونها، فقد حدث في أيام الخليفة المتـوكل أن أغاروا على الصعيد، وامتنعوا عن دفع الخراج وقتلوا كثيراً من المسلمين بمناجم الذهب بالعلاقي ، فجرد لهم (الخليفة حملة قوامها ألف من الجند والمتطوعة بقيادة محمد بن عبد الله القمي الذي سار إلى أسوان وأتى العلاقي فأخذ من ربيعة ومضر وإلىمن ثلاثة آلاف رجل والتحم مع علي بابا ملك البجة في معركة انتهت بهزيمة البجة)(1). هذا الإنتصار أتاح فرصة لعقد بات بموجبه العرب متمتعين بحماية الـدولة الإسلامية، وأعطاهم الحرية في العمل في مجال استخراج المعادن الثمينة كالذهب وغيره من الأحجار الكريمة، التي اجتذبت جماعات عربية كبيرة كانت تقوم باستخراجها والاتجار فيها.
أول أمـير مسـلم:
أدت الحروب التي دارت بين المسلمين والنوبة على مدى السنين إلى عقود معاهدات، أتاحت الإستقرار والتمازج الذي كان نتاجه تزوج العرب من النوبة والبجة، وبهذا زالت عوامل الخصومة والثأر بي الطرفين، وأتيح للعرب بعد أن ورثوا العرش النوبي، فقد اختلط عرب ربيعه بالنوبيين وتزوجوا من بنات رؤسائهم، لأنهم كانوا تجاراً ولهم مصالحهم المادية في بلاد النوبة كما أسلفنا، وتدريجياً تم لهم الإنتفاع من نظام الوراثة المعروف عند النوبة وهو توريث ابن الأخت.
والراجح أن هذ التمازج قد كون طبقة حاكمة خضع لها النوبيون من أهل (مريس) الذين زال عنهم السلطان الفعلي لمُلك النوبة المسيحية. ولاسيما بعد أن دخل معظمهم الإسلام. ثم اعترفت الـدولة الفاطمية بهذه الإمارة العربية النوبية أخيراً، وذلك حين استعان الخليفة الحاكم بأمر الله بأبي المكارم هبة الله أمير ربيعة في القبض على (أبى ركوة)(2) في عام 1006م فكوفئ بلقب (كنز الدولة) وبهذا عرفت عشيرة بني كنز(3)، وبسبب الإختلاط والتزاوج، انتقل الملك من أيدي ملوك النوبة المسيحيين إلى كنز الدولة ذوي النسب العربي النوبي في عام 1323م (723هـ). وجاء في وصف دنقلا وملكها بعد أن آلت مقاليد الحكم فيها إلى بنى كنز: (إن ملكها الآن مسلم من أولاد بني كنز، وإنه يأوي الغرباء إلى جامع دنقلا فيرسل اليهم فيأتونه فيضيفهم وينعم عليهم هو وأمراؤه)(1) ، وباستقرار بنى كنز على عرش الملك النوبي، أتيح للعرب أن ينتشروا في أجزاء السودان المختلفة وأن يكونوا حكومات القبائل على النيل.
وكانت الجماعات العربية التي هاجرت إلى حوض النيل الأوسط
تشتمل على مجموعتين كبيرتين، هما مجموعتا العرب العدنانيين والقحطانيين، ويمثل العدنانيون في الوقت الحاضر الكواهلة والمجموعة الجعلية وبعض القبائل الصغيرة الأخرى كالرشايدة، بينما يمثل القحطانيون المجموعة الجهينية. إن أول إشارة إلى بني كاهل وردت في رحلة ابن بطـوطة إلى (عيـذاب) وسـواكن في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي (1353م)، فذكر أن أولاد كاهل يسكنون المنطقة الممتدة من عيذاب إلى سواكن، وأنهم مختلطون بالبجة عارفون بلسانهم. ولقد كان لهم الأثر الأكبر في نشر الإسلام والثقافة العربية وسط البجة بعد أن صاهروهم ونالوا مركز الزعامة فيهم. أما المجموعة الجعلية فتركزت على النيل، الأعظم منهم جنوب الخرطوم الحإلية حتى دنقلا. وتمثل هذه الضفة من النهر المركز الرئيسي الذي انتشرت منه القبيلة في شعب وفروع نحو البطانة والنيل الأزرق والنيل الأبيض والركابية، وسط الجماعات النوبية، وقد كان تدفق العرب على مملكة علوة من الجهة الشمالية والجهة الشرقية معاً بصورة كبيرة، الأمـر الذي أدى بدوره فيما بعد إلى انحلال وسقوط المملكة النوبية، وقيام مملكة سنار الإسلامية التي استقر بها الإسلام في السودان.
أن هذه الهجرات قد جاءت مصحوبة بالتصوف كواحـد من المعارف التي كانت متأصلة في حياة بعض المهاجرين. ومن الذين كان لهم أثرٌ صوفي واضحٌ في تلك الفترة، ذو النون المصري وهو من أصل (نوبي)،(1)وكذلك من صفوف النساء المتصوفات (تحية النوبية التي كان أبواها نصرانيين)(2) وظاهرة تصوف أمثال هؤلاء فيه إشارة واضحة إلى دخول التصوف إلى مملكة المقرة منذ وقت مبكر. فقد صحب التصوف جماعات من الجيوش الفاتحة، وأسراب الهجرات السلمية عبر البحر الأحمر.
والتصوف في تلك الفترة وإن لم يكن ذا طابع إجتماعي منظم كالذي حدث بعد دخول الشيخ تاج الدين البهاري، إلا أنه كان يحمل بعض ما كان متاحاً له أن يبرز به في الوسط الاجتماعي، فقد وصف المقريزي وجوده عن ابن سليم الأسواني: أن مملكة علوة أن سوبا عاصمتهم تقع شرق الجزيرة الكبرى بين البحرين (فيها أبنية حسان ودور واسعة وكنائس كثيرة الذهب وبساتين، ولها رباط فيه جماعة من المسلمين… الخ)(3). والمعروف أن الرباط (4) لم يعرف إلا مع جماعات التصوف، أن هذه الجماعة الصوفية التي أسست لها رباطاً وسط المملكة المسيحية والوثنية معاً، بلا ريب إنها لعبت دوراً كبيراً في نشر دعوة الإسلام، بأسلوب لم يثر السلطة الحاكمة، بل ويبدو أنها كانت ذات أثر في بعض أصحاب الكلمة النافذة من رجال المملكة ولذلك سمح لها بإنشاء ذلك الرباط الصوفي. هذه المعالم التاريخية توضح وجود التصوف في مملكتي (المقرة وعلـوة) في حقبة سبقت تدهور تلك الممالك وسقوطها .
فقد أدت أسباب كثيرة إلى قيام ما يشبه الحكومة المركزية في مملكة علوة لضم شتات العرب المسلمين وإماراتهم المختلفة، بعد أن أصبحوا قوة كبرى لا تستطيع حكومة المملكة أن تقف أمام تيارهم الجارف، الذي أخذت مفاهيمه العقائدية والفكرية تنمو وسط (التكوينات) المختلفة، بصورة أحدثت تغيرات جذرية ارتجت لها أركان المملكة العنجية. وأصبح هذا التجمع القبلي في حاجة إلى سلطة جديدة، تلائم احوال المسلمين. وقد بدء الأمر بدعوة بعض رجال القبائل العربية، إلى النظر في أمر قيـام مملكة إسلامية. وانحصر الأمر أخيراً بين عمارة دنقس زعيم الفونج وعبد الله جماع شيخ عرب القواسمة الذي اجتمعت حوله القبائل العربية، وتعاهدا على إزالة المملكة العنجية الوثنية، فدارت بينهم معركة في أربجي في عام 910هـ – 1505م، انتصر فيها الحليفان وفر العنج إلى جبال فازوغلى وكردفان، ومن بقي منهم اعتنق الإسلام واختلط بالعرب(1).
بعد هذا الانتصار الرائع الذي نهى الممالك الوثنية وكانت الفكرة من الحليفين في تكوين مملكة اسلامية، امتـد ظلها غرباً إلى مداخل جبال كادقلي، وشمالاً وشرقاً إلى البحر الأحمر. تحت ظلال هذه المملكة نشط التصوف. وكانت الطريقة القادرية من العوامل القوية في تأسيس هذه المملكة فقد تولى شيوخها مسئولية الدعوة إلى الله تعالى. بين مجتمعات جديدة تتسم بالامية .



الشـيخ تاج الـدين البهاري
المفتـاح:
تُبرزُ الحروف على لوحة الكتاب معنونة إسم علم من أعلام العلم والتصوف، هو الشيخ محمد تاج الدين البهاري، اللذي إختلفت الأقلام حول وطنه وفي أيٍ بقعة من خارطة الكوكب الأرضي، وقد كان الاختلاف أيضاًً حول انتماءاته البشرية، ويصعب على الباحث الحصول على وجود وثيقة توضح موطنه ومسقط رأسه، إن صح القول أنه من المنطقة الواقعة شرق الجزيرة العربية، من بهار بالقرب من منطقة قندهار، ولم يُر ترجيحاًًَ في هذا الأقوال يؤخذ به، لأن الأمر كله اجتهادٌ حول نسبة كلمة بهاري، وياتي السؤال عن تاريخ مولده وإن لم توجد مضابط تحدد ذلك، إلا إننا نأخذ بدخوله المملكة السنارية في منتصف القرن العاشر، ويبدو أنه كان عمره آنذاك بين الأربعين والخمسين سنة، ومحولتنا تحدد العمر بذلك لأن النشاط والحركة الدائبة في جولته المختلفة إلى جبال تقلي فإنها تحتاج إلى قوة البنية.
سنده الصوفي:
الشيخ البهاري كما ذكرت هو من خلفاء الشيخ الجيلاني، وهذا يدعو لذكر سندٍ يربطه بأحفاد الشيخ الجيلاني، وقد ورد أن اكثرهم في منطقة الشام التي نزح إليها ابناء الشيخ عبدالرازق بن الشيخ عبد القادر الجيلاني وأسسوا فيها زوايا للطريقة. ومن شيوخ سنده الذين توجد مزاراتهم بالشام في منطقة سوريا.
الشيخ أجمل والشيخ أكمل والشيخ علاء الدين والشيخ علي أكبر والشيخ علي أصغر والشيخ جمال الدين. ومنهم من يوجدون في مزار واحد بالقرب من مدينة حماه، وقد وردت سلسلة الشيخ البهاري أنه اخذ عن الشيخ محمد عبد الوافي عن الشيخ أكمل عن الشيخ أجمل عن الشيخ أكبر عن الشيخ علي أصغر عن الشيخ جمال الدين عن الشيخ كمال الدين عن الشيخ علاء الدين عن الشيخ محمد عن (والده) الشيخ أحمد عن (والده) الشيخ عبد الرازق ابن الشيخ الجيلاني عن والده الشيخ عبد القادر الجيلاني(1).
وقد ورد في سند هذه السلسلة بعض الألقاب والكنى بدلاًً عن الأسماء الحقيقية. وهذا يرجع إلى سمات ذلك العصر، فقد عمد الخلفاء والملوك إلى الألقاب الضخمة ينعمون بها على الناس من باب المكافأة والإعتراف بالخدمات، وتلك عـادة نشأت في بعض البلاد الإسلامية أيام البويهيين في بغداد. فقد كنى الفاطميون مثلاًً أبا المكارم بـ (كنز الدولة) الذي صار أساساًً لبنى كنز، وذلك عند قبضه على أبي ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك الأموي بمماليك النـوبة. ولم تتوقف ظاهرة الألقاب عند حدود جغرافية معينة بل تأثر بها المجتمعات في تلك الممالك وغيرها، نجد في تاريخنا القاب مثل ذلك.

البهاري إلى المملكة السنارية:
التقى الحاج داوود بن عبد الجليل بالشيخ تاج الدين البهاري في مكة كرمها الله، في دار الشيخ الجيلاني التي كان ينزل فيها الخلفاء بعده، ويبدو أنه اثناء هذا اللقاء ولحظات الأُنس والتعارف جرى بينهما الحديث في أحوال كثيرة ومن بينها أحوال المملكة السنارية، وطلب ابن عبد الجليل من الشيخ البهاري التكرم بزيارة بلاده، لأنه لمح من الحديث معه أن الناس في حاجةٍ إلى مثل هذا الشيخ، وقد توافقت الدعوة مع ما كان يعتمل في صدر الشيخ تـاج الدين من إمور مرتبطة بمسائل روحية تجاه المملكة السنارية، التي كانت تمر يومها باحوال جديدة في نظام وطبيعة الحكم، وهو أمر شغل بال الكثيرين من رجال الدين في العالم الإسلامي، وكلٌ يرغب بالإسهام في بناء تلك المملكة، وكان الشيخ تاج الدين ممن قيض لهذا الأمر.
ويذكر ود ضيف الله قول البهاري أنه قدم البلاد (بإذن رسول الله() والشيخ عبد القادر الجيلاني)، وأن ذلك في (أول النصف الثاني من القرن العاشر الهجري) وقيل انه بين 957- 975 هـ.
فصحب الحاج داوود في رحلته إلى قريته (وادي شعير(1)) سرعان ما ألفه الناس لما علموا أنه خليفة الشيخ عبد القادر الجيلاني.
دخل البهاري البلاد على قدرٍ وصدره يجيش بإصلاحات عظيمة، يريد الإسهام بها في واقع مملكة جديدة، وهي أشد ما تكون حاجةً إلى إسهام العلماء، وبعد أيام من التعرف، دعاه الحال إلى التفكير في التبشير بالطريقة لتقديره للعامل الزمني.
فرأى هناك قرى نائية وأحياء مشتتة أنّى له بالمطاف على كل هذه القرى، فأختصر الأمر على المعرفة بكبار رجال القبائل العربية، والصلة بملوك وشيوخ القصر السناري، وقد رأى هذا التواصل من الإمور المهمة في تيسير نشر الطريقة.
وكانت البداية المسار بقرى وسط وشرق الجزيرة، ينزل حيث يشير إليه صاحبه أبن عبد الجليل، وقد نألت قرية (العك*) حظاًً وافراًً لأرتبطه بها أسرياًً، ثم أرتحلت قافلته في مسيرها مقيلاًً ومبيتاًً في القرى والأحياء، حتى ناخت الرواحل أمام دار ود التويم شيخ الشكرية، وهي من المنازل التي قصدها الحاج داوود لمكانة ود التويم وتجمع الناس فيها. وقد أصبح شيخ قبيلة الشكرية بعد، من تلاميذ بيعة اربجي الشهيرة.
وكان الشيخ البهاري مع ما كان يتحدث مع الملوك والشيوخ في الأحوال المختلفة. وقد استفدوا كتيراًُ من علومه ومعارفه، وهذا ما جعله يخص القصر ببعض وقته، وقد يسر له هذا التجاوب أن ينشر طريقته بين الشيوخ والأمراء ورجال القبائل.
ويبدو ما كان من الشيخ البهاري من رؤى جديدة، جعلت العلاقة بين مشايخ التصوف وبين المملكة السنارية علاقة حميدة يجَلُها الإحترام المتبادل، ونأخذ لهذا ملمحاًً (أن الملك بادي ولد رباط أرسل إلى الشيخ حسن وقال له: تعال أعزم لي ناصر أخوي ماسكاه أم غزالة، فذهب الشيخ حسن ود حسونة، وشفى الله على يده أخا الملك وبعد تمام الشفاء، قال الشيخ للملك بادي: ناصر قعدناه للفقراء يبقى خشم حوش يقضي لهم حوائجهم)(1).
هذه المقولة إشـارة إلى ما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الرؤساء والشيوخ من احترام، وفقاًً لمنهج الشيخ البهاري. فقد صاغ مفهوم طريقته بأن جعل من رجل الدولة عجيب المانجلك شيخاًً من شيوخ الطريقة. ومع أحوال السلطة فقد احتفظ بِأمرين عظمين:
مشيخة السلطة.
البساطة في المشيخة الصوفية.
فقد كانت قوة الرجل الذاتية لم تجعل أحوال سلطة الدولة والمشيخة الصوفية تختلط عليه، بل جعل بين الأمرين برزخاًً فاصلاًً.
والشيخ بانقا الضرير أنحدر من ابهت القصور وزهد في متاعها واتخذ في غابة الحُُمر كوخاًً من البوص لا تحيط به إلا الوحوش وكثرة الثعابين.
تتابع الحديث عن الطريقة القادرية في البلاد يوقفنا على شخصية فذة تكتنف بين جنبيها المعرفة العلمية والصوفية، وإن شئت قل إلى جانب ذلك ذو مراسٍ بالسياسة والإدارة الحكيمة، تجلى ذلك في أعماله وحركته وسط القطاعات الشعبية المختلفة، من أمراء وعلماء وزعماء قبائل، استطاع بحمكته ووفرة العقل وثقوب الفكر، أن يؤسس في وقت قليل طريقة كبرى، موازية للمملكة السنارية اتساعاًً، بل تجاوزتها انتشاراًً إلى جبال تقلى.
والدارس لحركة البهاري التأسيسية يرى له أسلوباًً جديداًً في إختياره للشخصيات التي يريد تسليكها، وأوضح هذا تجواله الواسع وسط الجزيرة وشرقها، مع التفاف الناس حوله إلا أنه لم يفتح باباً للتسليك، ويبدو أنه أراد بذلك أن تتم له المعرف بالرجال الذين يبحث عنهم، وهو لا يريد من السلوك كثرة إلتفاف الناس حوله، بل يبحث عن شخصياتٍ بعينها يُحملها المسؤلية في بلاد خلت من الوثنية عن قرب، وهذا يجعله يختزن في مدركته كثير من الأفكار التي تدور في خلده، وهو كما ذكر جاء البلاد لنشر هذه الطريقة فقط، وقد سبقه في هذا الميدان رجالاًً امتدت بهم الطريقة من العراق إلى الهند واليمن والصومال والحبشة وبرنو، هذا الميدان الذي سُبق فيه جعله ينظر الى الإمور بروية وحكمة، ويبدو أن أحوال الطريقة قد كانت أمامه وأضحة، لابد ان يولي أمرها رجالاًً من البلاد نفسها، وهو رجل صاحب دعوة وبلاغ، عليه أن يؤدي الأمانات إلى أهلها.
بلا ريب إن الصنف الذي كان يبحث عنه فهو صنف قليل بمعاييره العلمية والسلوكية، وقد كانت الإشارة منه بعد الأختبار والتمحيص إلى محمد ود عبدالصادق وبانقا الضرير قالنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةالولدان يحييان البلد)(1).
دخل الشيخ البهاري بلداًً لم يطل تخلصه وقتئذٍ من القبضة الوثنية والمسيحية معاًً، وهو يتحدث في هذا مع ملوك وشيوخ المملكة في رحلاته المتكررة إلى سنار، وكذلك يتحدث في هذا مع تلاميذ الطريقة، ويرجوا منهم أن يكونوا عيناً ساهرة في ما يحدث ويشدوا الأحزمة في ميدان الدعوة والتبشير.
النظرة في شخص الشيخ البهاري، إنه صاحب رسالة كحال العلماء الذين دخلوا البلاد، وعليه أن يودي الدور الذي جاء من اجله، فهو تسليك وتربية التلاميذ الذين يريد أن يحملهم مسؤلية الطريقة دعوةً وتبشيراً. مناحي كثيرة في شخصية البهاري اخذت بألباب الذين تتلمذوا عليه وكذلك اخذت بألباب الملوك والأمراء.
كل هذا قد كان وبين دفتي النفس البهارية ذاتاًً تتجوهر بالصدق والامانة، وتعلوا أن تشاب بشيءٍ من حطام الملوك، لهذا الشموخ الأبي أحبه الناس، وعله تجربته الصوفية قد هدته إلى ديدن سلوك تنتفع به أهل الطريقة، بحيث لا تكون خدمة الدين والدعوة إلى الله باباً إلى الثراء. وبخاصة الذين يولون أمر الناس، من رؤساء ووزراء عليهم النظر ﮋﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﮊ[الأحقاف:٢٠]. الشيخ البهاري مع وجوده وسط رجال العشائر وقصر المملكة، إلا أنه رحل من البلاد صفر اليدين كما دخل، فأعتبروا ياؤلي الألباب، تلك النفوس الأبية نفوسُ العلماء العاملين الذين تَجلّهم الحياة لتجردهم.
التخـطـيط لبيعـة أربجي:
يبدو أن مسار الرحلة الطويلة التي دام تنقلها وقتاًً طويلاًً وسط القرى كان له ثمره حيث تعرف الشيخ البهاري على كثير من رجال القبائل الذين يُعتبرون حكام حقيقيون تنقاد لهم الناس وهذا بلا ريب اختصر له الوقت ووفر له الزمن.
فقد ساعدت هذه الرحلات في خلق علاقات اجتماعية واسعة، ووأيضاًً بما كان له من ومؤهلات علمية وفكرية وروحية عالية جعلت العلاقة بينه وبين الديوان الملكي السناري، وفي الخطوات تالية عمل على وضع لبنة أولى في بنائه للطريقة بالبلاد. فقد كان على موعد مع الرحيلمن حيث أتاء، إذ لا بد من البحث عن رجال يعتمد عليهم، ويتمثل هؤلاء في القيادات القبلية والعشائرية اللتى التقى بها.
وإذا كان الأمر كذلك فهذا التحليل سيجعلنا نفهم كيف أن الوضع كان يتطلب أن يختار من هـؤلاء السادة خلاصتهم وزبدتهم ليضعها في مكان القيادة. ولم يعتمد في هذا على الفراسة وحدها، فكان لابد أن يبين مبرراته للأمة التي طلب منها الانقياد لهم فيما بعـد، ولذلك فقد خطط الشيخ البهاري لإجراء بيعة جماعية تكون واسعة الصدى، يعقد فيها امتحاناًً تتواتر أخباره، قوة وصلابة بإيمان الذين يجتازونه حتى يتبعهم الناس عن اقتناع بتميزهم عنهم.
في دار الهنـدي:
في هذه الدار كانت البيعة وكان الامتحان الصعب الذي لم يجتاز صعوبته إلا خمسة من الرجال هم :
محمد ود عبد الصادق.
بان النقا الضرير.
الشيخ عجيب المانجلك.
الشيخ شاع الدين ود التويم.
حجازي بن معين
ووضعت التراتيب لأمر الدعوة بدار الهندي، وما كان فيها من حسن ضيافة ورحابنة استقبال للوافدين، ومن ملاحظة في أمر الدعوة أن ما تم فيها لم يكون أمر عفوياًً. فقد كانت باتقان واسلوب رفيع راعى أحوال كل الوافدين.
ويبدو أن أمر البيعة وما فيها من جديد أوجب تحضير غرفة خاصة للتسليك، والأمر فيه على غير ما جرت به العادة، فقد وضع الشيخ البهاري لتسليك والبيعة معاير خاصة لا يريد أن يعطي البيعة لكل أحد إلا من إجتاز عقبة الإمتحان.
فقد كان يطل من غرفة السلوك التي أدخل بجوارها عدداًً من الخراف ليذبح منها عند تسليك كل مريد خفية، فكان ينادي في الناس: "أُسلك وأَرشد وأَذبح ويمـوت التلميذ على الإيمان"، فقد أخافت عبارة الذبح الناس وشدهت لها الأفكار وأتستصعبوا أمر الذبح، كيف يكون ذلك؟.
فجبن الناس بالنفس فقـدِم محمد ود عبد الصادق وهو شاب لم يتجاوز الثمانية عشر إلا قليلاًً، وتوضأ وصلى ركعتين فدخل عليه وسلكه الطريق وذبح أحد الكباش فسال الدم وظن الناس أنه ذبحه فأدهِش الجمع وارتبكت الأفكار فضجوا (ضبحو ضبحو)(1).
ولم يزل الشيخ يردد عبارته: (لا حسد ولا بخل، اسلك واذبح ويموت التلميذ على الإيمان)، وكان بعد، الأمير السناري بانقا الضرير، فلما سمع الضرير نداء الشيخ البغدادي تقدم بوثوق، وهنا تتجلى صفات التضحية في الأمير السناري فتوضأ وصلى ركعتين وقال: أنا ( توراًً كمل كراه اخترت لقاء ربي)، فدخل وسَلَكَ وذُبح خروفاًً فسال الدم فصاح الناس أيضاًً ضبحو ضبحو.
يُروى أن الشيخ عجيب بعد دخول بانقا غرفة التسليك وضجيج الناس، مع علمه بصاحبه البهاري الإ أن الضجيج رتب عليه أن يكشف لهم حقيقة الأمر التي تُهدء من أحوالهم، وقد كانت عند الشيخ عجيب مقدمة عقلية تُبعد عن ذهنه تصور الذبح، أن يصدر عن رجل عرف أنه رجل علم وفكر يمتاز برؤى روحية مشرقة.
ويبدو أن اطروحات فكرية في معارف التصوف وأشياء من هموم المملكة الإسلامية الحديثة، جري الحديث في توطيدها بين الشيخ البهاري ورجل المملكة الشيخ عجيب المانجلك، لتكون كلاً من المملكة والطريقة مكملاً للآخر في تكاملهما حفظاًً للإسلام في أرض انتزعت حديثاًً من براثن المسيحية والوثنية، ويرى البهاري أن التمكين هو التلاقي بين الملوك وشيوخ الطريقة بروح يجلها الإحترام.
بلا ريب أن صور الحوار التقريبي بين البهاري ورجال المملكة، وثق العلاقة بين الطرفين، وكان منهم إرسال بانقا الضرير إلى (قََريِِ) ليحضر الشيخ عجيب أمر هذه البيعة، فلم يكن حضوره إلى أربجي صدفة كما جرى الحديث في رواية القصة في طبقات ود ضيف الله، وتكتمل قصة ملحمة الذبح بدخول شيخ المملكة غرفة التسليك سواء كان هو الرجل الثالث وهذا الأكيد أو كان الخامس بعد شاع الدين ود التويم أو حجازي بن معين وبه ختم التسليك، فدخل فرأي صاحبيه ود عبد الصادق و(عكاز الملك) الضرير كما يظن ويعتقد، فجلس إلى جنبيهما وطلب من الشيخ البهاري التسليك وكان من الخمسة الذين أخذوا بيعة الذبح. وانفتح أمر التسليك بعد يومها العصيب، فسلك علي البهاري أربعين رجلاًً.
تُؤرِخ لحظات أربجي حدثاًً عظيماًً في تاريخية الطريقة القادرية في السودان، وقدر لها أن تُوسم بهذا الحـدث لتكون معلماًً في أول حلقة من سلسلة الحياة السودانية، وكان التقدير والتبجيل لرجال ذلك الحـدث الذين ضحوا بالروح والدم حقيقةً لا شعاراًً. فكانت حقيقة الإيمان الكامنة في النفوس المؤمنة حقاًً، هي التي نشرت الطريقة القادرية في السودان بالذبح والموت على الإيمان.
هذه البيعة الجماعية بهذا المفهوم قد تمت بتدبير عقلية حكيمة وبصيرة نافذة وصفاء روحي، وهذا الجهد الذي بذل يمكن أن يلتمس في الآتي:
اختيار منطقة أربجي كمنطقة تتوسط جغرافياًً تلك المناطق التي زارها الشيخ البهاري في زيارته الأولى التي تعرف فيها على الكثير من الناس، ثم إختيار دار الشيخ محمد الهنـدي مكاناًً للقاء من حيث أنه من البيوت ذات المكانة الكبيرة بالمملكة.
العمل على راحة الوافدين والتجهيز بما يناسب حالهم، فقد كان المطلوب من هذا لقاء أن يجتمع الأعيان والوجهاء في مكان واحد، وكان لابد له أن يكون حدثاًً تاريخياًً مهماًً في الحياة السودانية. فما جرى تم تناقله بتواتر، وهذا ما كان يرجوه الشيخ البهاري.
فقد كان اختيار الشيخ تاج الدين للبيعة بالذبح، مع ما فيه من حكمة ودراية، إلا أنه كان اختباراًً حقيقياًً يبين صدق المريد وتحمله، وان من يجتاز اختباراًً كهذا لن يشك الناس في صدقه، وهو ما كان يرمي إليه الشيخ تاج الدين، لأنه أتى البلاد من أجل رجال يحملهم مسؤلية الطريقة، والذبح كاختبار غريب في نوعه عن الأهالي، كان أيضاًً سبباًً لإنتشار الأمر بين الناس.
بهذا قد تحققت الغاية التي أشرنا إليها، وقد جعلتنا حتى زماننا هذا تاريخياًً نعلم أخبار ذلك اللقاء وأولئك الرجال، رغم الدهور التي ضربت بيننا وبينهم وعدم وجود وسائل التوثيق في ذلك الزمن، ولكن الشيخ البهاري كانت وسيلته التي الهمه الله اياها، هي ذاكرة المجتمع التي نقلت ذلك الحدث بتواتر.
وبعد حدث الذبح الكبير الذي تناقله الناس فكانت وسائل أخر لنشر وهي بيوت القصائد والأشعار التي ترنم بها المادحون من ابناء الطريقة فجددت وجوه التاريخ لهذه الملحمة العظيمة.
ولقد أورد الشيخ عبد الباقي المكاشفي في قصيدة ذكر فيها رجال السلسلة القادرية مربعاًً شعرياًً يقول:
البهـاري بهــر بنور الكون جاب بالذبح طريق الصون
وقال الشيخ الكنجي بن إبراهيم ود أحمد في إحدى قصائده:
نـحــن شــبــابــنــا ربـحــو جـنـيـن جـــاهـــــم مــعــنى تــاج الــــدين
شـــبـــابــنــــا شـــــبــابـــــاً زيـــن مـــــدو رقـــــابــــهـــــم بـيـقـيــن
نـــحــــن شــبـــابــنــا جــابو الربح مـــــدو رقـــــابــــهـــــم للــذبـــح
صــــارو يـــكـــتـــبــو ويــمــحـــو وكـل الـــخـالـفـــوهــــم قــمـحـــو
والحمدي الشاعر قال:
بذبح الرقاب من شيخـنا تاج الديـــــن
يا راغب الطريق هذا مسلك الواردين
هذا طريق الكمَّل الجيـدين جـابوا
هانوها النفس ختوها تحت الطين



وقد وثق شعراء الطريقة هذا الحدث في قصائد كثيرة حفظت لنا تاريخية تلك الساعات.

البهـاري أفكار ورؤى روحية :
عنوان هذه اللوحة أفكار ورؤى، وهو للتعرف على ما يسطر فيها عن حياة رجل دخل البلاد على قدرٍ، يحمل بين اضلاعه هموم اصلاحات كبيرة، يريد بثها بين الناس، وفي مقدمة تلك الهموم التبشير بطريقة يحمل مكنونها طريق الذين هدى الله، وليس شيء يقدم في الحياة اعظم من هذه القيم.
وكانت حركته انطلاقاً من وادي شعير كادت تغطي معظم أرض المملكة نشراً وتبشيراً بمنهج طريقته، التي قدر لها النجاح في واقع الحياة السودانية، بالأُسس والخطط التي قدر، ومع ما كان يطرقه بحثاًً وتفرساًً عن نوعية الرجال التي تصلح لتحمل المسئولية، إلا أن عامل تجربة الذبح الفريدة استخلصت له قلة، فكان عليها مدار الأمر في مستقبل الحياة، وإلى جانب الإختيار الذي ركز عليه الشيخ البهاري إلا أنه لم يغفل جانب الدولة، فقد جعل من الملوك أصدقاء بزياراته، ويبدو من هذا أنه كان شخصية جاذبة ومؤثرة بما لها من علم وفير وملتمسات روحية بمجريات الحياة، فقد استطاع بحنكته وإقناعاته الروحية والعقلية أن يجعل من الشيخ عجيب المانجلك رجل الدولة والشخصية القوية في المملكة أحـد شيوخ الطريقة وكذلك بانقا الضرير الذي كان أميراًً ديوانياًً مقرباًً بين أخوته الملوك ينحدر من دهاليز القصر السناري ملبياًً دعوة البهاري، من النعيم إلى حياة الفقراء والزهـد، والشيخ مع استجابة ملوك القصر وتطويعها للطريقة إلا انه فرض أمراً له واقعيته، وهو أن يكون التلاميذ شيوخاً لا ملوكاً، ورأى هو الأنفع في الآماد البعيدة، وكان لهذا نفاذه البصائري، يحاول الشيخ البهاري بما يفعل أن يجمع لطريقته كل الخطط التي تهيئ لها سلامـة السير والبقاء في الحياة السودانية، وإلى جانب ما ألمَّ من خطوط إلا أن أمراً يعد المرتكز الأساسي للطريقة وهو العلم، وهو بلا ريب معطي الآداب الحقيقية عقائدياً وسلوكياً وهذا ما جعله يدعو الشيخ عبد الله العركي إلى السلوك من لحظات أربجي، يبدو انه لمـح فيه نموذج العالم الرباني الذي يمكن أن تنشأ على يده مستقبلاً مدرسة علم على نمط مدرسة الجيلاني في بغداد، وهو ملمح لم يكن بعيـداًً من مخيلة الشيخ البهاري، وهو يستعرض أطيافاًً من الأفكار تساعد في دفع حركة إصلاحية. وكذلك يستعرض أمـوراًً بالغة الدقة، وهو يرى ألاّ يتخلف التفكير الديني عن دور تأمين البلاد من المخاطر التي قد يثيرها الأعداء.
وما حدث بالفعل أن تلاميذه الذين آلت اليهم مقاليد مشيخة الطريقة كانوا رواد حركة فاعلة أسست المساجد وخلاوى القرآن والتكايا والمدارس العلمية، وانتظمت بهم الحركة الإرشادية التي لم تعهد البلاد لها وجوداًً قبلاًً، ولم يقتصر دور التلاميذ على العمل التربوي وسط المسلمين، بل امتد الأمر تبشيراًً إلى القبائل الوثنية دعوةً ونشراًً، وقد كانت رحلة الشيخ البهاري إلى جبال تقلى ( 975-982هـ-1510-1517م) سلك عليه عبد الله الجمال جد الشيخ حمد ود الترابي وبعض التقليين، وقد أدى هذا الدور الصوفي الصاعد أن يكون التلاميذ التقليين فيما بعد أعمدة لقيام مملكة إسلامية كبيرة، وكان أول ملوكها "جِيلي أبو جريدة محمد الجِيلي" حيث صارت كلمة (جلي) بكسر الجيم لقباً موروثاً لملوك تقلى، ولعل "جلي" بالكسر يعني "الجيلي"بعد حذف الألف واللام والياء الأولى بعد الجيم يثقل على الاعاجم نطقاً ، فصار الاسم (جلي).
ولعل الشيخ البهاري اثناء وجوده في تقلي وضع مع تلاميذه خطة لقيام دولة إسلامية نظير المملكة السنارية، ومن نظرة لتأثيراته في تلك الممالك نجزم بذلك.
بهذا الأسلوب والعمل المتقن كانت القادرية في الحياة السودانية، وقد أعانه الله بما وضع من أسس سليمة على نقل شعب برمته الى المسار القادري الذي سارت عليه البلاد خمسة قرون بلا توقف، ولا تزال تتجدد في الأرضية الشعبية، فكلما أفرزت قطاعات شعبية بواقع فكر وثقافة جديدة في الحياة تُحدث القادرية تأثيراً جديداً وذلك لما للشيوخ من أثر روحي، ظل له الخلود في عمق الحياة السودانية، ونعني أن الأحفاد قد توارثوا عن الأجداد والآباء آداب المدرسة القادرية.
والنفس بما لها من تطبيع بحياة الآباء والأجداد، فإنها تحن أبداً إلى ذلك المنحى مهما كان للتأثيرات الحياتية الطارئة من فعل غريب، فإن عامل الوراثة يظل متعمقاً في النفس ينازعها إلى منحى الآباء، وهذه العوامل وغيرها مكنت القادرية أن تبقى تعاليمها متجذرة في النفوس على مرّ القرون.
نُظم ووسائل:
لعل الإستعراض لنشاط الشيخ البهاري رحمه الله لاسيما الأخير منه يدعو إلى النظر فيما أدخل معه من أشكال ووسائل تنظم حركة الطريقة في مسارها اليومي، وأظهرت تلك النظم الدور المنظم للأحوال بين الشيخ والمريدين، وإن شئت قل بين الراعي والرعية، وحلقة وسيطة لا نريد أن يُنسى دورها وهي وظيفة (المُقدم) نيابة عن الشيوخ في بعض المسئوليات الإدارية أو التربوية، ويرى الإمرة أو المشيخة شرط تربط آدابه بين الطرفين، وهي البيعة الصوفية التي تعني إلتزاماً بشرعيات الدين وآدابه الروحية، ومن آداب وأذكار في اليوم والليلة. وما تبع ذلك من الإجـازة في مرتبة المشيخة توظيفاً للإرشاد في الحياة الإجتماعية، وبما كان من آلات تعارفت عليها الهيئات الدينية والسياسية تتبع التوظيف، وعند البهاري من تلك الجُبة أو الكوفية أو الطاقية والككر (أي الكرسي) الذي يجلس عليه المراد تأييده، والرايات أو الأعلام فهذه أشياء في حركة الطريق عُرفت بدخول الشيخ البهاري الذي أدخل طريقته بنظام متكامل لم يُعرف قبله، ويفيد في هذا توثيق ود ضيف الله للشيخ البهاري واستخلافه للشيخ الهميم فقال: (وأداه الأسماء والصفات ومعرفة دخول الخلوات والرياضة)(1). وفي إجازة الشيخ عبد الله العركي لأخيه محمد (أبو إدريس) (لقنتُه كلمة التوحيد والأذكار المأثورة والحزب السيفي وأجزتُه كما أجازني شيخي العجمي وهو عن شيخه البهاري البغدادي).
ويوضح ذلك ما أعطى البهاري لتلميذه محمد الهميم من الأسماء والصفات، وما لقنه عبد الله العركي لأبي إدريس من أذكار مأثورة يبدو إنه ورد الأساس الشائع عند أهل الطريقة ومتفق عليه عند الأعراك والصادقاب هو:
* بسم الله الرحمن الرحيم.
* أستغفر الله العظيم.
* لا إله إلا الله.
* الله الله.
* اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وسلم.
* يا لطيف.
* حسبنا الله ونعم الوكيل.
* حي قيوم.
ويبدو أن هناك أوراد تصحب دخـول الخلوات وقيـام الليل، كالتهليل والإستغفار والصلاة على النبي() بكيفية وترتيب يناسب الإعتكاف.
كـشـوفـات وإلهـامـات:
كان الشيخ تاج الدين رحمه الله ذو اشراقات وإلهامات كثيرة ظهرت لتلاميذه، وقد رأينا ذكر شيء منها مع ما ذكرنا من علمه وحكمته. فمن ذلك قـوله للشيخ الهميم: (يا محمد ولدي سبعة سنين لا دين لا دنيا وبعدها الدين والدنيا) وكذلك قال له: (تسكن أرضاً يقال لها النـادرة، سلوكة ودلوكة، تسوق فيها اليمن والحجاز) يعني أن أهلها أصحاب زراعة يحبون اللهو واللعب و تكون منطقة تجارية يوفد اليها الناس مما ذكر. وقد تحقق ذلك بعد ذهاب الشيخ البهاري تفصيلياً، فقد دخل الشيخ الهميم خلوة إعتكافية بمنطقة (دلوت) امتدت لسبع سنوات، وبعدها فتح الله عليه في أمر الدين فبنى المسجد والخـلاوي وتدفق عليه الناس لطلب الطريق والإرشاد، ووسع عليه في أمر الدنيا. ثم انه سكن (المندرة) التي كانت كما وصفها شيخه البهاري. وقد كان الشيخ البهاري في لحظة سفره من السودان في روحية عالية، وفيوضات إشراقية أحس بها تلاميذه مما جعلهم يطلبون منه أشياء كثيرة، حققها الله بصدقه في مسعاه.
ويروى عنه أيضاً لما رجع إلى بلده ومقر مشيخته حدث خليفته بالحجاز الشيخ حبيب الله العجمي بمجيء الشيخ عبدالله العركي وأوصى له بالمشيخة، وترك له عكازه وكوفيته إشارة لتأييده، ولا تزال هذه الموروثات موجودة بمنطقة أبو حراز مقر السادة العركيين.

وفـاتـه:
كان الشيخ على معرفة بأنه قـدم السودان لنقل أمر الطريقة للتلاميذ الذين يرى أنهم أهل للقيام بخدمتها. فآخى بين الكل ورباهم بالآداب المصفية للنفوس من عوامل الكبر والرياء. وبعد أن أدى الأمانة إلى أهلها سافر إلى الحجاز ولم يُعرف عنه بعد ذلك من خبر لبرزخ البحر الكبير بين السودان والأراضي الحجازية. ولكن لم يكن هناك حاجز روحي، فقد ارتوى الكل من نفح وعرفان الشيخ الواصل تاج الدين البهاري شيخ مشايخ القادرية بالسودان. ولا نعلم بالتحديد متى كانت وفاته، ولكن الشيخ العركي سافر في زمن لا يبعد كثيراً عن سفر الشيخ تاج الدين ليدركه فوجد أنه إنتقل إلى رحمة مولاه الشاملة، وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر الهجري رضي الله عنه، وجزاه الله عن بلادنا خير الجزاء بما وفّى ونشر من آداب وعلوم ثبتت العقائد راسخةً رسوخ الجبال لا تزلزلها عواصف الأهواء والفتن.







المـلامح الشـكلية للـطريقـة القـادرية
أبرزنا في هذا السفر بعضاً من شيوخ الطريقة القادرية في السودان بغرض الكشف عن نشاط الطريقة في مجال الدعوة إلى الله، وما اتخذت لذلك من الوسائل المساعدة لحركتها التي لم تفتر في البلاد منذ خمسمائة عام. وهذا النشاط والحركة المتعاظمة جعلت البعض يتساءل هل لهذه الطريقة شكل تنظيمي محدد الملامح يحركها ويحكم سيرها ووجودها في المجتمع؟ وهل تمثل المصطلحات والأشكال التي في منهج الطريقة القادرية موضعاً لبناء منظم في الهرمية تقوده أفقياً للمجتمع الواسع الذي تمارس فيه دعوتها إلى مركز واحد؟.
من التتبع التاريخي لنشاط الطريقة القادرية في السودان لا يجد المرء ما يمكن أن يكون نظاماً ترتبط به الطريقة باعتبارها فرعاً لمركز سواء بداخل السودان أو خارجه. فكل وحدة عضوية للطريقة في أي مكان هي أصل للرؤى التفصيلية الخاصة بشيخها، مع الحفاظ على الإطار العام للطريقة. هذا ما أراده لها شيخنا الأكبر الإمـام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، وهو ما جرى عليه المنوال. ولكن هذا الإنسياب الحر في حركة الطريقة لم يفتت من قوامها بل لم يمنعها من إتخاذ الأشكال والمسميات التي نلتمس منها ما يمكن أن نطلق عليه (مركزية روحيـة).
الأشـكال والمسميات:
يمكن تقسيم الوسائل التي تعارف عليها أهـل الطريقـة في السودان إلى قسمين أساسيين:
القسم الأول: المسميات ذات الطابع العام، وهي التي يشترك فيها جميع أهـل الطريق الصوفي على اختلاف مشاربهم. وهذه غالباً ما تكون ذات صلة بوظائف التدرج في الطريق الصوفي عموماً، والطريقة القادرية على وجه الخصوص وأهم هذه المسميات:
الطـريقـة:
هو مصطلح تعارف عليه أهل التصوف، وطريقة الرجل هي منهجه في الحياة، سواءً كان محموداً أم مذموماً. قال(): (من سن سنة حسنة فعمل بها له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها له وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً).
قال الإمام أبو الحسن محمد السندي رحمه الله: سنة حسنة أي طريقة مرضية يُقتدي بها(1) والتمييز بين الحسنة والسيئة بموافقة أصول الشرع وعدمها.
قال صاحب المباحث الأصلية مشيراً إلى الطريقة الصوفية في عمومها(2):

وهـذه طريقة الإشـراقِ كانت وتبقى ما الوجود باقي
واعلم بأن هذه الطريقة بحث عـن التحقيق والحقيقة

القـوم:
مصطلح يعني أهل التصوف في مجموعهم، وقد أطلقوه على أنفسهم استلهاماً من أقواله(): هم القوم لا يشقى جليسهم، من أحب قوماً فهو منهم... الخ وقد وردت كلمة القوم في معظم نصوص الأدب الصوفي السوداني.
قال الشاعر أبو كساوي في مطلع إحدى قصائده:

ســـــاداتي عـــــموم بناديهــــم
بنادي القـوم بناديهــــــــم

وقال الشيخ عبد المحمود نور الدائم(1):
محـبتي في جـميـع الصالحين ومــن يــر ســوى قــولـنـا هــذا لــقــد كــذبا
و من يصحب القوم مع صفو السريرة لم يندم وعـمرك يلقي الخير والرتبا

وقال الشـيخ قريب الله أبو صالح ذاكراً في مدح جده الشيخ الطيب ود البشير(2)

طـيـب الــقـوم أبـو الأعـــــــلام طـــيـّـبــنا مــــــن الآلام
طـيـب الــقـوم تـــداركــنـــــــــا مــن الأوحــال خـلـصـنا

شـيخ الطـريقـة:
شيخ الطريقة هو القيادة الدينية التي تقوم بمهام الإرشاد والتسليك.
المـريـد:
هو التلميذ الذي يأخذ السلوك من أستاذ الطريقة الصوفية، وهي كلمة استقاها القوم من قوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﮊ [الكهف: ٢٨].
المقـدّم:
وهي وظيفة تنظيمية مساعدة للشيخ مما يُسند اليه من إمور.


السـالك:
هو من نال قدراً من الآداب الروحية، وكان ذا اجتهاد في مساره الروحي بالمداومة على الأوراد والأذكار. وهو صاحب حال يترقى من مقام إلى مقام فهو في زيادة. وقد قال الشيخ محمد ود بـدر رحمه الله: السالك من لدغته حية التصوف فأقبل على محبة الشيوخ(1).
الـدرويش:
قيل هو المتعبد الزاهد(2). وهي كلمة تشير إلى غير ما قد يكون في ظاهر الأمر من خروج عن مألوف المجتمع، وإن من الحكم الجليلة ما قاله الشيخ محمد ود بـدر رحمه الله في الدرويش: (حقيقة الدرويش: بالـدال دّين، وبالراء رؤوف، وبالـواو ورع، وبالياء يخاف الله، وبالشين شاكر لله على جميع الأمور). فقد حذر الشيخ ود بدر تلاميذه بأسلوب متميز واصفاً الدرويش المدعي قال: (هو"نعوذ بالله منه" بالدال دجال، وبالراء رقيب، وبالواو وسواس، وبالياء يائس من رحمة الله تعالى، وبالشين شيطان).
وينبغي للمريد والسالك أن يزن نفسه بهذا الميزان ليعلم نفسه في أي الفريقين.
المـجـذوب:
يختلف عن الدرويش فقد يكون الأخير على وعي تام بكل تصرفاته، أما المجذوب فإنه في غيبة مع الله سبحانه وتعالى.
وقد قال القشيري موضحاً حقيقة هذه الغيبية: (هي غيبة القلب عما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه).
وقال الشيخ ود بـدر: المجذوب هو من لدغته حية الحقيقة فأقبل على الله بالكلية.
وقد قسم السهروردي الأمر إلى مجـذوب مجرد وهو من يبادئه الحق بآيات اليقين فيرفع عن قلبه الحجاب فيصبح غائباً عن الخلق، ومجذوب متدارك على وعي بما يفعل ولكنه مأخـوذ بوهج القرب(1)
القسـم الثاني: المسميات ذات الطابع الخاص الذي انفردت به الطريقة القادرية في السودان، فاتخذت من الوسائل ما جعل يبرز شكلاً مميزاً ساعد في استقرار صورتها في الأذهان. وأهم تلك الوسائل والأشكال:
الـكَـكَر:
هو كرسي من الخشب يجلس عليه من يـراد تأييده سواءً أكان شيخاً أم خليفة شيخ. وقد استعمله الشيخ تـاج الدين في تأييده للشيخ بانقا الضرير.
الطـاقـية (الكـوفـية المكاويه):
هي غطاء سميك مصنوع من القماش الأخضر ومحشو بالقطن. ، والكوفية فيما يبدو ان حرفة صنعتها منسوبة إلى الكوفة، وهي شارات يستخدمها بعض رجال التصوف في اجازة من يراد اجازته في مرتبة المشيخه .
الإجـازة الصـوفـية:
يقصد بها إعطاء الإذن في أن يُلقن الشيخ الأذكار وآداب السلوك. وتتدرج مراتب الإجازة الصوفية من الإجازة في المشيخة، تليها النيابة وهي الخلافة عن الشيخ بعد موته.
الإبـريق (الركـوة):
الإبريق أو الركوة هما إناءان عربيان قـديمان يعدان لحمل الماء، وهما يلازمان الشيوخ والفقهاء في حلهم وترحالهم للاستخدام في التطهر والوضوء. وكانت الركوة تصنع من النحاس والإبريق من الفخار، وأخيراً صار يصنع من أنواع الحديد والبلاستيك. وقد وردت كلمة إبريق بالمعنى في قوله تعالى: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﮊ [الواقعة].
قال الصاوي رحمه الله: (الإبريق له عروة يمسك بها المسماة بأذن وله خرطوم).
العكـاز :
وهو عصا تُتخذ من خشب الشجر يقارب طولها المتر والنصف، واعتاد الشيوخ حمل العكاز في حلقالذكر. وأول من حمله في السودان الشيخ عبدالله العركي أتى به من ضمن شارات إجازته بعد أن خلفه الشيخ حبيب الله العجمي. وهو مازال موجوداً في منطقة أبو حراز منذ ما يقارب الخمسمائة عام.
العصـايا:
وهي موروث قديم اعتاد حَمْلها الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. قـال تعالى: ﮋ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮊ [طه].
قال الصاوي رحمه الله: (عصا موسى عليه السلام كانت من آس الجنة نزل بها آدم عليه السلام منها وورثها شعيب، فلما تزوج موسى بنت شعيب عليهما السلام أمـرها أن تعطيه عصاً يدفع بها السباع عن غنمه، وكانت عصي الأنبياء عليهم السلام عنده فوقعت في يدها عصا آدم عليه السلام، فأخذها بعلم شعيب)(1) .
وصفتها عند شيوخ التصوف أنها من خشب الأشجار باستثناء خشب السدر الذي لا يحملون عصاه لورود حديث بشأنه. وطـولها يقل عن المتر قليلاً، وهي ذات رأس محني يشكل مقبضاً، وبعضهم يستخدمها في العلاج والعزيمة والرقية ولهم فيها مآرب أخـرى.
الـدفوف (الطبل و الطار):
الطار أو الدف آلة إيقاعية عربية قديمة وهي عبارة عن إطار خشبي، يجلد بجلد الماعز. والطبل هو أيضاً آلة إيقاعية صغيرة مصنوعة من الخشب المجوف أو النحاس، وهي آلات ذات دلالات اجتماعية متباينة، وذات تأثير عميق في الوجدان، وذلك هو الذي ربط بينها وبين التصوف. وكلمة طبل بتعريفها المحدد (وهي لفظ مذكر) هي التي تختص بها حلقالذكر والمـديح.
النوبـة:
وهي آلة إيقاعية كبيرة تجلد من الجانبين، وقد استخدمت آلة لإعلان لحلقة الذكر الجماعي.
السّبحـة:
هي آلة ابتكرها العرب للعد وتصنع في السودان من نوى اللالوب(1) وتصنع في مناطق أخرى من العالم الإسلامي من الكهرمان وخشب (البَقِسْ) التركي المشهور وأخشاب أخـرى. كما تصنع أحياناً من بعض الحجارة أو البلاستيك أيضاً. وقد يتبادر للذهن سؤال عن السبحة في الوسط الإسلامي، لذلك نتوقف عنده قليلاً: أخرج الإمام أحمد رضي الله عنه في كتاب الزهد ثنا(2)عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد عن يونس بن عبيد عن أمه قالت: رأيت أبا صفية رجل من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم وكان جاراً لنا، فكان يسبح بالحصى. وفي معجم الصحابة للبغوي، وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر بن سليمان عن أبي كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي() أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصا فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به فيسبح حتى يمسي. وأخرج أبو سعيد عن حكيم الديلمي أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يسبح بالحصى، وقال ابن سعد في الطبقات عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنها أنها كانت تسبح بخيط عقود لها.
وعن الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه مرفوعاً: نعم المذكر السبحة. وعن راذان قال أخذت من أم يعفور تسابيح لها، فلما أتيت علياً قال لي: اردد على أم يعفور تسابيحها. وأبو هريرة كان له خيط له ألف عقدة يسبح به اثنتا عشر ألف تسبيحة، كما قال عكرمة.
ثم تولى العمل بها بأشكالها المختلفة في عهد التابعين ومن بعدهم من العلماء وعامة المسلمين، ولم يشذ من هذا إلا نفر لا يعتد به.
ذكر القاضي ابن خلكان في وفيات الأعيان أنه رؤي في يدي أبي القاسم الجنيد محمد رضي الله عنه سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه، قال السيوطي وقد رويت في ذلك حديثاً متسلسلاً هو ما أخبرني به شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبدالله من لفظه، ورأيت في يده سبحة قال أبو العباس أحمد بن أبي المجالس يوسف بن البانياسي بقراءتي عليه ورأيت في يده سبحة قال أنا أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي ورأيت في يده سبحة قال قرأت على شيخنا أبي الثناء ورأيت في يده سبحة قال قرأت على أبي محمد يوسف بن الفرح عبد الرحمن بن على ورأيت في يده سبحة قال أنا أبي ورأيت في يده سبحة قال أنا قرأت على أبي الفضل بن ناصر ورأيت في يده سبحة قال قرأت على أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي ورأيت في يده سبحة قلت له سمعت أبا بكر محمد بن علي السلمي الحداد ورأيت في يده سبحة فقال نعم، رأيت أبا ناصر عبد الوهاب بن المقري ورأيت في يده سبحة قال رأيت أبا الحسن على بن الحسن بن أبي القاسم المترفق الصوفي وفي يده سبحة قال سمعت أبا الحسن المالكي يقول وقد رأيت في يده سبحة فقلت يا أستاذ وأنت إلى الآن مع السبحة فقال كذلك رأيت أستاذي الجنيد وفي يده سبحة فقلت يا أستاذ إلى الآن مع السبحة قال كذلك رأيت أستاذي سرى بن مغلس السقطي وفي يده سبحة فقلت يا أستاذ أنت مع السبحة فقال كذلك كان رأيت أستاذي معروف الكرخي وفي يـده سبحة فسألته عما سألتني عنه فقال كذلك رأيت أستاذي عمر المالكي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه فقال كذلك رأيت أستاذي الحسن البصري وفي يـده سبحة فقلت يا أستاذ مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت الآن مع السبحة فقال لي شيء كنا نستعمله في البدايات ما كنا لنتركه في النهايات. أحب أن أذكر الله بقلبي وفي يدي ولساني(1).
الـراية القادرية:
الراية وهي العلم الذي تتميز بها الطرق الصوفية عن غيرها ولكل طريقة رايتها واللون الذي يميزها. وعلى الراية الصوفية تكتب عبارات أهمها (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأسماء الخلفاء الأربعة واسم الشيخ عبد القادر الجيلاني عند اتباع الطريقة القـادرية.
وتاريخ الراية أو العلم كرمز لفصيل اجتماعي معين أمر موغل في القدم، والأمر لا حاجة به إلى التفصيل لأن أي عين تستطيع أن ترى مدى إهتمام الدول بأعلامها، كرمز متفرد يدل على إستقلالها وسيادتها ولا تسمح بتعريضه للإهانة من جماعات أو دولة، وهو شعار محترم سياسياً واجتماعياً وهذا يجعلنا نتحدث عن تاريخ الراية المرتبط بالإسلام وهذا يقود إلى البحث في عصر الإسلام الأول، وفي غزوة أحد دفع اللواء وهو الـراية إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه وبعد استشهاده حملها على بن أبي طالب.
وعند فتح مكة كان يحمل اللـواء سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال اليوم يـوم الملحمة، فشكا أبو سفيان مما سمع من سعد إلى النبي() فنزع منه اللواء ودفعه إلى ابنه قيس وفي رواية أنه لما نزع الراية دفعها إلى الزبير(1)
وفي غزوة مؤتة قال ابن اسحق: قاتل زيد بن حارثة براية رسول الله() حتى شاط في رماح القوم، فلما استشهد أخذها جعفر، فلما استشهد أخذها عبد الله بن أبي رواحه، وبعد استشهاده أخذ الراية ثابت بن أرقم، فلما ولي خالد أخذ الراية ودافع القوم. وفي غزوة خيبر دفع النبي() الراية إلى علي بن أبي طالب وكانت بيضاء. وفي فتح مكة مرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان يا عباس من هذه، والشاهد في هذه الروايات(2) هو استخدام الراية على عهد النبي() والمعاني التي استخدمت لها. ومن هذا كان اهتمام الشيوخ الصوفيين بالراية كرمز لطرقهم، وأخيراً لكل من الطرق الكبيرة الأم لوناً تتميز به، فكان للقادرية لون رايتها الأخضر الذي كثيراً ما يرد ذكره في قصائد القوم.
قال أبو كساوي:

الجيلي الخضرا رايتو الجيلي الكبرى ولايتو
الجيلي السابقة عنايتو الكل الناس في رعايتو


الجُـبة المـرقوعـة:
الجبة المرقعة عند أهل الطريق فعل اختياري، لا ينظر لصاحبها نظرة ذات مغزى، وقد يؤمر بها المريد لأمر تربوي معين. وعموماً فيمكن أن نقرأ قول السرالسقطي في المباحث الأصلية(1):
إلا لأوصاف وسوف تـــأتي
ومــــنعــها للــبرد ثم الحـــر
قل طمـــع الطامعـــين فـيها
والصبر ثم الاقتــداء بـعــمر
فهي إذن أقــرب للتواضـــع والقوم ما اختاروا المرقعــات
أولها فــيها اطــراح الكــــبر
وخــفـــة التكــليف ثم فــيــها
وذلة النفس وتطويل العـمـــر
إلا ترى لابســها كالخـاشـع

وقد بين الشيخ ابن عجيبة في شرحه للقصيدة وجوهاً عشرة لاختيار الجبة المرقعة يمكن الرجوع اليها في كتابه إيقاظ الهمم.
المسـيـد:
لعل كلمة مسيد تعني مسجد بإبدال الجيم ياء وقد ورد في بعض لغات العرب إبـدال الجيم ياء وهو لفظ عربي مسموع ،قالت أم هيثم
فأبعدكن الله من شيرات
إذا لم يكن ظل ولا جـــنى
تعني شجرات
والمسيد هو بقعة للعباده تضم ساحته منافع مختلفه مسجد الصلاة وخلوة القرآن والتكية وهي عباره عن مكان لخدمات الاكل والشرب وهو اسم شائع عند رجال التصوف.



شيرات: تعني شجرات.

الـزاويـة:
وهو اسم لدور العبادة والأمكنة التي يجتمع فيها الناس لهذا الغرض. وهو من المسميات الصوفية القديمة التي دخلت السودان من قبل مملكة الفونج. وعرفت كدور علم وعبادة يأوي اليها الغرباء.
ومن أشهر الزوايا في عهد الفونج زاوية عماره بن عبد الحفيظ في سنار وقد وصفها الفقيه محمد بن عويضة بقوله (قدمت زاوية عماره فوجدت الخيل والبغال والحمير متحاوشاها وفي بابها نعلات الصرموجة والفونجاوية والعربيـة، ودخلت فيها الناس حلقات، ناس يتحدثوا بتجارة الحجاز وناس بالغرب وناساً بحوش الملك وهو بينهم شايل سبحته يسبح، فإذا قاموا شرع في التدريس يقرأ اثنا عشر مجلساً)(1) فكان هذا وصفاً لحال الـزوايا وما كان يقوم به أصحابها المتصوفة من مختلف وجوه الأنشطة.
الـتكـيّة:
يقصد بها مكان الأكل والشرب للطلاب والضيوف، وقيل: إنها من أصل تركي.
قـدح الحـراز وقدح الدبكر:
وهو إناء يصنع من جذوع الأشجار الكبيرة في غرب السودان من أشجار الحراز، و كلمة الدبكر يبدو انها من مصطلحات الفونج او انه احدث في زمن سلطنة علي ديناريقدم فيه الاكل للخاصة من الضيوف، وكان يوجد في مساجد المتصوفة.
نـار الجيلي:
لقد شاع عندنا في السودان على لسان المتصوفة القادرية لفظ (نـار الجيلي). وهي عندهم الأساس الذي تقوم عليه المشيخة الصوفية. ويقصد بهذا المصطلح: المجموع الذي يتكون من نار القرآن وتكيّة الأكل والشرب. وقد شاعت هذه الكلمة على لسان الشيخ خوجلي أبو الجاز رحمه الله: (أول من أوقد نار الشيخ عبدالقادر الجيلاني الشيخ إدريس ود الأرباب)(1). يعني في السودان. وقال في مرة أخرى: نـار الشيخ عبدالقادر الجيلاني بعد الشيخ إدريس عند الشيخ بدوي. وقال الشيخ ود بـدر رحمه الله: سألت الله ألا يخرج أثر الجيلي ونار القرآن من بيتي إلى آخر الزمان). ولا يزال أهل الطريق يحرصون على إيقاد نار الجيلي والمحافظة على هذا المصطلح.
قال الشاعر الكنجي:
نار الجيلي ديك موقودة عند ناس ود بدر موجودة
من يوم هم بوقــــــــوده جاهو الخدر وسلمو عوده

أمـانـة الجـيلي:
الأمانة هي ما كان ملكاً مستودعاً عند الغير بغية الحفظ، ولا يجوز التصرف فيه إلا بإذن صاحبه. وقـد وردت كلمة الأمانة في القرآن الكريم حيث قال تعالىﮋ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﮊ [الأحزاب: ٧٢ ]. وورودها في هذه الآية الكريمة وإن كان المدلول غير ما نحن بصدده، إلا أنه يستفاد منه أن الدين وشرائعه أمانة عند المسلم، لانطباق شروط تعريف الأمـانة عليها وهذا المفهوم نود أن نقيس عليه المعنى الوارد عند أهل الطريقة وهو (أمانة الجيلي). وقد يوجد بين أهل الطريقة من يشير إلى أنها جرم مادي يدفن في الأرض، ولكن ننظر إلى ثلاث قـضـايا:
* أولاً: مفهوم (أمانة الجيلي) باعتباره إرثاً للشيخ عبد القادر الجيلاني لا يخرج عن الإطار العام لمدرسته، ولذلك فهو لا يبعد عن مفهوم القيام بأمر الدين في النفس والمجتمع.
* ثانياً: ولعل هذا هو الأمر المعاش بين شيوخ الطريقة، وهو أن (أمانة الجيلي) معنى من معاني الروح والنفث الرباني.
* ثالثاً: المعلوم أن أهل الطريق يتحدثون في علوم الحقيقة بالإشارات واللغة الرمزية، وهذا ما يجعل البعض منهم يعطي للمعاني أشكالاً مادية.
هذه الثلاث تجعلنا ندرك أن الأمانة إرث روحي يجعله الله يتداول بين كبار أولي العلم لخدمة الدين وحركته في واقع الحياة، لنقل الناس من ثقل المادة وأوحال ركامها ليقفوا بشفافية على أعتاب الغيب.
يسمى صاحب الأمـانة بالوارث المحمدي أو صاحب الوقت أو المجدد، فهو معتصم بالله في حركاته وسكناته، زاهـد، تقي، نقي، مجاهد، مجتهد، دائب الحركة لا يفتر عن الذكر ونفع الناس. مميز بالرأفة والرحمة لتخلقه بخلق النبـوة.
وقد يدور في الأذهان سؤال عن كيفية انتقال هذا (الإرث الروحي) إلى (الأبناء الروحيين). إنها مسألة تثقل على الكثيرين، ويعسر هضمها على من كان من غير أهل الطريق الصوفي. إلا أن الآيات القرآنية تساعد في نقل هذا الإرث.
قال تعالى: ﮋ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﮊ [الكهف: ٨٢]. المعني خبأ الله تعالى الكنز المشار اليه تحت الجدار، سواءً كان حجارة كريمة، ذهب أو فضة أو جواهر أو أنه شئ معنوي روحي، وقد رمز اليه بما هو عادة ينبه الأذهان ويشد النفوس، وقد حفظه الله سبحانه وتعالى قروناً من الزمن متوارياً في الأرض وذلك لصلاح أبيهما، سواءً كان الأب القريب أو الأب البعيد الجد العاشر على أقوال المفسرين. وتعمق الآية معنىً مهماً في إظهاره وتوريثه وهى وشيجة الإيمان المغروسة في الأبناء، فقد ارتفعت بالأبناء إلحاقاً لهم بالمعاني العلية، والإيمان سبب قوى في التوريث الروحي وموجباته، وفى هذه الآية وغيرها إشارة قوية بجواز انتقال الإرث الروحي من الأصول إلى الفروع، كما تورث الماديات، كذلك تورث المعنويات الروحية ﮋ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﮊ [النمل :16]
من المعلوم ضرورة إن النبوة لا تورث ولكن الذي يورث معاني روحية قيمة من معنويات الإيمان ﮋ وَالَّذِينَ ءامَنُوا وَأتبَعّناْهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم ﮊ [الطور:19](رواية الدوري). والأمر في الكنز ومعناه التأويل القريب لفهمه أنه موروث روحي عبر عنه الوحي بلفظ الكنز المادي لنفاسته وقرب مفهومه من الأذهان، وقد نقله الله إلى اليتيمين ليعينهما ببركته على أمر الدين والنهوض بواجباته ويعينهما أيضاً على نوائب الحياة ومستعصيات الحلول، كل المعاني تشير إلى أن الكنز أمرٌ روحيٌ أريد به تحقيق دفعات إيمانية في نفوس الغلامين، لأن الشيء المادي قد يُحظى به الطالح ويحرم منه الصالح وقد أخفى الله الكنز ذا المضمون الروحي بجريان السنة الإلهية في الحياة أن يُخفي العلم بموت العلماء ومن يستحقون إرثه، فباطن الأرض أولى بإخفاء المثاقيل الكريمة، من أن تعبث بها أيد فاجرة.
والتوريث الروحي تشير اليه الآية (248) من سورة البقرة بوضوح أكثر حيث قال تعالى: ﮋ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮊ [لبقرة: ٢٤٨].
قال الصاوي رحمه الله: التابوت كان عند آدم وفيه صور الأنبياء جميعهم، وفيه صورة محمّد() وبنيه وأصحابه وقيامه يصلي بهم، ثم توارثته ذرية آدم إلى أن وصل لموسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة والألواح التي تكسرت. ثم أخذه بنو إسرائيل بعد موسى وكانوا إذا خرجوا للقتال يقدمونه بين أيديهم وكانت الملائكة تحمله فوق رؤوس المقاتلين.
وقال الجـلال المحلي رحمه الله عن بعض محتوياته: هي نعلا موسى وعصاه وعمامة هارون، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم ورضاض الألواح(1)، وقد كانت السكينة التي تنعم بها هؤلاء الأتباع من بني إسرائيل تستمد من بركة تلك الأشياء التي تخص الأنبياء الطاهرين، إلا أنها نفسها كانت سراً روحياً وليس مادياً توارثه الأتباع عن الأنبياء بحسب درجات اتباعهم.
وما وقع لأتباع أنبياء بني إسرائيل جاز عقلاً وشرعاً حصوله للأولياء المحمـديين كالشيخ الجيلاني وغيره.
كما أن للعلماء نصيب من الإرث لقوله صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء. وهذا الإرث عند العلماء لا يعني مجـرد حمل النصوص ، وإنما صوره كثيرة فالإيمان إرث، والتقوى إرث. وهنالك معانٍ روحية كثيرة للإرث يفيض الله بإشراقها على الربانيين مضافة إلى ما أوتوا من علمٍ يستفاد من نصوصه في حفظ الدين في الحياة ما بقيت الأرض.
والولي هو الأساس في إصلاح النفوس وحفظ الدين. وعامة أهل الإيمان تبعاً للأولياء حيث قال تعالى: ﮋ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ [الكهف: ١٧]. في هذه الآية الولي المرشد الوارث الكامل هو ولي مرشد حكيم داعٍ إلى الله، معلم لآيات الله وسنة رسوله، قادر على تزكية النفس ونقل القلب البشري إلى آفاق الاستشعار بالغيب، قادر على النقل إلى مقامات الإسلام(1)
هذه التزكية والنقلة الروحية، التي هي فيض من نفحات الرحمن، قد تكون بمجرد الجلوس مع الربانيين، والتعرض لنفحات الله، وتكون آفاقه أوسع بإضافة الذكر المستديم إلى هذه الصحبة الصالحة.
عن حنظلة الأسدي رضي الله عنه قال: دخلنا على رسول الله() فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال وما ذاك؟ قلت: نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كأننا نراها رأى العين وإذا خرجنا منك عافسنا الأزواج والضيعات ونسينا، فقال() والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن يا حنظلة ساعة فساعة ثلاث مرات.
الحديث يفتح أمامنا آفاقاً لأن نذكر أقوال بعض أصحاب الإرث المحمّدي من صالحي الأمة إجابة دعواتهم لأنفسهم او لإنسان وسرعة نقله من حال رديئة إلى مقامات سنية والدعاء سواء بالمقال او الحال بتوجه النية لا شك أنه مستجاب بظهر الغيب، لطهارة القلوب والجارحة ونظافتها من الران، أثر سريع في فتح الباب لصعود الكلم الطيب ﮋ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﮊ[ فاطر: ١٠] لأولياء هذه الأمة شأن مع ربهم يجري بتقدير إكرام ومنن مذهلة للأفكار لايحجر من جريانها عقل أو لغو ألسن.
قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنة تحدثاً بنعمة الله كان يؤتى إلينا بالبدوي(1) عند الصبح يبول على ساقه، فلا يمسي الليل إلا وقد صار من الكّمل.
إن الأمور لا تجري بقدرة من العبد يفعل ما يشاء بل الأمر كله لله يقدره على يد من شاء ويصطفي من عباده إظهاراً ليد القدرة وإحداثها في الكائنات.
وقال الشيخ محمد بـدر رضي الله عنه: وكم أتانا مثل هذا عند صلاة الصبح وعند صلاة الظهر صار من الكُمّل، وكم أتانا عند صلاة الظهر وعند صلاة العصر صار من الكمل، وكم أتانا عند العصر وعند المغرب صار من الكُمّل(2).
الوارثون روحياً كثير لسعة الفيض الذي لايقيد ولاتحجر فتوحاته في زمان (كل يوم هو في شان)، شئون سبق جريان القلم بها في العلم الإلهي شأن لا يتجدد بحساب ولا يحدث بفكر وروية و لايحدث بعد صمت لطلاقة الفعل الإلهي عن التقييد.
ما قيل في كثرة الوارثين قد يكون في كل زمان أن الله يفرد عبداً بشأن الهداية والإصلاح بين الخلق، وهذا إن شئت قلت هو أن الله يُحدث مجدداً في كل قرن الذي عناه في قوله (): إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها(3) .
أن الصلة وثيقة بين المجدد والوارث المحمدي الكامل. المجدد من أُلقي في قلوب الأمة الشهادة بصلاحه وولايته والأمة المحمدية خصت بأنها لا تجتمع على ضلال فلا يكون المجدد من أصحاب الأهواء والخارجين عن الإجماع، فالتجديد من هؤلاء إنما هو مد في الضلالة و استغراق في الهوى و بعث للفتن، والفتنة نائمة لعن الله موقظها.
الولاية تتفاضل درجاتها في النفع وحصول الخير للناس، فمن الأولياء من يكون نفعه مقصوراً عليه لا يتعداه إلى غيره، إلا أن الولي الوارث له خاصية النفع العام بتأثير تقواه وصلاحه. وهذا الحال مأخوذ من حال الأنبياء عليهم السلام. فمنهم المأمور بالتبليغ ومنهم من لم يؤمر بالتبليغ.
وبهذه الشذرات لعلنا نكون قد شاركنا في تقريب الفهم لمعنى أمانة الجيلي المتناقل سرها بين العارفين، ولنغوص قليلاً في أبعاد قصة تُحكى بين أهل الطريقة القادريـة في السودان عن أن بعض من اختصهم الله بهذا الإرث لما أحس بدنو الأجل تشاور مع بعض العارفين، وتمنى أن تنتقل أمانـة الجيلي إلى أحد أبنائه، فقال له صاحبه مذكراً: (لو كانت بدوها الأولاد ما جات من بغـداد)، أي لو أنها تعطى بحكم أبوة النوع الإنساني، لكان الأجدر بها أحفاد الشيخ الجيلاني في بغـداد، ولكن الأمر يعطى بخصوصية وحكمة قدرت في صاحبها النفع العام للأمة. ومع ذلك فالجائز شرعاً أن يكون لكل ولي إرثه الخاص به، الذي ينتفع منه أبناؤه ومحبُّوه خاصة. وهو أمر لا يخلو منه مؤمن مع تفاوت في الدرجات. قال تعالى: ﮋ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮊ [الطور: ٢١](رواية حفص).
أمانة الجيلي نفث رباني ينفثه الرحمن فيمن يريد به هداية الخلق. وكونها سراً وإرثاً محمدياً ينفي عنها كونها شيئاً مادياً يدفن في الأرض مثلاً كما يخيل لمن تصعب عليه إشارات وتلميحات القـوم. فالدفن كناية عن الإخفاء أو القبض الوارد في الحديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء(1).
فالعلوم والأسرار لها أهلها المهيِّؤون لقبولها والعمل بها. قال صلى الله عليه وسلم: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة(1). متى لم يوجد لهذه العلوم أهـل رفعت وأخفيت أسرارها حيث شاء الله.
سـجـادة الطـريقـة:
السجادة كما هو معروف هي المفرش الذي يجلس عليه. وارتباطها باسم الطريقة نتج عن اعتياد الشيوخ الجلوس عليها تأدباً مع الناس مريدين وغيرهم، وإبعاداً لروح التعإلى والكبرياء. ولأنها إحدى اللوازم في آداب الشيوخ صارت أيضاً إحدى شارات المشيخة الصوفية وهي عرش مملكة التصوف، وكرسي أستاذية للتربية جللها الأدب، وزادها وقاراً بأن اتخذت من موضوعها تأديب النفس.
قال صاحب الرائية:
لا وكر إلا أنْ يطير عن وكر سجادة الصوفي بيت سكونه

وليكن الحديث عن سجادة التصوف خاتمة لحديثنا عن الملامح الشكلية للطريقة القادرية، ومدخلاً للحديث عن مشيخة الطريقة في السودان، والتي بدأ وجودها بدخول أستاذها الشيخ تاج الدين البهاري المملكة السنارية في منتصف القرن العاشر الهجري، وتحققت ظهوراً بأخذ الشيخ محمد ود عبد الصادق الهميم، والشيخ بانقا الضرير بيعة الذبح الشهيرة بمنطقة أربجي. ثم انطلقت الشعلة التي أوقدها البهاري، وزاد توهجها واعتمالها في نفوس الذين أحيوا طريق النبوة سهراً، وجوعاً، وذكراً، وقياماً، وصمتاً وتأملاً. واستمروا علي ذلك حتى تفجرت ينابيع الحكمة في القلوب فسالت أودية أخصبت وأنبتت، فاستقى الناس وزرعوا. فكان هذا ولا يزال حظ سجادة التصوف التي أعدها الشيوخ لتكون منبراً خـالداً للدعوة إلى الله تعالى، وأرادوا لها أن تسود بمكارم وفضائل تنأى بصاحبها عن تناول أحوال الناس بالقيل والقـال. وظل ديدنها أبداً تفقد أحـوال الناس. وما دامت تلك هي مضامين سجـادة التصوف، كان حقاً على المجتمع أن يجـود بمثل تلك النماذج الكريمة التي ظلت دوحة فيحاء للأيتام وعابري السبيل، ومنارة هـداية لمن ضل الطريق وتـاه.
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-09-2012   #4
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي رد: كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

الفهرست والمقدمه:-

(i)
فهرس المحتويات . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(1) المقدمة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الباب الأول . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(10) الفصل الأول . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(10) الجيلاني روى علميه وفلسفات. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(20) الفصل الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(20) التصـوف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(29) الادب الصـوفي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(49) كرامات الأولياء . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(73) السـماع والإنشاد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(80) في الحـب الإلهي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(85) التجربة الروحـية لإنسان التصوف . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(92) المعراج الروحي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الباب الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(96) الفصل الأول . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(96) الشيخ عبد القادر الجيلاني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(130) الفصل الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(130) الانسياب الصوفي في السودان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(137) الفصل الثالث . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(137) الشـيخ تاج الـدين البهاري . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(154) الفصل الرابع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(154) المـلامح الشـكلية للـطريقـة القـادرية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الباب الثالث . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(175) الفصل الأول . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(175) 1- الشـيخ الهـمـيم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(188) 2-الشيخ بان النقا الضرير . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(190) 3- الشيخ عبدالرازق أبو قرون . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(202) 4- الحاج داؤود بن عبد الجليل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(202) 5- الشيخ محمد الهندي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(203) 6- الشيخ عجيب المانجُلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(204) 7- حجازي بن معين . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(204) 8- الشيخ عبدالله الجمال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(204) 9- شاع الدين ود التويم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(205) 10- الشيخ رحمة الحلاوي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(205) 11- الشيخ حمد النجيض . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(206) 12- الحاج عيسى بن قنديل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(207) الفصل الثاني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(207) شيوخ أُسوة وقدوة في الطريق . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(207) 1- تمهيد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(209) 2- الشيخ إدريس ود الأرباب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(219) 3- الشيخ حسن ود حسونة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(239) الفصل الثالث . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(239) 1- الشيخ عبدالله العركي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(245) 2- الشيخ دفع الله المصوبن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(249) 3- الشيخ عبدالله بن علي الحلنقي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(249) 4- الشيخ محمد المسلمي الصغير . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(250) 5- الشيخ يوسف أبشرا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(251) 6- الشيخ عبد الباقي النيَّل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(260) 7- الشيخ طه الأبيض البطحاني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(264) 8- الشيخ عبدالباقي المكاشفي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(276) 9- الشيخ إبراهيم الكباشي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(287) الفصل الرابع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(287) 1- الشـيخ محمد ود بـدر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(311) 2-الشيخ الأمين ود بلّة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(314) 3- الشيخ محمد أبو صالح . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(316) 4- الشيخ الأمين محمد أبو صالح . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(317) 5- الشيخ مصطفى الفادني . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(324) 6- الشيخ أبو قرون . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(367) 7- شعراء المدائح . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(369) 8- الشاعر ود أبو كساوي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(372) 9- الحاج الطيب محمد بـدر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(372) 10- الشاعر محـمد حياتي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(375) 11- الشيخ أحمد سليمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(376) 12- الشاعر الشيخ الجيلي أبو قرون . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الباب الرابع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(379) 1- الشيخ عبد المحمود نور الدائم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(385) 2- الشيخ الجعلي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(390) 3- الحاج يوسف ود دهاشة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(393) مصادر الكتاب . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بسم الله الرحمن الرحيم
"الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا". والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ عبده ورسوله الذي بُعث للعالمين بشيراً ونذيراً خاتماً لرسالاته وبعث نبواته، وعلى أهل بيته وزوجاته الطاهرات وصحبه الذين اصطُفوا لنصرته وحمل أمانة هذا الدين من بعده صيانةً ورعايةً وجهاداً أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً وغيظاً شديداً في قلب من كفر ونافق.. وبعد...














بسم الله الرحمن الرحيم
شاورتني إحدى طالبات جامعة أمدرمان الإسلامية في كتابة بحث تخرج فأجبت بعفو الخاطر: فليكن الطريقة القادرية في السودان والدعوة الى الله، وما ظننت ما جرى بعفوية يأخذ الناحية العملية، وما لبثت قليلاً إلا أن طُلبت مني المعلومات والوثائق التي تفيد في منحى البحث، وبعد الانتهاء منه في عام 1990م تصفحت نسخة منه، جرى خاطرٌ بخلدي بضرورة التوثيق في هذا المبحث لما لنا من إلمام ببعض آداب الطريق، التي عاشتها الأُسر في تتابع مسارها الطويل وتربى على نهجها الأفراد.
ثم كان النظر في الأسس التي يقوم عليها مبنى البحث، واختيرت العناصر التالية محوراً لمنطلقاته ومفاهيمه:
* موروث الأدب الأسري الصوفي فهو أول العناصر لكونه المنظور الروحي الذي يُلهم المعرفة ببعض الجوانب.
* ويلي ذلك التوثيق الخطي والآثار المشاهدة والأخذ الشفوي.
* ثم ما أُرِّخ لرجال التصوف والعلم في الفترة السنارية وما بعدها.
* رابع العناصر ما كان للشيخ عبد القادر الجيلاني من كتب، وما ترجمه تلاميذه عن حياته وطريقته وانتشارها في العالم.
فقدكانت هذه المرتكزات التي ينطلق منها مركب البحث طائفاً على كل مرفىءٍ عله يجد فيه ما يفيد، وهذا فرض الكتابة و الإطلاع على ما كُتب في التصوف ورجاله، فهو المنهج الذي كان عليه الجيلاني وطريقته، ورغم توفر هذا إلا أن حاجتنا أمس إلى ما في مساجد الطريقة من وثائق، لأنها السند الحقيقي لحركة الطريقة، وهذا التناول رتب على الكاهل عَبئاً ثقيلاً.
وبينما نحن في البحث عن الشيخ البهاري ومجيئه السودان ومشائخ طريقته الذين أخذوا عليه، إذ تداخل على الفكر دراسة قادرية الشيخ إدريس ود الأرباب، ولمحات عن الطريقة السمانية، والقادرية الجعلية ،هذه الطرق تنبع من أصل واحد الكتاب والسنة ورؤى الشيخ الجيلاني معارفاً وسلوكاً على طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أُولئك رفيقا،الحديث عن الطريقة القادرية يطلب تعريفاً برجــالها الذين قادوا حركتها في البلاد.
ويبدو أن القادرية في بلادنا قدر لها هذا التربيع الركين الذي يتوطد بوسائله الدين في البلاد، وقُدّر لها أيضاً أن يعلو طودها شامخاً في سماء سودانِنا، بما كان من جهود بذلها كبار الشيوخ، وازدادت حركتها نمواً ومداً تجاوزت بهما الحدود إلى ما جاورنا من بلدان، بهذا كان نشر الدين في البلاد من اقاصيها إلى ادناها وأُعليت كلمة التوحيد وأوقدت نير القرآن وفتحت ابواب التكايا لإكرام الوافد والسائل إتباعاً لنهج النبوة التي امرت تاديباً وتهذيباً بالقول الكريم (اما اليتيم فلا تغهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث )
التصوف في ماضيه وحاضره عملاً بمقتضيات الشرعيات وعقيدة أهل السُنة والجماعة وفقه الأئمة الاربعه وصحاح مسانيد رجال الحديث وهي مرجعية أهل الطريقة من شيخها الجيلان ، بهذا الثراء العلمي والروحي انتشرت حركة الطريقة سالكة المحجة البيضاء ليلها كنهارها.
فقد كانت هذه الاصول سنداً علمياً يعرف به منهج هذه الطريقة، وضوح هذه المعالم فقد جنب الطريقة دخلاء الفتن الذين يودون إندثار ومحو الطريق إلى الله، بهذا الإشراق وسريانه في القلوب تفتحت حركة الطريقة وأزدادت نمواً ومداً تجاوزت الحدود إلى ما جاور سوداننا من بلدان.
ومما يشف ويعرف به جوهر التصوف أنه منهج (سلوكي أخلاقي)، تربط وشائجه مشاعر وأحاسيس رجاله ، مع تباعد الأزمنة والأماكن واختلاف السحنة واللغات والثقافات. هذه الاستمرارية الفاعلة كونت الصلة بين الشيخ الجيلاني وتلاميذه في السودان وغيره من بلدان العالم الاسلامي .
فقد شكلت هذه الصله رواد إبداعٍ من مجموعاتٍ مختلفة النسيج الإجتماعي وحّد الفكرة والرؤى ،قلت فيه النزعات العصبيه والنظرة إلى اللون والجنس ، يوضح هذا ما نرى من ذوي البشرة السوداء الذين اعتلوا مراتب الطريقة، مستجيباً للأدب معهم كلُّ من انضوى تحت لوائها الروحي.
وهذا الذي يحدث أحوج ما يكون إليه الناس اليوم وبعد، لامتصاص نزعات الحقد والحسد اللذان كثرت طُفيلياتهما في شرايين الحياة ،وبخاصة في مضمار السياسة ومجموعات الساسة، هذا التنافر الكائن بينهم ،فتح الباب واسعاً للدوائر الساعيه إلى غزو البلاد فكرياً وثقافياً واقتصادياً وعسكرياً وأيضاً قد كثرت أساليب الغزو التي تُحاك لبذر الشكوك والإلحاد.
هذه احوال في ساحة الحياة السودانية وغيرها، وهو أمر غير غائب عن إدراك بعض شيوخ الطريقة التي انتظمت زوايا البلاد، ويـرون أن عليهم واجبات فُرض القيام بها وسط هذا التيار، وحياة الإنسان قد ازدحمت لحظاتها بالمستجدات والممزقات من هموم وأحزان، وشواغل ألمت بأحواله بسبب ما يجري حوله ويشاهده ويسمعه من خلال شاشات التلفزة والمحطات الفضائية.
كل هذا يحدث ويسعى لتنفيذ العولمة( ) في غزو الحواضر العربية والإسلامية، ولم يبق إلاّ الضغط على الازرار لتقترب ساعة الصفر بظهور الإشارة الحمراء. والذين يمتلكون مفاتيح اللعبة السياسية يديرون الحرب بتفرقة الصف والكلمة بالسباب والتراشق بالكلمات الساخنه قذفاً ورمياً بالتهم الجارحه ،كل هذا بين ابناء الوطن، وكذلك بين ابناء الدين الواحد هذا كائن والقرن الأفريقي مُشدد عليه من الغرب لإستلاب خيراته والسيادة عليه. وسوداننا يمثل في ساحته عنصراً سياسياً وثقافياً هاماً وكبيراً، هو نـافذة الإسلام والعرب إلى القارة السوداء إخاءً وتكاملاً، وقد أصبح الآن مشغولاً بالفتن التي تتوارد عليه لتفريق اتجاهاته حتى تسنح الفرصة لإخفاء دوره الإسلامي، الذي هو معـدٌّ أزلاً أن يقوم به، ببث إشعاعه على القارة السوداء.
وبين هذه الكتل البشرية أولي المعرفة والممارسات السياسية والاجتماعية، الذين يتوجسون خيفة من شرر متطاير في أُفق السماء السودانية بسبب ما يحدث من انقسامات فكرية، واتجاهات سياسية متباينة بذرت الشِقاق والبغضاء، وكل هذا كائن استحوذ على فكر ابناء البلاد من شمالها إلى جنوبها.
ووسط هذا الِزحام والتراكم والحديث عن العرقية والعصبية إذ يُقدَّمُ سِفر القادرية إلى بني البلاد بكل تواضع.
على أهل الطريقة وبما لهم من مقدرات فكرية وعلمية في محيط الحياة الإضطلاع بدورٍ رتّبه عليهم واقع الحياة والدين، وعلى الطريقة في هذا الخضم العكر أن تمضي في الاصلاح بكل ما تعني هذه الكلمة في حياة الناس تربية وإرشاداً، وغير ذلك مما يوجبه الظرف المتأزم، وبهذا الاستشعار والإحساس لكل ما هو متوقع أن يكون فلتمض المسيرة القادرية مستعينة بالله علي تحمل الواجب المُلقى علي عاتقها في ميادين الدعوة إلى الله بما لها من وسائل وتجربة طويلة في ميدان التربية والبناء الذاتي، فعليها أن تسير في مسلكها.
وأخيراً هذه هي القادرية التي رأيت وسمعت منذُ أعصر سلفت.وقد حاولت الإلمام بما لها من وثائق وآثار أوجبت الحديث عنها وعن رجالها الذين قادوا حركة التصوف علماً وسلوكاً في الحياة السودانية ما يربو على خمسة قرون. والطريقة ممتدة فروعها في كل وادٍ وقريةٍ، لا تكاد بقعة من ربوع البلاد تخلو من مسيد ومسجد يعمر بالقرآن والذكر.
لقد طال مني التأمل في الوسائل التي تجمع بها هذه المتفرقات حتى كاد الأرق أن يقضي على نشوة الشعور المُحرك للمضي قُدماً، فما كان مني إلا أن سطرت العنوان على ورقةٍ وألقيتُها في أدراج المكتبة، منتظراً ما يحدث من تطور في رؤيتي للبحث.
ومما زاد الحال أرقاً خلو المكتبة السودانية مما يتعلق بهذه الطريقة، إلا ما كان من كتاب طبقات ود ضيف الله، وهو في تسطيره لا يُعنى بهذه الطريقة وحدها وان كتب عن اكثر رجالها، بل إنما يعنى في ذلك من سنحت الفرصة بالكتابة عنهم من الشيوخ والعلماء.
وبعد التفكير الطويل كان البدء بتأنٍ في تنفيذ الخطة، والأمر تقف أمامه عقبات كثيرة، اتضح أنه لابد من استشارة علمية تفيد البحث في أطواره المختلفة، وقد سمح لنا الأخ الفاضل البروفيسور الطاهر محمد علي البشير رحمه الله مدير جامعة شرق النيل سابقاً أن يستصحب البحث، رغم الأتعاب الجامعية والطلابية التي كانت تأخذ كل وقته.
وكان من ضمن قضايا البحث التفكير في النص التوثيقي الشفوي، والمخطوط الذي جُمع من البيوت الصوفية والأفراد، فالأمر مع قبوله يحتاج إلى وقفة وتبصرة لمعرفة الصحيح من السقيم، وكان المعيار الذي توزن به الرواية هو النظرة المتأنية وتقليب أوجه المروي، وبهذا فقد تم إسقاط روايات كثيرة لم نأخذ بها، وكذلك تمت المناقشة لنصوصٍ مكتوبةٍ رجحنا فيها الأقرب الى الصواب الذي يمكن قبوله مع نظرية العلماء في الحكم على الرواية جرحاً وتعديلاً.
هذا الديدن التطبيقي هو الذي أُتبع في التوثيق، ومع هذا التمحيص فقد لا يخلو أخذ الروايات أحياناً من اخذ بالضعيف على طريقة العلماء في الأخذ بالحديث مع علله.
وقد كان الحديث عن شيوخ الطريقة وصلتهم بالشيخ الجيلاني، فالمدخل إلى هذا ما كان موثقاً من سلسلة المشيخة الموصولة السند به، وهي تعني البيعة المتسلسله من شيخ إلى شيخ وكذلك الأوراد، ودخول الخلاوى، والتوجيهات العامة الضابطة لحياة الأفراد بالآداب المطلوبة شرعاً التي عبرت عنها كلمات الشيخ الجيلاني، بل أصدقتها مجاهداته في محك التجربة الروحية، وأخذ بها التلاميذ السودانيون فكانت هي (الطريقة القادرية) التي دخل بها العلامة الشيخ تاج الدين البهاري السودان في منتصف القرن العاشر، وأخذ بها الشيخ ود عبد الصادق والشيخ بانقا الضرير ثم الشيخ عبد الله العركي.
التحدث عن القادرية من حيث كونها طريقة صوفية يعني الحديث عن كل التصوف في البلاد، وما أتت به القادرية وغيرها تعني حقيقته سلوكاً أخلاقياً تربوياً، وقد أخذ حديثنا عنه في بعض الأحيان خطاً ساخناً أوجبته معرفة الفرق الأساسي بين التصوف الذي هو مقتبس من أحوال النبوة وبين ما كان من أعرافٍ استُحسِنت وألحقت بظواهره كوسائل أراد بها أصحابها منفعةً في أمر الدعوة. والأمر في العُرف والاستحسان أنهما يدوران في حلقة التشريع، لأن العُرف والإستحسان قد جعلهما الأئمة أصلاً من أصول مذاهبها.
وما دعى إلى تبيان الفروق بين الأسس العلمية والأعراف، أن مَن كان مِن غير أهل هذا المسلك يصعب عليهم التفريق بين التصوف وما دخل عليه من أعرافٍ مستحسنة، والمعرفة بهذا تحتاج إلى العلمية بالأصول والفروع الفقهية، وهذا ليس متيسراً لكل الناس، وليس لنا وسيلة لذلك إلا أن نترك القول الفصل لشيوخ المسلك الذين يمتازون بالسعة العلمية. لأن هناك بعض الأعراف أوجدها من لا دراية لهم بأصول هذا المنحى وعلومه فابتدع ضلالاً ولبس رداء زورٍ فضل وأضل. فهذا المنحى غير السليم ساق الهجوم من البعض على هذا المنهل الصافي من عِكر الأوهام. ومع هذا فان الأمر يحتاج إلى كشف ليسفر وجه التصوف التربوي الروحي المشرق.
فقد جعل عدم وضوح الفروق للكثير بعض الناس تتعدى على هذا المنهج بدعوى العلم والمعرفة.
ونحن نرى أن هذا التناول التحليلي ان لم يكن مرضياً للبعض، الا ان القلم في تسويده هذا جرى مجرى الموافقة في كثير، ولعل هذا وجه أُريد وقصد لذاته، لأن التصوف ميدان تكثر فيه الأشواك، وقِصَرُ باع المعرفة بأحواله دعى السفر إلى الأخذ بكلمات الشيوخ وأن نقتصر فيها على الوجه المرضي شرعاً.
إن لم تكن صورة الكتاب مرضية في بعض النواحي، لأخطاء تبينت أو لم تتبين إلا بعد، إلا أنَ لنا عذراً في ذلك، فإن ما كتب كان فيه توثيقاً، لأنه جمع ما كان شتاتاً متفرقاً مختزناً في الصدور أو في خزانات أهل الطريقة الذين لم يريــدوا نشره ضناً به على غير أهله، فيكون فتنةً على من لم يفقه أبعاده، ولعل هذا عذر له وجه. والحديث عما جُمع بين دفتي السِّفر، وتناول عناصر البحث التي شملتها مادته التوثيقية هامٌ ليسلك بنا درباً سهلاً في ربط الطريقة في السودان بالشيخ الجيلاني لأن من كان من غير اهلها يجهل هذا، وفريقاً آخر لا يريد لها هذا التوثيق الرابط.
فقد كان هذا وذاك توطئة للمعرفة برجال هذه الطريقة الذين احيوا الدين في بلادٍ كانت تحتويها الوثنية والممالك المسيحية فقد أعلو قبس نير القرآن ومنابر العلم بمذاهب الأكابر كالامام مالك والشافعي واحمد والنعمان ابوحنيفة فإن كان الاتصال بهؤلاء ممكنا فكذلك الاتصال بالشيخ البغدادي المنحدر من جيلان اصقاع الديلم إلى العراق كان متاحاً لان الأفكار والمناحي الروحية لا تحجبها الأبعاد ولا تعزلها القارات، فهي عمق يوثق العقد بين الأطراف المتباعدة ويقرب بين الأزمنة. والله الموفق.
محمد الحسن الشيخ أبو قرون
برى الشريف (اللاماب)
ا هـ17رجب 1418هـ.الموافق 17نوفمبر 1997م
رقم الايداع {373/1999}
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-09-2012   #5
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي رد: كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

1الباب الثالث الفصل الاول
- ود عبد الصادق أدّاب الفيلة
هو محمد بن عبد الصادق بن مالك بن ماشر بن ركاب بن غلام الله جد قبيلة الركابية ووالدته بنت الشريف حمد أبو دُنانة.
لم تذكر المراجع العام الذي ولد فيه إلا أنه فيما يبدو من مواليد عام 954هـ(1)، قرأ من القرآن إلى سورة إذا زلزلت، أخذ الطريقة من الشيخ البهاري، وتذكر روايات ذريته أن عمره آنذاك كان نحو الثامنة عشر أو العشرين سنة، مع أن سلوكه الصوفي كان على الشيخ البهاري، إلا أن هنالك مناحي تربطه بالتصوف، فهو من ناحية والدته يُعزى إلى العِترة النبوية الكريمة بجده الشريف حمد أبو دنانة، وهو أول من أدخل الطريقة الشاذلية البلاد.
طـريقـه الصـوفي:
التقى بالشيخ البهاري بشرق الجزيرة، ولم يفارقه بعد ذلك إلى أن سافر إلى الحجاز، وان والدته كانت تلقبه (بحسان) فقال لها البهاري: ولدك عبد الله اسمه محمد (الهميم)، ويورد ود ضيف الله أن لهذا اللقب سبباً (أن الشيخ قال له: يا محمد جيبو لنا دوكة(1) وهو يومئذ في قرية أربجى فاشتراها. وشالها فوق رأسه فوجد الشيخ سافر إلى سنار. ولحقه في سنار وهي على رأسه ولم يجده، وقالوا له سافر إلى بلده فلحقه في غُويبة اربجي وهو شائل الدوكة على رأسه. فقال له الشيخ البهاري: يا محمد يا ولدي هذه همة تصلح بها لإقامة دين الله عز وجل، فوقع مغشياً عليه وسافر الشيخ إلى وادي شعير. وقال لهم: إن مات ادفنوه وإن عاش يلحقنا. فهذه الغيبة لا يفيق منها إلا في وجه رب العالمين)(2).
فلما رأى الشيخ البهاري من تلميذه الهميم ما رأى من جهدٍ فوق الاسطورة والخيال، قال هذة همة تصلح لإقامة دين الله وقد صدقت فيه نبوته فاحيا ايامه بالذكر والعبادة واحياء نير القرآن.
قد كان لهذه الكلمة البليغة اثرٌ كبير في نفس ود عبدالصادق. إن رجلاً بمثل هذه الهمة لا بد أن يَكثُر حاسديه وتُدس في سيرته كثرة المفتريات .
الهميم خليفـة البهاري في السودان:
عندما أراد الشيخ البهاري السفر إلى بلاده، جمع تلاميذه ليطلعهم على ما عزم عليه من تأييد التلميذ الذي يراه مناسباً ليكون نائباً عنه في القيام بأمر الطـريقة في البلاد. وبعد حديثٍ وضح فيه الغرض من الاجتماع قال نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة أنا جئت من بغـداد لأجل هذا الولد - يعني محمد الهميم - خلفته في مكاني. مثل ما بتعاينوا لي عاينو له(3)). وبهذا أصبح الهميم خليفة للبهاري. وقد طلب الشيخ البهاري من عامة التلاميذ وبخاصة أصحاب بيعة أربجي الشيخ بانقا والشيخ عجيب وحجازي بن معين وغيرهم أن يوفوا بشروط الطاعة للشيخ الهميم. وقـد كان لحديث البهاري أثره الكبير على تلاميذه فأوفوا بشروط الطاعة التي تفرضها آداب السلوك بين الشيخ والمريد. وهو أمر ينسجم مع مفهوم الطاعة لأولي الأمر ( ياايها الذين امنو اطيعو الله والرسول واولي الامر منكم)، لم تخرج مفاهيم التصوف السني عما خط له الشيوخ العلماء من السير على منهج الكتاب والسنة، وكل ابتداع او نشوزٍ عن هذا المنهج فهو تصوف مكذوب على مُنشيء هذه الطريقة، الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويساعدنا في هذا التبيان الحديث النبوي "من سنة سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها...ألخ"
وأوصى البهاري الهميم بما يجب عليه نحو إخوانه في الطريق ووضع له خط السير والتوجيهات التي تفيده في مستقبل حياتـه، وكذلك فيما يتعلق بأمر الطريقة. وأنبأه بتوقف العمل بعده إلى حين. فقال له: محمد ولدي سبع سنين لا دين ولا دنيا* وبعدهن يجيك الدين والدنيا وتسكن أرضاً يقال لها النادرة سلوكة ودلوكة ويسوّق فيها مال الحجاز واليمن (4).
وبعد سفر الشيخ البهاري رضي الله عنه إلى بلاده لازم العبادة والذكر سبع سنين في خلوته (بدلّوت)(1) وإلى جانب هذا كان يقوم بواجبات زوجة شيخه وبناته، فقد تزوج البهاري إمراة من "العُك" ولد منها بنتين، فلما تم السبع سنين جاءه الخضر ()، فأمره بالسلوك عليه، فجاءه شيخه وقال له خذ منه، وبعدها طلع المندرة وكان فيها البسط بعد القبض والفتح في أمر الدين والدنيا، فتوافد عليه الناس بُغية الإرشاد والبركة.
واستجاب له تلاميذ الشيخ البهاري الذين أوصاهم بالانقياد له فالشيخ بانقا مع تقدم سنه وبُعد غابة الحُمر من المندرة كان يزوره كل سنة، والشيخ عجيب المانجلك مع مشاغل الملك، كان يزوره في المنـدرة في حاشيته من الوزراء والجنود فإذا اقترب من الشيخ الهميم منع ضرب النقـارة. وخلع لباس الملك ولبس جبة الفقراء، وكان الشيخ عبد الله العركي أيضاً يزور الشيخ الهميم في المندرة.
خـلـفاؤه:
آلت الخلافة بعده لإبنه الشيخ علي النيل، سلك الطريقة عليه فقام بخدمة الطريقة تسليكا وارشاداً، حتى إنه سمي النيل لكثرة إرشاده،
قال ودضيف الله :كان على قدر عظيم من الزهد والورع وأن شاته التي يحلبون له لبنها إذا رعت في زرع الغير يترك شراب لبنها.
وقد كان ذِكْرنا للخليفة علي، لحادثة مهمة وبسببها سمي والده (أدّاب الفيلة)، قال ودضيف: إنه لما سكن المندرة بإذن شيخه البهاري بنى المسجد والخلوات فيها، وبعث ولده علي وأخيه نور الدين ابوشملة وفقراه "أي التلاميذ" واعطاهم أربعة وعشرين جملاً يحملون عليها حطب الدَليب، فسافروا إلى إحضاره فجاءت الفيلة فصرخت في الجمال ففرت، قال الشيخ علي نرسل إلى الشيخ يجيب لنا جمالاً نحمل عليها، فقال نور الدين لا نحمل إلا على الحيوان الذي جفل جمالنا، كلم حواراً لأبيه اسمه ابو سعد قال له: قل لهذا الحيوان قال لكم الشيخ علي: انت جفلت جمالنا تعال احمل في مكانها، فمشى إليها فجاءت الفيلة، وهي أربعة بركت في وجه الشيخ علي وحملوا عليها حمل أربعة وعشرين جملاً من بلد الدليب إلى المندرة، والناس افواجاً افواجاً جاءت للفرجة والدعاء والتبرك، فلما سمع الملك رِباط بذلك أرسل الخطيب والقاضي أمشو شوفوا كرامة اولاد الشيخ صحيحة فجاءوا فوجدوهم نازلين في الحديبة قدام ابو حراز، فوجدوا الفيلة مشت ترعى ووجدوا دربها والاحمال التي عليها فقالوا لهم بالغد تاتي فقالا لا شاكين(1).
فلما وصلوا المندرة الشيخ محمد الهميم والدهم مارضى إظهار السر(خارقة الكرامة)، قال لهم ما ترسلوا لي أجيب لكم الزوامل(1).
إن ما اجراه الله من خارقة على يد الشيخ علي وابوشملة من حمل الحطب على ظهر الفيلة، مع انه شي من الاكرام الالهي يسر النفس بسابق بشرى في الحياة الدنيا، إلا ان والدهم ما رضي ذلك، فقال لهم معاتباً أما ترسلوا لي نرسل لكم الزوامل.
البحث عن غوامض حياة رجل لم يرض إظهار كرامة تدل على ولايته، لا يجوز أن توصف بإباحة ما حرم الله، إن محاولة ما ذُكِر أنه من (الملاماتية) هذا شيء يزيد الطين بلة، بل الأمر في هذا يدعوا إلى البحث والتحري عن منبع رواية القصة هل هي فعلاً كانت حياة الرجل ام انه تلفيق اُريد به شنآن سيرته.
والتعريف للملاماتي وهو المليمُ لنفسه، وهي فرقة تنتمي إلى التصوف غير السني، أذدهرت في نيسابور وخراسان منذ أواسط القرن السادس للهجرة، ورجال العِلم من اهل التصوف ينهون عن هذه الفرقة، لما يظهر منها من مخالفات لا تتفق والعرف السليم، ويقال إن ما يظهر منهم إنما هو إخفاءٌ لما حباهم الله به من مَقدرات وصِلاتٍ روحيةٍ، إلا أن الخروج عن اصل أو فرع من الشرع لا يتفق ومباني التصوف السني.
قال الجنيد رحمه الله: (مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة). وقال أيضاً: (علمنا هذا مقيد بحديث رسول الله ()).
ويلفت النظر في الحديث عن التصوف السني الى الاطلاع في إحياء علوم الدين للغزالي والرسالة القشيرية للإمام القشيري، ونحن فيما نورد من حديث نود تصحيح أخطاءٍ ألمت بحياة ودعبد الصادق، فاشرنا الى ماكان من إبنه الشيخ علي النِيل فإنه كان إذا أكلت غنمه من زرع غيره لايشرب من لبنها، بلا ريب أن هذه الدقة في المعاملة تؤكد أنه سلوك الطريق الذي أخذه عن والده.
ابناء الشيخ الهميم :
الشيخ حمد أبو قرون بن الهميم الشهير بـ(حمد الحار) والشيخ نور الدين والشيخ الصافي والشيخ مصطفى، الشيخ دفع الله، الشيخ الطاهر والشيخ مختار والشيخ محمد والشيخ شريف وأم حقين بنت الهميم(2).
فقد آلت الخلافة بعد الشيخ علي النيل لإبنه الجنيد، ثم الزين بن الجنيد، ثم تدلت الى الهميم والزين، والطائف، والزين، وعبد الرحمن، ومصطفى البكري، والطيب الضو، وأحمد البدوي بن الطيب أبو شام، وطه بن أحمد البدوي، وعلي بن طه (المرين)، ومحمد بن طه، وأحمد ابن طه والخليفة علي ابن محمد.
الهـمـيم المُفتـرى عـلـيه:
الحديث عن الهميم يوجب الوقوف تأملاً للاحداث التي ذكرت في حياته، ما كان من ذلك وهو أمر يحسب على الطريق الصوفي في البلاد، إن لم توضح حقائقه، وهو أمر أُثير كثيراً وتناقله الناس دون الوقوف على تفصيل تلك الاحداث والصحيح فيها والموضوع منها كيداً.
والأمر في هذه الاحوال الملبدة بالقتامة يدعونا إلى الوقوف مع القول الكريم: ﮋ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﮊ [الحجرات: ٦].
وهذا النص القرآني الكريم يجعلنا دوماً في حالة من الفحص لكل رواية أو نص يورد إلينا في حالة من الاحوال، فقد ورد في ترجمة الشيخ محمد الهميم في كتاب طبقات ود ضيف الله :
(واعلم أن الناس أنكرت عليه إنكاراً شديداً. أنكر عليه القاضي دشين قاضي أربجى أن الشيخ جاء صلاة الجمعة في أربجى فلما خرج من الجامع ركب على جواده فمسك القاضي في عنان الفرس فقال له: خمست وسدست وسبعت تجمع بين الأختين تخالف كتاب الله وسنة رسول الله فقال له: الرسول أذن لي والشيخ إدريس بيعلم. فسأل القاضي الشيخ إدريس: هذا الكلام صحيح؟ فقال له: خل بينه وبين الله تعالى قال له: ما بدور هدايتك بدور شهادتك. قال له: البعتق له معتوق مابرجع في عتقه؟ الرجل هذا الله عتقه، وقال القاضي: جميع هذه الأنكحة فسختها ودعا عليه، وقال: الله يفسخ جلدك، فإن القاضي مرض مرضاً شديداً فانفسخ جلده مثل قميص الدبيبة).
وشطح الشيخ شطحًا مع كونه أميًا لم يقرأ إلا الزلزلة فقال شعراً:
فإن كنت يا قاضي قرأت مذاهبا فـمـا تدري يا قـاضي رموز مذهبنا
فـــمذهبكم نصلح به بعض ديننا ومذهبنا يعجم عــليكــم إذا قـــلنــــا
قطعنا البحار الزاخرات وراءنا فــلـم يدرِ الفــقهاء أين توجــــهنـــا
حـلـلــنا بواد عندنا اسمه الفضا فضاق بنا الوادي ونحن ما ضقنـــا
انظر هذا الشطح العظيم الذي لم يقع إلا من الجيلاني والبدوي والرفاعي وقع من رجل أمي لم يقرأ شيئاً إلا من الزلزلة إلى الناس) أهـ.
علينا في هذا النص أن نعمل مقص التشريح. في نسبة هذه الابيات إلى الشيخ ود عبد الصادق فقد وردت في بعض الكتب عن الشيخ محي الدين ابن العربي، ونشير إلى البيت الثالث من الابيات
قطعنا البحار الزاخرات وراءنا فلم يدر الفقهاء اين توجهنا
فورد عن الشيخ محي الدين
تركنا البحار الزاخرات وراءنا فلم يدر الناس اين توجهنا
تبدي هذه الملاحظة أن هذه الابيات ليست من اقوال الشيخ ودعبد الصادق، اما انها وضعت للتبرير، او وضعت لتحقق صحة الافتراء الذي قيل فيه الفحص المتأني في ورود الابيات يقود إلى طبقات ود ضيف الله التي تعددت نسخها:
1/نسخة البرياب ورمزها "ب"
2/ نسخة الشيخ احمد ابراهيم علي بر ورمزها "ت"
3/نسخة محي الدين خليفة الشيخ خوجلي ورمزها "خ"
4/مخطوط الخليفة احمد ابن الخليفة الامين خليفة الشيخ خوجلي ورمزها "د"
5/ نسخة الخليفة حسب الرسول ورمزها "ح"
وياتي الاختلاف في هذه النسخة الاخيرة يقال انها نقلت من نسخة في زمن الشيخ محمد بدر وقيل انها من نسخة البرياب.
تذكر الاضافات في هذه النسخة كثرة الصلاة على النبي () عند ذكر اسمه، كما تكثر من استعمال رضي الله عنه كما انها تنفرد بذكر كلمة (وتوفى) قبل (ودفن بموضع كذا) وتعمد هذه النسخة إلى كتابة بعض التعابير الدارجة بلغة فصحى، كما تضيف بعض التعليقات والتفاصيل مما لايوجد في النسخ الاخرى، مثل قولهم في صفحة 37من النسخة (ح) ومن يوم مماته إلى تاريخ عامنا هذا سنة ست وثلاثون والف وثلاثمائة بلغ مائتين وثلاث وسبعون عاماً والله تعالى أعلم)
كما يضيف خبراً طويلاً (ص288)وكل هذه التنقيحات والزيادات والشروح ليست من جهد ناسخ عادي يرجح الدكتور يوسف فضل إنها من قلم عالم جليل الشيخ حسب الرسول(1)، ولكن الارجح في هذا بخلاف ما ذكر الدكتور يوسف فضل، وهو انها بقلم الشيخ صالح تاج الدين أو ابنه الأستاذ عبدالرازق الشيخ صالح.
يأتي سؤالاً عن تعدد هذه النُسخ، ماهو الاقرب إلى الاصل الذي ضاع (2) وقد نقل كل مؤرخ لحياة الهميم من هذا المرجع، والمحققون لكتاب ودضيف الله أثبتوا ان النسخة الخطية الأصلية مفقودة، وأن الموجود الآن قدتم طبعه من نسخ متعددة، وهذا التعدد فقد أدخل كثيراً من الروايات المنكرة والموضوعة، وبخاصة في حياة الشيخ الذي نتحدث عنه. وهو بالطبع لا يرضى مروياتٌ مزرية كهذه أن تكون في سيرة حياته، وهذا يجعلنا نلجأ إلى تفهم الأسباب التي أدت إلى ورود هذه الروايات، وننظر في جواز صدقها وإنطباقها على واقع حياته، للحكم على حياة الأسلاف من هذه الامة، وما وردت من موضوعات منكرة في سيرة حياتهم لأن أكثر المرويات التي تقدح في حياة العظماء معلولة بالدس والمكيدة من الذين لم يُقدر لهم أن يكونوا من صِنفِ هؤلاء العظماء.
إن الدس والوضع لم تسلم منه كتب السنة الكريمة، بل ما هو أعظم لم يسلم من ذلك كتاب الله العزيز، إن شئت في هذا فاطلع على مفتريات الشيعة وقولها بالنقص والزيادة في القرآن "انظر ملخص قول الشيعة في القرآن في كتابنا المرافعات والاثبات في حقوق الصحابة وعائشة بنت الصديق"
إذا استحضرنا الرواية والنظر في أحوالها نجد أن نقلاً واختراعاً سيئاً قد تم بجهل،ٍ او بقصدٍ سيئٍ، وذلك لارتباط حياة التصوف بالفتوحات والكرامات.
هذا الضرب القاسي من التجريح قد اصاب عالماً كبيراً من علماء الفقه في البلاد، وهو الشيخ إدريس ود الارباب رحمه الله، فشكا ذلك إلى الشيخ محمد سوار الذهب فكتب إليه يسليه بابيات منها
والله لو كان بين الناس جبريلا لابد فيه من قال ومن قيلا
التبرير الوارد لهذه الواقعة من باب الكرامات، او كانت من كلمات موضوعة ومدسوسة على علامة عصره الشيخ ود الارباب: انه قال للقاضي دُشين الرجل هذا عتقه الله، أو قال الشيخ محمد عريس الحور العين، هذه التحسينات اللفظية مفترية، فإن عدّها أصحابها لتكون سبباً للقبول عند العامة، إلا انها بحق لا تستطيع الصمود أمام تفنيد النقد.
الفحص الدقيق لاحوال محمد ود عبدالصادق وما اتسمت به حياته من طاعة وعبادة تنفى عنه سيئ المقولة التي قصد بها محوه من قائمة العظماء .
إن احوال الدس في الكتب وتغيير الحقائق لم يسلم منها عظيم قط، حتى انبياء الله عليهم الصلوات، لم يسلم كتابٌ من حشو ووضع، وقد شكى من هذا الامام الشعراني، لكثرة ما دُس في كتبه من اقوال منكرة. ولعَل الدس والحشو أصبح أمراً جارياً في الحياة، وهذا يوجب على القارئ التفهم، وعلى الناقد الثبات والتأني في محاولة ما يبديه من رأي، ويفيدنا في هذا القول الكريم : ﮋ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﮊ [الحجرات: ٦].
إن ما تم ويتم من دسٍ منكر في حياة رجال العلم والتصوف، لا نحاول التبرير لوجوده بالفتوحات والكرامات. هذا خطأ. المعادلة الصحيحة توجب علينا النظرة في حياة وسيرة الرجال ووزن أحولها بالقسط، هل الغالب فيها الاعوجاج وعدم الاستقامة ام التقى والصلاح .
الحديث عن حياة رجل أو رجال يوجب علينا امتلاك المعلومة الصحيحة، وأن لا نبادر بالسب والشتم بما نجده من قول مختلق ونحكم به على حياتهم، بل الأكرم والأفضل مراعاة القول الكريم (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا)
بلا ريب إن ظن الخير في عامة المسلمين وبخاصة العلماء والصالحين من هذه الأمة، هو الذي يرجح وهو الأفضل، بلا ريب إن التجريح للأسلاف الذين يظن بهم الصلاح، وجب كف اللسان عنهم، وعن كل مسلم، وهذا هو الأفضل ( يا أيها الذين آمنوا أجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم ان ياكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه وأتقوا الله إن الله توابٌ رحيم )الحجرات12
إن الروايات الواردة لو أثبتنا وجودها وجب علينا التسليم بإمور خطيرة تَفِتُ من عضد الإسلام في البلاد آنذاك ويمكننا بيان ذلك في نقاط أهمها:
الطعن في نظام الدولة الإسلامية الذي كان قائماً، وذلك بالطعن في الشكل الإجرائي الذي تمت به المحكمة. فالثابت في كل الوثائق التاريخية أن مشيخة العبدلاب التي كانت منطقة أربجى تقع تحت إدارتها عرفت نظاماً قضائياً مميزاً، بتعيين القضاة الذين درسوا على الشيخ عبدالرحمن بن جابر وعينهم الشيخ عجيب المانجلك، وكان ثلاثة من القُضاة يهمنا أمرهم. وهم القاضي دشين، والقاضي الشيخ عبد الله العركي، والقاضي الشيخ يعقوب ابن بانقا. والثلاثة تشهد لهم وثائق التاريخ بالعلم والصلاح والصلابة في الحق.
كيف نقبل بأن القاضي دشين قد حكم على الشيخ محمد الهميم ممسكاً بعنان فرسه بدون إجراء دعوى مقدمة رفعت إليه.
النظرة في القضية توقفنا على أمور وهي أن الحكم الشرعي لا يقبل شهادة بعلم الباطن كالذي طلبه القاضي دشين من الشيخ إدريس.
إن ما جرى ووصف به الشيخ الهميم إن كان صحيحاً، فهو أمر خطير يجعل تلك المملكة الإسلامية مع وجود خيرة العلماء تعيش جاهلية مُطَبَقة، وعموماً إذا راجعنا تفاصيل أساليب التحاكم والتقاضي في ذلك الزمان نجد أن مثل هذه الرواية لا تخرج عن كونها مستحيلة عُرفاً وشرعاً، وهي إن سلمنا بها تكون طعناً في المملكة المتسمة بالإسلام وفي مجموع علماء البلاد، فقد تُرِك الأمر حتى التقى القاضي مع الشيخ صدفةً. فيصدر عليه حكمه من غير تحرٍّ في الدعوى. وهذا ما لا نعقله إذا علمنا أن العلماء في تلك الحقبة كانوا يقومون بواجب الشرع، والدليل على ذلك مناظرة الشيخ إدريس ود الأرباب والشريف عبد الوهاب في حكم الدخان، بطلب من الشيخ عجيب المانجلك التي وصل الأمر فيها إلى علماء الأزهر. فهل كانت المملكة الاسلامية بمثل هذا التهاون في الأحوال التي يستباح فيها حمى الشرع. بالطبع فانه لا يجرؤ أحد على القول بعدم معرفتهم بما يحدث في البلاد، والرواية نفسها تم افتتاحها بقول: (إنكار الناس)، والثابت من اشتهار أمر الشيخ الهميم باعتباره خليفة الشيخ البهاري، بل أن الشيخ عجيب المانجلك الذي عُرف بالتقوى والصلاح واجتهاده وحزمه في أمور تطبيق الشريعة، كان يزور الشيخ متأدباً حافظاً لمكانته ولا نحسَب أبداً أنه كان يعلم جمع الشيخ ود عبد الصادق لتسعين إمراة وجمعه بين أختين وأنهن بنات الشيخ بانقا الضرير، وتغاضى عن ذلك.
بلا ريب إن الطعن في شيخين جليلين هما الشيخ بانقا الضرير وابنه القاضي يعقوب، والأمر بالنسبة لهما بلية أكبر من السكوت، فالشيخ يقدم بناته وهو غير جاهل بالأمر الشرعي ومايرفضه العُرف السليم، والشيخ يعقوب وهو قاض المملكة يرضى بهذه البلية! ألم يكن الأجدر تفادي الأمر قبل وقوعه إن كان وقع ذلك فعلاً، وهو تلميذ الشيخ عبد الرحمن بن جابر ومن القضاة الاربعين الذين عينهم الشيخ عجيب المانجلك.
وما يجعل الأمر غريباً أن شجرة نسبة أبناء وذرية الشيخ بانقا لم تَعْرِف له بنتين بهذين الاسمين: خادم الله وكلتوم. إنما كان بنتاه هما (بتول الغبشا) والدة الشيخ هجو، (ونقاوة) والدة الشيخ عبدالرازق أبوقرون.
قال الشريف حماد زين العابدين: إن الشيخ الهميم لم يتزوج واحدة من بنات الشيخ بانقا، فضلاً عن الجمع بين الأختين.
وقال الشيخ موسى بن حماد: (إن أحفاد بانقا معروفون لدى الجميع، إلا ما ذكر في طبقات ود ضيف الله)(1).
من النظرة في بعض فقرات القصة مثل: (وأعلم أن الناس أنكرت عليه إنكاراً شديداً). من هذا نعلم كثرة الحاسدين والمتحرشين بهذا الرجل، فكيف يكون مع هذا الإحساس لأقل ما يحصل في الحياة آنذاك مثل شرب الدخان ويتناظر فيه العلماء إلى أن يصل ذلك إلى ساحة الأزهر، ويتناظر في حلقات علمه الشيخين علي الأجهوري شيخ علماء المالكية في الأزهر ورصيفه إبراهيم اللقاني صاحب عقيدة الجوهرة الشهيرة، وهذا كله يعطي إنطباعاً بوجود كثير من الخصوم للشيخ الهميم لو فرضنا أن القاضي دشين أصابته دعوة الشيخ الهميم هذه الخارقة تكون له لا عليه، ونحن في هذه القصة نرى نسيجا غريبا نُسج بحبكة لتؤدي غرض التشويه في حياة الهميم، إذا كان القاضي دشين وهو قاضي العدالة، وحكم في واقعة مخالفة للشرع، لا نتصور ابداً خذلانه بما ذكر من فسخ جسمه، إن آيات الله واستجابة دعوات من دعاه، لا تقصم أبداً ظهر الذين ينصرونه وينصرون شرعه، وإذا رأى الناس ان القاضي أصابته دعوة الشيخ، ليس ثمة من يدعوه عادلاً بعدها ابداً. و ستتعاظم المسألة إذا علمنا من أهم مساندي القاضي هو الشيخ فرح الذي تتلمذ فيما بعد على سليمان الطوالى تلميذ الشيخ الهميم، فكيف يصبح النظر في رواية القصة. صحة أو وضعاً منكراً.
الدفاع عن الشيخ الهميم المظلوم من كثرة الحاسدين له أمر يقتضيه الواجب، وكذلك الدفاع عن القاضي دشين الذي يحمي شرع الله فرضاً، بلا ريب أن دس الرواية وضع الرجُلين في محك صعب، وليس علينا في ذلك من مقولة إلا القول الكريم "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز" "الحج الاية 40"
وفي ختام مرافعتنا نقول إن هذه الرواية لا يستقيم لها عود على الإطلاق. فلا يعقل أن يكون الشيخ الهميم في شبابه متديناً زاهداً ورعاً قدم نفسه للذبح من أجل الموت على الإيمان، وينقطع في خلوته في دلوت سبع سنين للعبادة والذكر وخدمة المحتاجين، وتمتد به الأيام على هذا النهج ثم في عمر الشيخوخة والزهد القهري تثور رغبته إلى الملذات بصورة غير مشروعة، ولا تخطر ببال فيتزوج من تسعين امرأة ولا يفرق في ذلك بين الحرام والحلال.
ولا نتصور أبداً رجلاً مثل القاضي دشين يخدم شرع الله ثم يكون عبرة للناظرين بفسخ جسمه.
ويبرر صاحب الرواية نسيجه بأبيات من الشطح ينسبها إلى الشيخ الهميم والأبيات تعتبر بعيدة عن واقع الأمية التي وصفت بها حياته. والشيخ ود ضيف الله بعيد عن هذا الإفتراء ومبرأ عنه.
إن الدفاع عن الشيخ الهميم ضرورة يقتضيها البحث العلمي لإسقاط غثاء القول من منهج التصوف وصالحي رجاله، وكل من يحاول الخوض في هذا الميدان بحثاً أو قراءةً وجب عليه التدقيق والوقوف على الحقائق .
الهـمـيم في المـيزان :
زامن الهميم كثير من رجال العلم والتصوف المشهود لهم بالفضل والسعة العلمية، تتجلى هذه المعرفة في المناظرات التي كانت تدور بينهم في أبسط القضايا، مثل الجدل في الدخان(1) إذا كانت هذه أحاسيس هؤلاء الرجال نحو الدين في تلك الفترة، فكيف نتصور تغاضيهم عن أحداث كبيرة، يكثر فيها القيل والقال، وتنكرها العامة، ولم تحرك لهم ساكناً، ونذكر من رجال تلك الفترة على سبيل المثال، الشيخ إدريس ود الأرباب، والشيخ صغيرون، والشريف عبد الوهاب، والشيخ عبد الله العركي، والشيخ يعقوب بن بانقا، والشيخ دفع الله العركي والشيخ فـرح ود تكتوك، الذي أخذ السلوك الصوفي على تلميذ الهميم الشيخ سلمان الطوالى(3). مع علم الأول وأمية الثاني.
وتدعونا مسألة مهمة أن نذكر مناظرة بين الشيخ إدريس ود الارباب والشريف عبد الوهاب في إستدلال الأول بشواهد روحية استشهد بالشيخ الهميم والشيخ ود حسونه، والشريف عبد الوهاب لم يبعد شهادة الهميم بتجريح، والجرح والتعديل أصل يعول عليه العلماء في الأخـذ والترك لخبر أو حديث. والشيخ عبد الله العركي هو رجل علمٍ أولاً. وقف مع علمه حين دعاه الشيخ البهاري لأخذ البيعة عليه، رفض ذلك في بداية الأمر، ثم هو قاضي المملكة مثل رصيفه القاضي دشين، فقد كان ينظر للشيخ الهميم بالإجلال والإحترام، يذهب لزيارته في المندرة قاطعاً الأميال الطويلة. ولو كان صدر من رصيفه القاضي دشين ما ذكر من عقود باطلة لا أخال أنه يتمادى في الإجلال والإحترام، والشيخ دفع الله العركي وهو صاحب مدرسة علمية كبرى خرجت أمثال الشيخ فـرح ود تكتوك يقول: "أولاد عبد الصادق وقعت لهم دعوة مستجابة ملكوا بها الدنيا". والشيخ عجيب المانجلك وهو رجل الدولة الاسلامية وكانت اهتماماته الكبرى بقضايا الشرع، كان يحضر مناظرات العلماء في بعض القضايا ليتأكد من صحة الحكم في الاحوال المطروحة، فهو كله تجلّة واحترام للشيخ الهميم.
مع إجلال هذا الجمع من الرجال للشيخ الهميم، فكيف نفسر الحملة التشكيكية التي قادها بعض الناس نحوه ؟.
فكل ما قيل في الهميم رحمـه الله تكذبه الآثار الفاضلة في المحافظة على روح الدين التي تركها باقية في ذريته، لو كان هناك منحول نحلة فاسدة في حياته لنبت زرعها وأستوى على سوقه، إن ما تركه كان خيراً وفيراً عم البلاد وأضاء ظلمات الجهل بوقود نير القرآن في بقاع كثيرة، وانتظام الأوقات وإعمار المساجد بالمفروضات والجهر بكلمة التوحيد في الخلاوي والزوايا ومرتفعات الجبال باقية حتى اليوم، بلا ريب إنها شواهد عقلانية تنفي وتدحض ما افتري به على الشيخ محمد ود عبد الصادق.
ويسر البعض كثيراً أن ينظر إلى العظماء من خلال عثرات وقعت منهم، ويسعى في التشهير بها. صحيح أن كل إنسان غير النبـوة لا يزكى بعصمة ابداً، ولكن علينا مع ذلك الإنصافُ ووضع الصنوج الحقيقية في كفة الميزان. الحديث عن التزكية أو التجريح لحال الانسان، يجب أن تقدر فيه مسئولية الكلمة، واللسان هو المسئول عن التعبير.
نكرر ونقول كل ما قيل في الشيخ الهميم يدعو إلى الإنصاف، وان يراجع بعيـداً عن الهوى، مصحوباً بيقظة الضمير، وعفة اللسان، وعفة القلم، كل هذا لنحقق في نفوسنا القول الكريم: ﮋ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮊ [الرحمن: ۸ ]












2- الشيخ بانقا الضرير
هو محمد بن موسى الوثقي بن عَبودي بن عبد الله بن كراف بن محمد الحصين بن عابد الوثيق، ينتهي نسبه إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه. قال ود ضيف الله: إن سندال العاج كبير الفونج أخوه لأمه، وقيل هي مكة والدة عمارة دُنقس وأنه أخوه بن أمه، وروي أن والده الشيخ موسى جاء سائحاً في زمن الملك عمارة، ونزل بمكان عرف فيه بكثرة التعبد وقراءة القـرآن، فلما سمع به الملك أرسل اليه وطلب منه أن يقوم بتدريس القرآن. ثم زوجه والدته التي توفي عنها والده، فولد الشيخ محمد كريم الضيف بانقا(1).
نشأ بانقا في صغره تحت ظلال قصر المملكة السنّارية فرضع وتربى في حجر والدته مع أخوته الملوك. ودرس القرآن على والده الشيخ موسى. وتلقى ما شاء له من فروض العلم. وبعد بلوغه سن الرشد وُلي وظيفة عكاز الملك(وهي وظيفة في القصر السناري) يبدو أن هذه الوظيفة كانت تعد من الوظائف القيادية الهامة في القصر.
سلوكه الطريق على البهاري:
أن سبب ذلك أرسله الملك نائل إلى الشيخ عجيب، فلما جاء في غويبة أربجى اجتمع بالشيخ تاج الدين البهاري عند محمد الهندي، وسلك عليه الطريق في بيعة أربجي الشهيرة.
يروى أن الشيخ بانقا بعد خروجه من غرفة التسليك جَمع ما كان معه من أشياء تخص القصر، وأرسلها إلى الملك. فكان لهذا الفراق أثره الكبير على أخوتـه. فقد جرت هذه العبارة على لسان الملك (ولعله الملك نائل) قال: (كان في إربابية الناس، صار في إربابية الله) أي في معيـة الله(1).
فقد كان السلوك الصوفي في حياة بانقا خطوة جديدة في سلم السير إلى الله تعالى، جعلته ينزع ما عليه من ثياب الأمارة ويستبدلها بجبة الفقراء، ثم إنه لم يرجع إلى القصر، فتخذ خلوة في غابة الحُمر للعبادة والذكر.
الخِـرقـة الصـوفـية:
كان للخدمة والملازمة أثرها الكبير على الشيخ بانقا، فقد اكتسب بفضلها كثيراً من الآداب والمعارف الصوفية التي صقلت حياته، واكتسب بها معرفة أصول تربية المريدين، وكان من مخلفاته التي أجيز بها في مرتبة المشيخة الصوفية الرايات والَككَر (الكرسي) وجبة الشيخ تاج الدين وكوفيته. وقد تم تناقل هذا الإرث بعده في أبنائه ولا يزال هذا الشعار لدى خليفة اليعقوباب، وبعد سفر أستاذه البهاري استقر بانقا رحمه الله تعالى بالحُمر وأسس مسجده وخلاويه. وصارت خلوته المتواضعة مناراً للعلم والقرآن والذكر، فاهتدى بهديه كثير من الطلاب والمريدين، وارتفعت بهم كلمة التهليل منذ أربعمائة سنة وأكثر، ولا تزال بقعة أبا يعقوب مناراً للهداية والإرشاد. لقد اندثرت وفنيت القصور والملوك السنارية التي فر منها بانقا إلى مجالس فقراء التصوف ولم يبق منها شيء، ولكن بقيت آثار وجلائل بانقا، بكلمة التهليل المدوية في الوديان والجبال، ولاهجةً بها ألسنة أهـل الطريق.
إن الأرض والبقاع تُحرس وتُحفظ بالذكر وآداب الدين، مهما كان للسلطان من صولةٍ في ظاهر الأمر إلا أنه إلى حين، وقد كان.
انتقل الشيخ الجليل بانقا إلى رحمة الله بعد عمر دام مائة عام أو أكثر. أفناه في طاعة الله تعالى وتوطيد الدين في الحياة، ضمت جسمه الطاهر الزكي أرض الوعر والدوحة ولا تزال بقعته وآثاره معلم هداية إلى طريق الإسلام والخير. رحمات الله عليه وعلى أخوته في الطريق ما دامت الأرض والسماء.
خـلـفـاؤه:
تولى الخلافة بعده إبنيه الشيخ عيسى والشيخ يعقوب، وبعد وفاة الشيخ يعقوب خلفه إبنه الشيخ موسى أبو قصة، ثم أخوه الشيخ مرزوق بن يعقوب وبعد هذا الأخير انتقلت الخلافة إلى الشيخ هجو بن حماد الحَمراني سبط الشيخ بانقا الضرير أبن بتول الغبشة.
قال الشيخ حسن الفاتح وفي نسل هجو المذكور تمركزت زعامة الشعبة وتوحدت قيادة الطريقة القادرية في اليعقوباب (1).

3- الشيخ عبد الرازق أبو قرون
هو عبد الرازق بن إدريس بن مسمار أصله رفاعي(2) والدته نقاوة بنت الشيخ بانقا الضرير(3).
لم يرد شيء عن قراءته وما حصل عليه من علوم إلا أنه عاش في بيت صوفي اكبر همومه القرآن والعلم، وبخاصة اخي امه الشيخ يعقوب وهو أحد قضاة المملكة السنّارية، هذا يجعل القول أن عبد الرازق كان على حظ من العلم بحكم البيئة العلمية التي نشأ وتربى تحت ظلالها، سلك الطريقة على يد خاله الشيخ يعقوب بن بانقا الضرير، أرشده في مراقي السلوك الروحي، وألبسه خرقة المشيخة الصوفية، وأمره بالذهاب إلى الأبواب لنشر الطريقة.
رجل القادريـة بمدينة الأبـواب شندي:
يحلو الحديث عن إنسان الزهد والعمل معاً الشيخ عبد الرازق أبو قرون، حيث ضربت خطواته في مناكب ألارض متسارعة نحو الأبواب، امتثالاً لأمر أستـاذه الشيـخ يعقوب فقـال له: (اسكن المشرع الأحمر تجد الدين والدنيا)(1).
ومما خفّف على الشيخ الزاهد في مساره، أنه لم يصحب شيأً يعوق خطواته، فكان كل ما يملكه في هجرته (الجبة والعكاز)، وهما علامة يعرف بها فقراء التصوف في ذلك الوقت. بلا ريب فقد بلغ الشيخ ما بلغ من الجهد والتعب في رحلته المضنية من أرض الحُمر إلى الأبواب، التي كان على موعد فيها بالفتـوح ، وتضاعف الجهد والتعب بالتفكير في كيفية شروع التبشير بالطريقة، في أوساط القرى والاحياء المتناثرة على ضفاف النيل الموشح بسواد الأردية الزرقاء، والشيخ بحكم تجربته العملية يعلم أن نقل الدين في واقع حياة الناس ومحاولة التخلق به أمر تواجهه عقبات تحتاج إلى بذل النفس ونفيث الاموال إبتقاء مرضاة الله، وهذا ما لا يتيسر لكل أحدٍ، فالإنسان بطبعه العادي يريد أن يعيش حياة طليقة حرة من قيود والتزامات تقيّده، والالتزام بالدين والتطبع بخلقه، وهو ما تحمله بين حناياها طريقة شيخ الأبواب، ورأى أن عليه التصرف الحكيم في امر دعوته، لان من عادة رجال التصوف في محاولة نقل النفس الانسانية إلى رحاب هذا الدين مراعاة التيسير.
وقد كانت الصلاة وما تبعها من صوم وزكاة وهي الواجبات والاسس في أمر التصوف لانها تعني الدين كله، ان هذه العبادات مع بساطتها إلا أن الشيوخ يعلمون أن النفوس تضيق منها ذرعاً وتضعف أمام تكاليفها وهذا أمر يحتاج إلى علاج وتقوية إيمانية، تيسر مهمة الدين في النفوس وصدق القول الكريم (واستعينوا بالصبر والصلواة : ﮋ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﮊ [البقرة: ٤٥]. منهج الطريقة أو الطريق انه منهج عرفاني يطلب ضبط حركات الإنسان الظاهرة والباطنة بالمعايير الشرعية،
استقر بشيخ الابواب المقام بموقع يعرف الآن بقرية مويس، وطابت له عشرة أهالى تلك القرى "فتزوج وولد اثني عشر ولداً"، وتيسرت الحياة واستجاب الناس لمنهج طريقته الذي طرحه ببساطـة توافق بساطة العقول الأمية، وقد أشـار إلى احوال تعامله مع الناس حيث قال: (من عقولنا ما نَشَد الناس من أصولنا)(1).
وكانت له رؤيته في العبادة حيث يرى العبادة المتعدية لنفع الناس فهي عنده أفضل العبادات.
قال: (صمنا حتى انطوينا، وعبدنا حتى انحنينا، ما لقينا حتى مدت أيدينا)(1).
كان للشيخ فلسفته الصوفية الخاصة في توجيه الأبناء والأتباع للعبادة النافعة، مع كونه من أصحاب المجاهدات البالغة التي أوضحتها عباراته "عبدنا حتى انحنينا" استنتج من طول تجربته الروحية، منهج التخفيف واليسر، الذي يهون على الناس امر الدين، وقد اوضح ان الإنفاق وهو أقصر الطرق إلى وجه الله تعالى. وتترادف عبارته في هذا المعنى بقوله: "ولد العرب الفالح يرشد الغنم، وولدنا الفالح يرشد المرحاكة"(2).
يركز شيوخ التصوف في العبادة على منافع الناس ويرونها خير درب يرتاده الإنسان والخير كل الخير في نفع الناس وقضاء حوائجهم، والدعوة في البذل والعطاء عند الشيوخ تعني تطهير النفس من الشح والبخل، وهذا ديدن التصوف وقاعدة من مبانيه الأساسية، تشير عبارتهم إلى هذا الركن بقولهم: "أقبح القبيح صوفي شحيح" الشح والبخل لا يتجانسان ابداً والخلق الصوفي الذي يرود النفس على الامتثال بالقول الكريم: ﮋ ومن ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﮊ [التغابن: ١٦]. وقوله تعالى: ﮋ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮊ [المعارج].
الشُح والبخل من كبرى القضايا التي اهتم التصوف بمعالجة النفوس منهما، والوحي القرآني يدعونا إلى انفاق ماجعلنا الله مستخلفين فيه ﮋ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮊ [الحديد: ٧]. وقوله تعالى: ﮋ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ولله ميراث السموات والارض [الحديد: ١٠]. ﮋ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﮊ [الحديد: 11].
القرآن الكريم يذهب بنا مذاهب خير في دعوته إلى الإنفاق وتفتيت المال والثروة، بحيث لا تستمتع وتتنعم بها قلة، وتحرم منها بطون الكثرة التي لا تجد قوت اليوم.
تنطلق يد البذل والعطاء من أريحية إنسانية يقودها إ لى الخير منطوق القول الكريم: ﮋ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮊ [ الحديد:٧] من هذه الرؤية كانت تجربة شيخ الأبواب الصوفية تحقيقاً لمعاني الآيات الكريمة، فكانت امامه ابداً المقولة "أقبح القبيح صوفي شحيح"
نترك المجال لشيخ الأبواب رحمه الله تعالى أن تمضي كلماته في مشوار التوجيه والترشيد آخذة بأيدي الكثيرين.
قال رحمه الله: "الكِسِرة اسم عظيم ودرع حصين، وحَجّة بلا قسى، وولاية بلا تعب… الْلي اللهِ( ) يغلب الصيام والقيام اليعطي الكِسِرة وسط حريمُ وأولاده يلقاها"( ).
العطاء والبذل مرتكز كبير يدور حوله مفهوم التكايا القادرية التي انتظمت مساجدها البلاد.
خُلق الكرم مع أنه عُرفٌ في حياة الناس إلا أنه من مكارم الدين وخُلق النبوة: ﮋ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﮊ [ الذاريات].
وتصف مضابط السنة حب النبي للكرم والدعوة اليه، قوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه). وقوله (): (أنفق بلالاً ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً). وقال رجل من الأنصار للرسول () (يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً فتبسم وعرف في وجهه البشر)( ).
إن الوقوف مع كلمات شيخ الأبواب فقد ألهمتنا بساطتها معنىً كبيراً من مباني التصوف وأتت بنا نهاية المطاف أن نستودع شيخ القادرية بمشرع الأبواب راقداً على ثراه الرطب بعد عمر تضاعفت مجاهداته في إرساء قيم الدين في حياة الأبواب الاجتماعية. فلتهنأ تلك العيون التي سهرت في الله الليالى ذات العدد تهجداً وسجوداً، وعلى مصالح الضعفاء والمساكين تفقداً، ليرقد جثمانها الطاهر بعد عمرٍ تجاوز الثمانين - سنة سبعين بعد الألف هجرية، ولتعم بركاته الثرية بعده الأبناء والذراري والأتباع ومن التمس البركة.













صالح ابن بان النقا:
جرى قلم ود ضيف الله بالحديث عن الشيخ صالح بشهادة العارفين له، ويذكر في الباب الثاني بداية أمره وأشياخه وفي الاذن له بوقود نار الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه . ويقول وجدت بخطه قال : انا صغير رأيت ابي جالس على عنقريب يسلك الناس الطريق، وانا جالس معه ،فقلت له ماتسلكني الطريق، قال: يسلكك عمك ابونائب وعمك الزين ، وكان يقول الموت . فبعد وفاة أبي مكثت سبع سنين حتى بلغت الحلم ،وبعد ذلك سلكت الطريق على عمي الشيخ صالح ابونائب، وأخذت الاوراد من عمي الشيخ الزين عبدالرازق.
وتحدث الشيخ صالح عن بدايته وما صحبها من أحوال .قال: رأيت الشيخ عبدالقادر وهو جالس على عنقريب، مستقبل القبلة، وكل كراع عندها رجل عليه عمامة بيضاء، وألبسوني عقد سوميت كنار أزرق وأبيض، فشكيت عليه ، فقلت له : حمد غصب جمالي، فصر وجهه علي وقال للرجال الجالسين معه: انا اكلمه بالآخرة وهو يكلمني بالدنيا ،أمش أوقد النار ، ثم بعد ذلك اتوني رجال، قالوا اتيناك من عند الرسول  والشيخ عبد القادر ،فقالا لك قبلناك وأعطيناك ياحي ياقيوم ألف (على مرور الليالي والايام)، فأخبرت عمي ابونائب فقال اخدم الله يعينك .وبعد ذلك أخذني ووداني للشيخ بدوي، فسلمت عليه فرفع يديه فقال :الله يكثر مصروفك إلى الجنة، فقلت آمين، وملك فوقه قال آمين، ثم يذكر أشياء من أحوال الروح فوق التصور والخيال، وعالم الروح من أمر الغيب ،والايمان بوجوده واجب، ولكن كيف لنا الرؤيا بغيبه المكنون، والرؤيا سابق بشرى في الحياة الدنيا، يراها الرجل أو ترى له، والذات الالهية قدرتها صالحة في العطاء، لا يلحقها عجز، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، بلاريب ان للذكر صفاءٌ تتفتح له رؤى الروح والسياحة في عالمها الرهيب، وهذا يشوقنا إلى قصص رؤى الشيخ صالح في خلوة إعتكافه، التي طالت أيامها صوماً وذكراً.
يقول: (أنا في الخلوة رأيت روحي خرجت من جسمي حتى خرقت السموات، سمعت خطاباً من الله أو من ملك، قال لروحي توبي فقالت تبت لوجهك الكريم، قال : لها تذكريني كل يوم باسم الجلالة مائة ألف مرة قالت: أذكرك يا سيدي ويا مولاي . ثم قال لها تذكريني بخمسين ألف فقالت: أذكرك ياسيدي ويا مولاي ثم قال لها تذكريني بستاً وعشرين ألف كل يوم. قالت أذكرك ياسيدي ويامولاي ثم قال لها تذكريني بستة آلاف.قالت أذكرك ياسيدي يامولاي ، ثم قال لها: تذكريني بألف إلى أن تموتي، فقالت: أذكرك يا سيدي ومولاي ).
رؤية الله سبحانه وتعالى في المنام أو المكالمة جائزة ليس بممتنعة إلا إن كانت رؤية المُشاهد صورةٌ مجسدة ، لأن التجسيد والجلوس والقيام والنزول والصعود وكل ماكان على هيئة الحوادث مستحيل ان يوصف به الله تعالى، وقد تكون صورُ المكالمة لإنسان وحي من ملك الالهام الجالس على لمة القلب، فإنه يوحي بالخير والمبشرات.
وتختم الرؤيا معراجها الروحي، برؤية الرسول ، ثم قال: وانا ايضاً في الخلوة رأيت نفسي دخلت مدينة الرسول ، وجئت طالب الرسول ، فمنعني الحاجب.قال له خله مابتشوفُه ملا السماوات والارض علي صلاةً )
ويذكر في رؤيته للنبي  قال لي عليه الصلاة والسلام أعصر شقي الايمن قلت: يارسول الله انا أعصر جسمك، قال: فإنك توسلت بالصلاة علي .
ويجود علينا ودضيف الله بذكر متفرقات حصلت للشيخ صالح في أيام خلوته الثرة، التي يكثر فيها من الذكر والركوع والسجود حتى إنه كان (يصلي في اليوم ثلاثمائة وعشرين ركعة).


وتنقلنا لحظاتها إلى ما فيها من منن ومكارم من إنفصال الروح أثناء النوم، متشوقةً إلى عالمها الذي هبطت منه، بلا ريب أن للعبادة اثرها الكبير على الجسد والروح معاً، فإنه يرفع الروح من ثقل المادة إلى أعتاب الغيب السحيق، ولا ننكر أن ديمومة الذكر تفتح معارفاً إلهامية غير طبيعية، تحصل به رقةٌ ورقائق، ويُلهِم الإنسان فهماً للعلوم والمعارف، وإن كان الكسب أصلاً طبيعياً في الحياة، وهذا يقودنا إلى القول: إن استشراق الروح يقظةً أو مناماً تتلاشى أثناءه الابعاد الزمانية والمكانية، وتتحطم حجب القيود والفواصل المادية.
بلاريب إن القول عن عالم الروح، أنه عالم غريب في التصرف، تنعدم في فحواه الحواجز التي تعوق انطلاقته.
ومن الممكن ان يقال: جائز للروح أن تترك جسدها أثناء النوم، وتنفصل عنه تماماً، تجذبها الاشواق سياحة في ذلك العلا الذي هبطت منه، وجائزٌ أيضاً أن تسجل أثناء سياحتها في لوحتها معارف لم تكن معهودة في حياة المادة القاتمة.
والحديث عن الروح هل هي خارج الجسد مدبرة له أم انها داخلة في قفصه؟ هذا أمرٌ يطول الحديث فيه، والخوض في ذلك يصرف عن المقصود.
(يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)
إن كل مايحدث ويتبلور في احوال الروح هو من قبيل الرؤيا الصالحة، والرؤية من مبشرات النبوة التي أشار إليها الحديث .
ويبدو ان قصص رؤى الشيخ صالح وسياحته الروحية التي سرحت بنا وقتاً ممتعاً ومؤرقاً معاً، بلا ريب إنه ادخل على النفس جديداً، رفرف بها في عالم الاشواق الاسنى الذي تنجذب إلى فضائه الارواح وكأنها قائلة :
تضيق بنا الدنيا إذا غبتُمُ عنا ** وتذهب بالأشواق أرواحُنا منا
بعادكم موت وقربكم حيا ** وإن غبتم عنا ولونفسا متنا
نموت ببعدكم ونحيا بقربكم** وإن جاءنا منكم بشير اللقا عشنا
نعيش بذكراكم إذا لم نراكُمُ ** ألا إن تذكار الاحبة يُنعشنا
يُحركنا ذكر الاحاديث عنكمُ ** ولولا هواكمُ في الحشا ما تحركنا
ولولا معانيكم تراها قلوبنا **إذا نحن ايقاظ وفي النوم إن نمنا
لمتنا أسىً من بعدكم وصبابةً** ولكن في المعنى معانيكم معنا
اما تنظر الطير المقفص يافتى ** إذا ذكر الاوطان حن إلى المغنى
يفرج بالتغريد ما بفؤاده ** فيطرب ارباب العقول إذا غنا
ويهتز في الاقفاص شوقاً إلى اللقا** فتضطرب الاقفاص في الحس والمعنى
كذلك أرواح المحبين يافتى ** تهدهدها الاشواق للعالم الاسنى
فقل للذي ينهى عن الوجد أهله إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا
إذا لم تذق ماذاقت الناس في الهوى فبالله ياخالي الحشا لاتعنفنا
وصن سرنا في سكرنا عن حسودنا وإن أنكرت عيناك شيئاً فسامحنا
فإنا إذا طبنا وطابت نفوسنا وخامرنا خمر الغرام تهتكنا
فلا تلم السكران في حال سكره فقد رفع التكيلف في سكرنا عنا
فيا حادي العشاق قم وأحدو قائماً ودندن لنا باسم الحبيب وروحنا
فيا عازلي كرر علي حديثهم فأعيننا منهم وأعينهم منا
وبعد عيش الشيخ صالح في خلوته التي كانت دهليزاً إلى عالم الروح وتطوره الغريب، يعود بنا إلى حياة الواقع الانساني، وما تتطلبه من معاملة فرضها الدين، اوقد نير القرآن وأعلى منبر العلم وبذل الوقت في ميدان الدعـوة إلى الله تعالى بذلاً وعطاءاً، وتوافد اليه الناس طلباً للإعانة والعلم والبركة والسلوك،
ويذكر من مبشرات رآها في نومه أن الشيخ عبد القادر أرسل إلى النار فجابوها من بغداد وهي خرقة فتيلة فيها النار في ياقوته حمرا مثل نقارة النحاس( ). ( هذه النار وهي التي يعبر عنها أهل الطريقة القادرية بنار الجيلي أو امانة الجيلي )
قيل للشيخ خوجلي أبو الجاز: أنت أكثر كيلة "يعني إنفاقاً" من ولد بانقا وهو مشهور بالكرم أكثر منك. قال: ولد بانقا عنده نار عبد القادر(يعني الجيلي)( ).
قال ود ضيف رحمه الله الشيخ صالح قام الكرم فريضته ومسنونه ومندوباته فما من بيت من بيوت الدين وغيرها إلا وكان له عليه يد، أعطى ذرية الشيخ عبد الرازق ما لا حصر له، وأعطى البسابير خمسمائة عود من الأرض في بلدهم، وأعطى البرياب على عدد رؤسائهم، وأعطى الشرفا أولاد بنت الشيخ عبد الرازق، وأعطى الحسوناب، وكان يزوج العزبات ويكسي العريان، ويعين على نوائب الدهر، وبالجملة مكارمه لا تحصى وهي تحتاج إلى مجلد ضخم - توفى سنة سبعة وستين، عن خمس وسبعين سنة ( ).
نسأل الله له واسع الرحمة والغفران.


تلاميذ حول البهاري:
اقتضي الحديث عن طريقة الشيخ البهاري ذكر التلاميذ الذين يمثلون سلسلة مترابطة الحلق، من شمال ووسط البلاد إلى غربها جبال تقلي، حيث يربض هناك الشيخ عبد الله الجمال، فقد كان حول البهاري تلاميذ أدوا أدواراً فاعلة في البلاد، ومن الطبيعي أن تختلف أحوال الناس، وأحوال من حوله، الكثير منهم جنود مجهولين في الحياة لم تؤرخ لهم المضابط التاريخية، ومن الذين برزت أحوالهم حوله ولم يذكر منهم من أخذ السلوك عليه، وقد جري العرف في المناحي الروحية أن تُعرف حال السالك بالصحبة والملازمة، وكثير من الأمور تعرف بقرائن الأحوال، والقرينة دليل ناطق يؤخذ به في تفسير الأحداث، ساقنا الحديث في هذا إلى صلة الذين حول الشيخ البهاري، وكان هناك رجلان لهما سبقٌ ومكانة خاصة عند الشيخ البهاري وقدما الكثير خدمةً في ميدان الطريقة، وهما الحاج داؤود بن عبد الجليل ومحمد الهندي، فقد كانت الصلة أكثر من كونها عادية، وأهمها ما كان في (بيعة أربجي) التي سبق الحديث عنها، ومع انهما لم يكونا من ضمن تلاميذ بيعة أربجي ، التي كانت دار محمد الهندي مكاناً لحدثها، وما يلزم من ضيافةٍ للوفود المدعوة، ومن عميق الروابط الروحية بين الشيخ البهاري والرجلين فكان من يريده يقصده في وادي شعير عند ابن عبد الجليل أو في منزل محمد الهندي بغويبة أربجي أو في قصر المملكة السنارية (1).
هذه الأماكن كانت مكان وجود الشيخ البهاري، وقد وقع الأختيار أن تكون بيعة التسليك في دار الهندي كما مر، وقد خطط لها بدقة إلا ما كان من الهندي والحاج داؤود اللذين كان لهما علمٌ ويدٌ في مشاركة التنفيذ، ويبدو أن الرجلين كانا من ذوي الثروة، وكانا ساعداه الأيمن فيما يريده، وعلّه كان عليهما نفقة الدعوة للحضور، هذه إمور من الطبيعي أن تجعل من يتحملون ثقلها أن يكونوا من أخلص التلاميذ، وإلا فما كان بذل المال وفتح المنازل له ولضيوف الطريقة؟ والرجل لم يكن صاحب سلطان ترجي منه منفعة تجارية بزيادة الضيع، أو ما يكنز في المصارف، فقد اعتاد أصدقاء الدنيا التعامل بالمقابل وما يرجو منه منفعة مؤكدة، فقد كان البذل من الرجلين إلا انه لم يكن من أجل منفعة عاجلة، وقد يعلمان أن الرجل صاحب علم أراد الله منه منفعة، دخل البلاد صفر اليدين وخرج كذلك.














4- الحاج داؤود بن عبد الجليل
ولد الحاج داؤود في النصف الأول من القرن العاشر، كان من التجار أصحاب الثراء. سافر لأداء فريضة الحج وزيارة قبر النبي() وهنالك التقى بالشيخ تاج الدين البهاري وتوثقت بينهما العلاقة الأخوية، وقدم معه إلى السودان فآواه وأكرم وفادته ونزله.
لا ريب أن الحاج داؤود رحمه الله كان له أفضال كبيرة على أصحاب الطريقة القادرية، فقد كان السبب في قدوم أستاذها إلى السودان، والد الحاج داؤود عبد الجليل جد الجليلاب وهو حفيد حجازي بن معين منشئ أربجى وباني مسجدها ومنطقتهم هي حلـة سعيد التي تقع على بعد بضعة أميال جنوب شرق الخرطوم وهي من أشهر قرى منطقة العيدج.


5- الشيخ محمد الهندي
هو من تلاميذ الشيخ البهاري ويأتي ترتيبه في التلمذة بعد الحاج داؤود بن عبد الجليل. وقد كان منزله بأربجى داراً مفتوحاً للشيخ البهاري وتلاميذه وأجريت فيه بيعة الذبح الشهيرة.
قال د. يوسف فضل: أخبرني الشريف الصديق بن الشريف يوسف الهندي، وهو من الأشراف وقد لقب بالهندي نسبة لمرضعته الهندية الأصل، ولا يعرف شيء عن الأسباب التي دعته للهجرة للسودان، وهو جد الشريف على بلة الهندي عميد أسرة الهندي الشهيرة في السودان.

6- الشيخ عجيب المانجُلك
هو ابن الشيخ عبد الله جماع خلف والده على عرش العبدلاب ولقب بالمانجلك، ووسع حـدود مملكته وعرف بروحه العسكرية، وبالتقوى والسير على هدى الله وسنة رسوله()، ويتصل نسبه من جهة أمه بالشريف حمد أبو دُنانة. سلك الطريقة القادرية على الشيخ تاج الدين البهاري.
ذكر في الطبقات، وكان مع المُلك والسلطة ملتزماً بآداب الطريقة وما توجبه عليه من إجلال ومؤازره للشيخ محمد الهميم، كان يزور الهميم بالمنـدره وإذا أقترب من مسجده، أسكت النقارة وخلع ملابس الإمارة ولبس جُبة الشيخ تاج الدين، وسار في حياته على المسلك الصوفي مع قيامه بأمر المملكة. وأخلص لطريقته القادرية إخلاصاً كبيراً وقدم كل ما يمكن تقديمه لنشر الطريقة في ربوع البلاد، وقد أشار إلى هذه بعض الكتاب فقال: يمكنك أن تدرك أن نفوذ الشيخ الهميم كان يمتد من أول دولة الفونج إلى آخرها( ).
ذلك الخط الذي رسمه الشيخ البهاري لتلاميذه في السلطة والمشيخة الصوفية أن تمتد الطريقة في البلاد مع الدولة لخدمة الدين وهذا ما يفسر أن مملكة ألفونج كانت دولة إسلامية صوفية السمات والمعاني، فكان تعاون الشيخ عجيب مع أخيه الهميم في الطريقة القادرية ينبع من منطلقاته والتزاماته الصوفية. ومع مسؤولية الملك والسلطة لم يكن أقل حالا في سيره إلى الله من الشيخ الهميم. قيل عنه انه: (أحد الأولياء الصالحين الذين وصلوا بعلمهم وعبادتهم إلى أعلى درجات الترقي في سلم الصعود إلى الحضرة الإلهية فأصبح سلطان الظاهر والباطن)( ).

7- حجازي بن معين:
الشيخ حجازي بن معين مؤسس أربجى وبانيها، وهو من الذين أخذوا الطريقة على الشيخ البهاري بأربجى. وقد وصف بأنه رجل ذو حظ وافر من الشهرة والمكانة، كما أنه من المعمرين في السن. كانت له قبل دولة الفونج سلطة تخطيط المدن والمساجد وتعميرها، فقد خطط مدينة أربجى ومسجدها وذلك في عام 880هـ.

8- الشيخ عبد الله الجمال:
هو جد الشيخ حمد ود الترابي ينتمي إلى قبيلة البديرية، سلك الطريقة القادرية على الشيخ البهاري أثناء رحلته إلى جبال تقلي. والشيخ الجمال كان من أبرز التلاميذ الذين أخذوا على البهاري بتقلي، وكان له وأصحابه دور كبير في نشر الإسلام وثقافته في مناطق الجبال التي كانت في ذلك العهد على الوثنية. كان لقاء الجمال بأستاذه البهاري فيما بين 975 - 982هـ موافقة سنة 1510 – 1517. ويبدو أن علاقة الجمال بتقلي لم تكن علاقة فرد، بل هي علاقة قبيلة بأسرها قطنت تلك المناطق فيما قبل دخول البهاري للبلاد.

9- شاع الدين ود التويم
وهو جد الشُكرية وقد وردت الإشارة في تاريخ الشُكرية إلى أنهم كانوا يتحدون سلطة الفونج، وان أحد رؤسائهم استطاع أن يتزوج من ابنة ملك سنار. وشاع الدين لم يكن أقل من سابقيه من حيث الشجاعـة والمكانة الاجتماعية، بل أن في بعض المراجع ما يفيد اتصال شاع الدين نسباً بالحسن بن على كرم الله وجهه عن طريق اتصاله بسكينة بنت الشيخ أبي صالح بن عبد القادر الجيلاني.

10- الشيخ رحمة الحلاوي
ترجم له ود ضيف الله: (الفقيه رحمه الله أخذ الطريق على الشيخ تاج الدين البهاري وكان يسلك الطريقة) وقيل: (هو الفكي رحمه بن جمعه بن عفيف بن إبراهيم بن الشيخ محمد الذي ورد نسبه في شجرة نسب الحلاويين) وهو مدفون بمنطقة الحلاويين بقرية (مناقزة) ، وقبره يزار ومبني عليه مشهد ضريح.

11- الشيخ حمد النجيض:
حمد النجيض العوضابي الجموعي أخذ الطريق من الشيخ تاج الدين البهاري، هو أحد الشيوخ الذين قدم اليهم الشيخ ود حسونه لأخذ الطريق عليهم. قرأ القرآن دهراً طويلاً وكان له عند الشيخ عجيب منزلة، بنى له مسجداً بموطنه في الجزيرة إسلانج. وهو يعد من تلاميذ البهاري الذين انتفع الناس بهم، فأوقد نار القرآن الكريم وكان يسلك الطريق حتى إن الشيخ حسن ود حسونه طلب السلوك عليه كما ورد.





12- الحاج عيسى بن قنديل
قال الشيخ حسن الفاتح بن قريب الله: (حدثني الشيخ مجذوب جلال الدين بأن جدهم الحاج عيسى بن قنديل بن حمد بن عبد العال كان من تلاميذ البهاري كذلك)(1) ولكن لم ترد ترجمة الحاج عيسى في طبقات ود ضيف الله كغيره من الكثيرين من كبار تلاميذ الشيخ البهاري الذين لم يتح لود ضيف الله أن يكتب عنهم مع من كتب من تلاميذ الشيخ البهاري.
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-09-2012   #6
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي رد: كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

شـيوخ أسـوة وقـدوة في الطـريق

خلّ الهوى واصحبن للعارفين عسى تنجــو بصحـبتـهـم مـن زلة القـــدم
وحــسّـن الظـن فـيهم في حــياتهــــم مـادمـت حياً وأيضاً بعد موتهــــــم
هــم أهــــل ودّي أيضاً والذين هــمو كالبازِ وصفاً وكل الناس كالرخـــم
لم يقـبلوا حـال صحـــوٍ ثم سكرهـــم غــير اتباع نبي العرب والعُجـــــم
لا تقــــتدي بأناس غــــيرهـــم أبـــداً نفـوسهــم لسـبـيل القـرب لم ترم(1)

ينطلق القلم مُحبراً عن حياة وأحوال قطبين من شيوخ الطريق الصوفي، ازدان بهما السودان تقوىً وصلاحاً، عاشا فترة المملكة السنارية، وكانا بعد الشيخ البهاري بقليل. والقطبان هما الشيخ إدريس ود الأرباب والشيخ ود حسونة الباذل.
كان لهما دور كبير وبارز في حركة التصوف تربية ونشراً، وقد انفردت مدرستاهما عن غيرهما بمميزاتِ موردٍ ومذاقٍ خاص، كان لهما الأثر الكبير على عامة رجال الطريق الصوفي في السودان اعترافاً لهما بالفضل والولاية، وظلا معيناً يأخذ منه الناس القدوة والأسوة، لم يمحُ آثارهما الصالحة تطاول القرون وتداول الحدثان.
تميزت مدرسة الشيخ ود الأرباب الصوفية بلونها العلمي الذي نهل منه طلابه، وخطت مدرسة طريقه في الحياة منهجاً عرفانياً اَقتدى به أهل البـلاد خمسة قرون من الزمان، ولا تزال ولايته معلماً ينتفع بآثارها ويغرف من معين علومها.
والشيخ ود حسونه الذي له لونه المميَّز بالبذل والكرم الذي لم يُسبق في ميدانه، وفارس لم يُبارَ في حلبة المجاهدات والزهـد. مع ما منّ الله عليه من خيرات الحياة المتدفقة إلا أنه ألزم النفس زهداً لا يطيقه إلا الكبار مثله، وقد كان أسوة التصوف صفاءً وطهراً، وآيةُ ولايةٍ غمرت الحياة بعرفانها وفضلها، فانجذب الناس إليها من كل حدب وصوب بما ظهر على يديه من كثرة الكرامات، وكانت آداب طريقه المحبة التي هدت الناس إلى الله تعالى، ولا تزال آثـار قدميه باقيةً على تلك الحجارة الكرانيتية يحفظها جبل تعبّده (الغار) الذي يقع الآن شمال مسيده المعروف بالخرطوم شرق النيل.
انطوت تلك الحياة من الوجود وهي سنة الله المكتوبة على كل نفس، إلا أن شيئاً بقي معلماً هو سر خلود الآثار الصالحة بعدهما خمسة قرون من الزمن محفوظة في الحيـاة السودانية ولا تزال الأجيال على مختلف طبقاتها ترى فيهما الاقتداء والأسوة.











1- - الشيخ إدريس ود الأرباب
نسبه وميلاده:
هو الشيخ إدريس بن محمد الأرباب بن على بن إدريس بن فلاح. والدته صُلحة بنت الشريف أبو دُنانة (1).
يتصل نسب والده بالأنصار وأن أجداده دخلوا البلاد ضمن القبائل العربية التي تدفقت مع الجيوش الإسلامية الفاتحة ويبدو أن أسلافه استقروا وقتاً بديار المحس وهذا جعلهم يشتهرون بالمحس ثم رحلوا إلى وسط البلاد في وقت مبكر.
نشأته وتلقيه العلم:
اختلفت الروايات حول مسقط رأسه. في طبقات ود ضيف الله أنه ولد (بالعيله فونج) أي العيلفون الآن وهو اسم مركب من عائلة فونج التي كانت تسكن على شط النيل الشرقي، ولعل الشيخ إدريس في سياحته على عادة رجال التصوف قادته الأقدار إلى شط النيل الشرقي، ولما رأى ضعف حال القاطنين في هذا المكان ارتأى أن يكون معهم للإصلاح والإرشاد الديني كعادة أهل الدعوة إلى الله وهو رجلٌ من أصحاب المقدرة العلمية العالية التي يأتي قصصها في ماكان في رحاب الازهر.
يقول: (الفكي الصديق حضرة أنه ولد في جهة شمبات في محل يقال له شوطحت ما بين السكة حديد البحرية وبحري شمبات) (2).
ثمة دلائل تؤكد ولادته ونشأته بتلك المنطقة، تلقى تعليم القرآن الكريم على (الشيخ البنداري) ثم تابع مراحله الدراسية على الشيخ حمد ولد زروق بالصبابي. وقد كانت دراسته على الشيخ البنداري تُعد المرحله الأولى وصل في القراءة والكتابة فيها إلى مرحلة الاطلاع والدراسة الخاصة وعله حفظ عليه القرآن أو جود قراءته.
ومدرسة الشيخ حمد إلى جانب القرآن كانت تقوم بدراسة العلوم الفقهية واللسانية. وقد أشار إلى ذلك أحد الباحثين بقوله: (ويبدو أن هذه الشعبة كانت من القوة بمكان، بدليل أنها هيأت الشيخ إدريس لمنازلة الشيخ عليّ الأجهوري في ميدان الفقه، والشيخ عليّ الأجهوري لم يكن عالماً مالكياً فحسب، وإنما كان شيخ المالكية في عصره وإمام الأئمة وعَلم الإرشاد وعلّامة عصره، ومنازلته إذا دلت على شيءٍ فإنما تدل على قــوة وتمكّن المُنازِل في الفقه)(1).
ويشير ود ضيف إلى ما كان يمتاز به من علوم بعبارات تكاد تخرجه عن طوره الكسبي الذي أفنى فيه زهرة حياته قال: كان رضي الله عنه (لا يُتحدث معه في علم من العلوم إلا تحدث معك فيه حتى يقول السامع له إنه لا يحسن غير هذا العلم، فتكلم في علم الأولين والآخرين والأمم الماضية).
لقد كان الشيخ إدريس من كبار علماء المالكية في المملكه السنارية آنذاك وقد فاق علماء وقته بما سابر عليه من إطلاعٍ واسع على مختلف العلوم وهذا ما أشارت إليه عبارة ود ضيف قوله (فكان أكابر العلماء يكونون بين يديه كالأطفال) ويبدو ان اكثر علماء وقته كانت لاتتعدى علومهم الفقه واللغه العربية وهذا التفوق جعله يبدي آراءه الخاصه في المسائل العلمية التي يحاور فيها الفقهاء وعلَّ هذا الخروج عن القيود الفقهية العتيقة جعل بعض العلماء ينقمون ويغمزون ويلمزون في آرائه، ولعل كثرة الحوار والمناظرات لمست أحوالاً شعبية في المملكة السنارية، يريد الناس فيها الفتوى وهي مسألة شرب الدخان، وقد تناظر العلماء في حله وحرمته في بلدان الإسلام المختلفة وتناظر الشيخ إدريس مع الشريف عبد الوهاب رجل (أبو سمبل) بحضرة الشيخ عجيب المانجلك ولعله هو الذي طلب المحاورة العلمية بين الرجلين، فقد كان يرى الشيخ إدريس حرمته، فيقول له الشريف عبد الوهاب: (من راسك أو من كراسك)، وهو يرى إباحة الدخان.
وقد رتب الشيخ إدريس فتواه على آراء وحوادث سابقة لها وجاهتها العلمية وتحدث عن فتوى السلطان مصطفى، ومذهب الإمام مالك في طاعة السلطان، ثم تحدث عن أمور لم يرد فيها نص من الشارع وهي من دقائق الفقه الاجتهادي التي تخرج الفقيه عن الطور التقليدي إلى الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص. وهو حق مكفول شرعاً وعقلاً، والأمر دعاه إلى مكاتبة الشيخ الأجهوري فكتب رسالة مع تلميذه حمد ود أبو عقرب يوضح فيها رأيه الفقهي في حرمة التنباك، ويبدو أن الشيخ الأجهوري أوقفته عبارة لم تنسجم معه، قول الشيخ إدريس: "سمعت رسول الله() قال: التمباك حرام". فرمى الرسالة لصاحبها ود ابوعقرب وقال له شيخك صحابي يا (بريِ)(1). ولعل شرب الدخان والجدل أخذ طوراً جديداً أثرى الحوار بين العلماء للوصول إلى الفتوى التي ترفع الثقل عن كاهل الشعوب. يبدو أن الشيخ إدريس كان يسمع بفتوى الشيخ عليّ الأجهوري بإباحته للدخان (السجائر) فكاتبه من هذا المنطلق وكان صحن الأزهر يمثل حلبة صراع بين العلماء في تناول الموضوعات المختلفة، ومسألة الدخان وتعاطيه مسألة شغلت العالم الإسلامي وأمر الفتوى فيه ليس بالسهل، ولم تصفُ في ذلك الساحة لفتوى الشيخ الأجهوري، وكان الميدان واسِعاً فيما لم يرد فيه نص شرعي، يبدو أنّ رسالة الشيخ إدريس ود الأرباب أثارت جدلاً علمياً ساخناً في ساحة الأزهر وأنّ تلميذه حمد قصد عرض الرسالة على دوائرها ووصل الأمر فيها بين علمين من أعلام العلم والفقه يشار إليهما بالبنان وقد دعا الأمر بينهما إلى (المباهلة) الشيخ عليّ الاجهوري شيخ علماء المالكية بالأزهر والشيخ إبراهيم اللقاني رصيفه في ذلك وهو صاحب (عقيدة الجوهرة) الأشعرية الشهيره كلاهما من علماء المالكية، فكانت المباهلة من الشيخ اللقاني لأن أمر الدخان والحديث فيه لم يرد فيه نص بحرمته أو إباحته، وهو أمر مطروح للنظرة العلمية والآراء حول فوائدٍ أو أضرارٍ في الدخان، والرؤية الصائبة وهي التي تجنب الإنسان الضرر، وفي فقه الدين مصالح مرسلة لخدمة الإنسان، ولعل من ذهب إلى حرمته بنى رأيه على قاعدة الضرر فيما يصيب جسد الإنسان و يتلف المال فيما ليس فيه نفع وفي ذلك أضرار كثيرهً، ومن ذهب إلى إباحته يرى أنه غير مسكر وغير مخدر أو مذهب للعقل ولكنه مع عدم الحرمة يرى بعض العلماء تجنبه، والأمر في هذا شائك إلى يومنا هذا، والعلم كل يوم يكشف أضراراً في تدخين التبغ.
قال الشيخ اللقاني في مباهلته: اللهم من أصبح منا أعمى فهو على باطل فكل من الرجلين يعلم أثر هذا الدعاء عليه ولكنه موقن بصحة رأيه، فأصبح الشيخ الأجهوري أعمى بسبب ضربة في رأسه من أحد الجهلاء في فتوى عرضها عليه في زوجته المطلقة ثلاثاً فحرمها عليه بمنصوص الشرع حتي تنكِحَ زوجاً غيره، وقد استكبر صاحب الفتوى الأمر، وقد شفى الله الشيخ الأجهوري مما أصابه من سحابة عمى فرأى رؤية نبوية متعلقة بأمر الدخان.
طلب بعدها تلميذ الشيخ إدريس حمد ود أبو عقرب وأرسل معه هدية تقديرية لأستاذه لمكانته العلمية التي لمسها في رسالته، وكذلك لشَفافية المنحى الروّحي الذي ترآى له من خلال الرؤية النبوية، وقد كانت الهدية عبارة عن لبس العلماء وهي (عُباءة جوخة وعمامة وشدَّة "أي حُزام") والراية الأجهورية المشهورة مصنوعة من النحاس عليها هلال بتاريخ [981هـ] توجد الآن عند خلفائه(1)، وتقريباً أن عُمره كان آنذآك 69 سنة من تاريخ ولادته الذي يؤرخ له 912هـ من القرن العاشر. وقد كان للشيخ إدريس رأي اجتهادي خاص يختلف فيه مع الفقهاء، وهذا جانب يختلف طابعه مع الفقيه التقليدي الذي حفظ المتون وصال في حواشيها يفتي من خلالها ولا يستطيع تعدي مرسومها، وقد أثار هذا بينه وبين الفقهاء جدلاً كثيراً في مختلف القضايا ومن بينها قضية الدخان، وعلّ الشيخ صغيرون صاحب قوز العلم دعته مكانته العلمية أن يقف على حقيقة الرجل الذي تحدث فيه الناس بين قادح ومادح، فقدم إليه ومعه عشرون طالباً معهم كتب الفقه التي ترتكز عليها أحداث الفتوى، اختاروا سبع عشرة مسألة ويبدو أنها من الأمور التي لمسوا أن للشيخ إدريس فيها رأياً اجتهادياً أجاب كل مسألة بما يوافق روح الفقه والسعة العلمية التي كان الشيخ صغيرون من رجالها فسلموا له بالعلم وبصحة الفتوى. يقول ود ضيف: (سلك عليه هو وتلاميذه طريق التصوف)(2).
هذا الجانب الاجتهادي الذي يتمتع به العلامة الكبير الشيخ إدريس ود الأرباب عله لم يرضِ الفقهاء التقليديين فظلوا يؤلبون عليه العامة ويبدو أن تحريمه للدخان وجد في نفوس متعاطيه مرتعاً خصباً للاستجابة، وقد أحدث هذا عداوات كان لها أثرها عليه حتى إنه اشتكى لرصيفه في العلم والمناحي الروحية الشيخ محمد عيسى سوار الذهب فرد عليه بأبيات فيها من التسلية والتسرية وتطييب الخاطر فقال:
والله لو كان بين الناس جبريل لابد فـيـه مــن قـال ومن قــيـــلا
قــالوا في الله أضعافاً مضاعفة تُتــــلى إذا رُتــل القرآن تـرتيــلا
وقــد قـالــوا له ابـن وصـاحبـة إثماً وزوراً وتعطيـلاً و تـبـــديلاً
انـظـر كلامهـم في الله خـالـقهم فكيف إذا قيـــل مـــا قيــــــــلا

سلوكـه الصوفي:
مفتاح الحديث عن سلوك الشيخ ود الأرباب استلزم أن نستضيء بما للتجربة الصوفية من ماضٍ طويل. وما يمكن أن يؤخذ من مستخلصها من آدابٍ قيمة التزم بها الشيوخ، فإنه مع تباعد الأزمنة وتكاثف غيوم غطت المعلومة الصحيحة، يصبح الأمر بحاجة إلى بذل الجهد طلباً للمعرفة بما كان للشيخ من بدايات وسلسلة عهدية. طرفها القريب أخـذه من أستاذ أوصله برجال سند تلك السلسلة، إلا أن هذا تظلله سحابة من الغيوم تجعل الوصول إليه صعباً وتوشك أن تجعل ذلك في مصاف المستحيل. ولما كان الشيخ إدريس من كبار شيوخ الطـريق الصوفي في السودان، وكانت الطريقة القادرية في تلك الحقبة معلماً ومسلكاً سائداً في البلاد، وللشيخ إدريس علاقة مع بعض الشيوخ الذين يتقدمونه عمراً كالشيخ بانقا الضرير رجل غابة الحمر وغيره من الشيوخ المعاصرين، فهذا الترابط واستمراره دعا إلى البحث والقول: إنه قطعاً لم يكن من الذين أخذوا على الشيخ البهاري أوتلاميذه.
قال ود ضيف: إنه أخذ من رجل يقال له عبد الكافي جاءه بالخطوة(1) والحديث في ذلك من الشريف يوسف الهنـدي ثر، و أكثر تفصيلاً، فقال: قدم عليه رجل من المغرب بالخطوة اسمه عبد الكافي أعطاه الطريقة عند شجرة السّرح التي كانت أمام العيلفون إلى وقت قريب(2) ويورد ود ضيف أنه أخذ بيعة روحية من النبي()(3) مع ما ورد من روايات يؤخذ بها في المنحى الصوفي ويتعامل مع روحيتها، إلا أننا نذهب إلى التعامل العرفي الذي يقرِّب لنا مسافة الأبعاد وهي الوثائق، وهي تسمح بالقول: إنه تلقى القرآن والعلم من الشيخ البنداري والشيخ حمد ود زروق صاحب الصبابي، الأول يرجع مجيئه من الشام مركز الطريقـة القادرية لوجود أحفاد الشيخ عبد القادر الجيلاني به، والثاني أصله من اليمن التي انتشرت فيها الطريقة منذ حياة الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمة الله. وقال اليافعي اليمني المتوفى سنة 768هـ: إن شيوخ اليمن الأكابر والأصاغر يرجع أكثرهم في لِبس الخِرقة إلى الشيخ الجيلاني، وقد قامت مدرسة صوفية كبيرة باليمن على يـد الشيخ شرف الدين الجبرْتي القـادري المتوفى سنة 806 هـ وتخرج في المدرسة العديـد من الشيوخ المميزيـن وعلى رأسهم الفيروز أبادي صاحب القاموس والشيخ عبد الكريم الجيلي(4).
نأخذ من قدوم الشيخين ومناحيهما الصوفية، فقد أتيا البلاد كغيرهما من رجـال التصوف لنشر الدين، وبث السلوك الصوفي الذي كان سمة رجال العلم في تلك العصور، ولعل هذا الطابع دعا إلى أخذ الشيخ إدريس التلقين من أحدهما، وعبارة الشيخ البنداري معه التي أوردها ود ضيف(5) تشير إلى التعامل الصوفي الواضح بين التلميذ والشيخ. هذا الانطباع الذهني تسنده نصوصٌ.
قال الشيخ خوجلي: (أول من أوقد نار الشيخ عبد القادر الجيلي في السودان هو الشيخ إدريس)(1).
يبدو أن للشيخ خوجلي معلومة وافرة عن صلة الشيخ إدريس وروابطه القادرية، فإلى جانب القرب الزمني كذلك عامل الصلة النوعية (صلة القربى أي النسب) هذا جعل الشيخ خوجلي يتحدث عن أفضال الشيخ إدريس، وإيقاده نار الجيلي الذي يعني فتح أبواب التكايا سخاءً وكرماً وجلوساً على منبر الدعوة إلى الله إرشاداً علمياً وسلوكاً روحياً، فقد انتشرت طريقته في البلاد. ورأى أثناء ذلك أن يجيز نوّاباً يحملون معه عبء المسؤولية وكان من أولئك:
الشيخ أبو القاسم راجل الكِدوة، والشيخ عبد الرحمن ود طراف الحادو، والشيخ عبد الحليم بن سلطان، والشيخ عبد الله حسوبة المغربي، والشيخ محمد فايد الشريف، والشيخ مازوري التنقاري، والشيخ حمودة التنقاري، والشيخ صغيرون الشقلاوي، والشيخ صغيرون صاحب القوز وهو محمد بن سرحان، والشيخ محمد بن التنقاري الجعلي، والشيخ عركي بن الشيخ إدريس ود الأرباب، والشيخ بركات بن حمد بن الشيخ إدريس، والشيخ نعيم البطحاني، والشيخ سالم الفزاري، والشيخ مضوي العراقي، والشيخ عبده المسمى بحر المالح، والشيخ إبراهيم العقلي والشيخ محمد الخِيار بن الفكي عمر(2).


الشيخ ود الأرباب في الحياة السودانية:
فقد كان البذل والعطاء صفة ووصفاً لحياة كبار الشيوخ، وليس الأمر في هذا ميسراً لكل أحد من الناس لابد من تطبيع النفس على الإنفاق في وجوه الخير، والحديث عن أستاذ يمتاز بالجوانب الخيرة في الحياة الاجتماعية، وله الباع الطويل في خدمة الدين واستمراريته في البلاد خمسة قرون حتى وصلنا موروثه.
الكرم والبذل صفتان من الوسائل المهمة في خدمة الدين فهما من الصفات المحبوبة. فقد كان الكرم خصلة إبراهيمية لها أثر عظيم في حياة الناس، وهذا جعلنا ننظر في شيخ التصوف ود الأرباب والمنحى الإكرامي في حياته.
قال ود ضيف واصفاً النفقة اليومية: (إن قُداحته ستون قدحاً والكسرة مديدة يسوطها الفقراء ومعهم الخدم) وتجري عبارة ود ضيف في وصفه الذي اعتـاد أن يسيل به مداد قلمـه واصفاً الكسرة وعليها المرق أي الملاح فقال: (دكاكه "يعنى أنها مستطابة وشهية" ونجيضة وخميرة وعليها الماء والفلفل) تارة تكون بالملاح وتارة تكون بالماء.
ويوصف ود ضيف كذلك أحوالاً نادرة من المد الاجتماعي في حياة الشيخ ود الأرباب فقال: يَقدُم حواره الشيخ محمد فايد في كل عام لزيارة الشيخ من البحر الأحمر وتحضر معه قبائل الشرق عرب أكد وعرب التاكا وقبائل جهينة وغيرهم، ينزلون خارج الحلة من كثرة الوافدين، والعشّام تأتي من جبل أم عليّ ومن أربجي ومن الشرق والغرب والشيخ محمد فايد يدخِلَ الناس طائفةً- طائفة بهداياهم من سمن ودقيق وقماش وإبل، وفي العشية كذلك والعشام أصحاب الحاجة يُقسِم عليهم الشيخ كل ما دخل عليه.
قال الشيخ صالح ود بانقا ما وصل للشيخ شيء قط من أموال هذه الجلابة إلا عشرة محلق(فضة) عله خرص أو سوار فضة ناولها إلى امرأة).
أردنا بعرض هذه الصورة المتدفقة جمالاً والمترنحة أحوالاً عرضاً لحياة رجال التصوف في هذه البلاد من عصور مبكرة بذلت تلك النفوس بسخاءٍ كل ما تملك في قضاء حوائج الناس، وقد ضن أولئك الرجال على الخِزانات أن يُستودع أو يحفظ فيها شيء من الدراهم والدنانير التي يكتنزها الناس الآن بشحٍ وبخلٍ من أن توصل إلى ذي حاجة، نعم كانت خزانة ولكنها هي: بطن الجائع واليتيم والفقير والمسكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل.
وعلَّ جدول الذكرى النشوان يجعل المداد يسطر في هؤلاء الشيوخ قول الفرزدق لجرير:
هؤلاء آبائى فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
لقد ظلت حياة كبار شيوخ التصوف في هذه البلاد معلماً شامخاً ارتوت من فحوى نداهم النفوس، وذلك بما بذلوا ونشروا من العلم والقرآن فكان أساس دولة الإسلام السنارية، وما كان منهم حفظ سماحة الدين وخُلقه الرفيع في شرايين الحياة السودانية.
وكان الشيخ ود الأرباب وأضرابه الشيوخ الأولياء نشراً للدين وتأميناً للبلاد من الفتن التي من طبيعتها أن تظهر بين حواشى الملوك ورجال الحكم من حين وآخر تكاد قلاقلها تذهب بريح الدولة التي قامت وبنيت على أنقاض وثنية وممالك مسيحية، والشيوخ مع هذا وذاك كانوا فيحاء نديّة تلتجىء إليها الحكام من كدر وهموم الحياة الفانية وضيق القصور ولنا مثال: (أن الملك بادي ملك سنار جمع كبار الفُونج وقال لهم الشيخ إدريس شيخي وأبوي. داري من العسل إلى البصل(1) بقسم ليهو النص). امتنع الشيخ ود الارباب من ذلك عفة وصيانة للنفس أنى للبلاد أن تجود بمثل هؤلاء الرجال.
وقد كانت حياة الشيخ ود الأرباب المتصف بالاتزان والأناة كل ساعة من ساعة حياته عطاءً في تهدئة الأمور بين رجال الدولة حفاظاً على الأرواح وتأميناً للبلاد من الفتن، ولعّل الشيخ ود الأرباب وأمثاله من الشيوخ كانت نظرتهم موجهة نحو المملكة السنّارية لأنها تعني عندهم دولة الإسلام، وهذا أوجب عليهم حفظها وأمنها من تيارات الفتن، وهذا أمر بحق يجعلنا نقف مع حياة الشيوخ ونظرتهم في الدولة والحفاظ عليها، لعّل الحفاظ على الدولة من خلال النظر منهم يختلف عن صور التعامل مع النظام الذي يعبر عنه بالحزب الحاكم لأن هذه النظم تزول بعامل الزمن وتكون الدولة باقية أسسها ومرتكزاتها لمن يحكم بعد، ولعًل لمحات من هذا التعامل توضح دور شيخ التصوف ود الأرباب في الحياة الاجتماعية شعبياً ورسمياً.
وقد امتدت الحياة بالشيخ العلامة الحُجّة ود الأرباب إلى عمر شارف سبعة وأربعين ومائة من السنين، شاع فيها أمر الدين عالياً بما بذل من جهود فى مرضاة الله، وكان نفحةً ربانيةً أسعد الله بها كثيراً من الناس، ثم قبض روحه إليه في سنة 1060هـ. رحمه الله رحمة واسعة وأنعم عليه بشآبيب المغفرة والرضوان، جزاء ما قـدم لأمـة الإسلام في السودان.





3- الشيخ حسن ود حسونة
مـيلادهُ ونشـأتـهُ:
هو الشيخ حسن ود حسونة بن الحاج موسى بن محمد بن جمال الدين بن محمد بن حسن بن على بن إبراهيم بن إدريس بن صالح بن حسونة بن موسى بن عبد الله بن إسحاق بن الحسن بن إبراهيم بن المرتضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الأمام الحسين بن الإمام على كرم الله وجهه(1).
قدم جـده الحاج موسى من الجزيرة الخضراء بالأندلس وتزوج من قبيلة المسلمية فوُلد له حسونة الذي تزوج من بنت خاله فاطمة، فولدت له أربعة أبناء الشيخ حسن، والشيخ العجمي، وسوار، والحاجة نفيسة. وقيل إن مولده سنة 968هـ(2) في منطقة الجزيرة كجوج التي تقع شمال الخرطوم بالقرب من شندي، فنشأ تحت رعاية والده، ولم يذكر أنه التحق بخلوة لقراءة القرآن الكريم. وشبَّ على كثرة الذكر والعبادة ومحبة الصالحين، ولما بلغ سناً تمكنه من المعرفة قام بالبحث عن الشيخ الذي يبايعه ويأخذ عنه آداب السلوك.
قال الكوفي قال لي الشيخ حسن: (أخبرك يا كوفي بدايتي: أول أمري خرجت أطلب لي شيخاً في الطريقة فدخلت الجزيرة إسلانج، فأكرموني وضيفوني، فقلت هؤلاء أكرموني وضيفوني ما هم شيوخي. سافرت إلى الجزيرة انقاوى فأكرموني فيها، فقلت ما هم شيوخي. ثم جيت إلى المطرفية فوجدت الفقيه أبو بكر(3) شيخاً كبيراً مجتمعين عنده الناس على كرامـة (1) فقال لواحد منهم: يوجد لحم؟ قال له: نعم، قال: فِي* ملاح؟ قال نعم. قال لي: يا فقير شيل هذه الفضلة ملحها بالماء وكُل. فقلت هذا الما أكرمني هو شيخي. ثم قال لي: يا فقير املأ هذه الركوة من البحر، فلما جيت عند البحر امتلأت وحدها من البحر وجاءتني من غير ما أملأها. فجيت إلى الشيخ فوجدته شاباً. فتوضأ فصلى ثم طال حتى وصل رأسه سقف الخلوة، ثم عاد إلى حاله شيخاً. فقلت في نفسي هذا شيخي. فقال: أنا مانِ(2) شيخك، أمشي أدخل ليك خلوة في باعوضة(3) فإن شيخك يجيك فيها. فانه يكون لك شأن عظيم، أبقى بعدنا على ذريتنا عشرة)(4).
كان الشيخ حسن في بحثه عن الشيخ المربى حريصاً على الإذعان والتسليم لمن يأخذه بشيء من الخشونة التي تعينه على قوة التحمل وارتياد الصعاب، وقد وجد طلبه في الشيخ الفقيه أبو بكر الشهير بـ (رجل حجر العسل)، الذي أنبأه بأنه ليس هو شيخه، ومع ذلك فقد أرشده إلى دخول الخلوة.
الطريق إلى خـلوة باعـوضـة:
التعريف بخلوة باعوضة يعني الاعتكاف إلى زمنٍ ما، وهو مطلب الحياة الروحية فقد كان التوفيق فيها نعمةً هوّنت على ود حسونه كل صعب من انواع المجاهدات، من عزلة انفرادية وجوع وسهر وديمومة ذكرٍ.
تسوقنا خلوة ودحسونه إلى انواع المجاهدات التي تكبدها بالصيام والذكر والسهر، ومن المعروف أنه كلما ضعفت قوى النفس الحيوانيه يقود هذا إلى خطوة اكبر، وقد اعطت التجربه الروحيه أصحابها انه كلما ترك الانسان شيء من اللذائذ والمطالب الشهيه يخلف هذا قوة معوض روحي يُغني الانسان عن كثير من المتناولات.
ولعل اصحاب التجربة يستمدون الاستدلال بقوة المعوض من قول النبي(): (أبيت عند ربي فيطعمني ويسقينِ).
المجاهدات نافلة ذكرٍ يختارها الانسان غير فرض اوجب ذلك، وهذا ما كان من الشيخ ود حسونه وأضرابه، الذين بذلوا النفس في رضاء الله سبحانه وتعالى. تقول الأمثال الصوفية (في قتل النفس حياة الأبد)، ولعل في الوحي القرآني إشارة إلى ذلك ﮋ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮊ [البقرة: ٥٤] وغير ذلك آيات تشير إلى المعاناة وتخليص النفس مما يعكر صفوها الروحي.
يسوقنا التعريف إلى خلوة باعوضة أن نسمع ونقرأ ما حدث من الشيخ ود حسونه في عزلته التي ارتضاها مطمئن لما يحصل له فيها من خير، وبما وعده به الفقيه أبو بكر، فذهب ودخل خلـوته البادئ فيها كل شئ بالمصاعب، وكل ما هو مخالف لما انطبعت عليه النفس من مألوف، والانسلاخ من ذلك يحتاج إلى قوة نفس وصبر يصمد صاحبه في حلبة الصراع الجبار.
فهل كان شيخنا ود حسونه ذلك الفتى الذي لم يتجاوز العشرين إلا قليلاً من الصنف الذي يستطيع ويتحمل ذلك الصراع الذي يتقهقر منه أولي القوة والبأس؟.
ونأخذ بتصرف لمحات من حديث ابوحميده تلميذ الشيخ ودحسونه قال انه: (بنى له بيتاً على الضفاف الشرقي من الجزيرة باعوضة مقابلاً للخلوة يقوم بالخدمة اللازمة)(1).
ويبدو أن طول المكث الذي صبر على شدته ود حسونه أحدث بعض التطورات في العبادة والزهد بالتخفيف عن كثير من المألوف من مأكل ومشرب، حتى أنه طلب من أبي حميدة أن ينسج له قميصاً من لحاء العُشَر يلبسه بدلاً من الثياب العادية، وهذا شيء ارتآه ود حسونه وارتضاه لنفسه، وله في هذا ما رأى من ملبوس... الإنسان في عرف الحياة له اختياره، أن يسكن في الأكواخ متزهـداً، أو أن يسكن مستمتعاً في المباني الجميلة ما دام المال من كسب حلال غير مغتصب أو كان من وجه ربـوي، الوجه الحلال في الكسب يجعل للانسان الخيرة في أحواله الدنيوية (قل من حرمة زينة الله) يلبس الملابس الفاخرة من غير عجب أو تفاخر، وكذلك له ان يلبس ما شاء من متواضع الثياب متزهداً، النظرة التشريعية تتسع لذلك كله من غير ضيق.
ويجري الحديث في هذا عما كان من الشيخ ود حسونه في خلوته الاعتزالية فهو أمر ارتأه وعانى فيه كل صعب، صابراً محتسباً، وهذا كان بامر من الفقيه ابوبكر رحمه الله.
قال له: (أنا ما شيخك أدخل خلوة في باعوضة فإن شيخك يجيك فيها)(3).
امتثل ود حسونة أمر أستاذه الفقيه أبوبكر وتسابقت خطواته فرحةً إلى معتكفه بالجزيرة الصامتة إلاّ ما كان من تغريد الطيور وصرير الصراصير التي تصك صماخ الأذن... كل شئ في الجزيرة صامت ومخيف... يزيد ذلك حفيف الأشجار وتضارب الأمواج على حافة الشاطئ، إنه مكان موحش ومخيف بتسلق ثعابينه سوق الأشجار صعوداً وهبوطاً، وقدم إلى هذا الشيخ الفتى، ولكن هل فكر بروّية وتصور هذه المخاطر وما في الجزيرة من وحشة وصعاب تواجهه وهو ملتف بجدران خلوته المستديرة التي بنيت على عجلٍ من غير جودة و منفذ هواء أو ضوء يتسرب من مسام فتحة في الجدار، احوال فوق التصور تُعد عند البعض نسج اساطير ولكنها حقائق قد كانت ووثقتها بصمات الشيخ ودحسونه في خلواته سواءاً في الجبال او خلوة باعوضة يود ان لا يراه أحدٌ وكذلك أن لا يرى أحداً إلا أبوحميدة التلميذ المرافق لقضاء بعض الحوائج يأتي إليه بعد كل مرة من شرق الجزيرة.
وهنا يطيب الحديث ويجعل الوقت طيباً وجميلاً حديث الشيخ ود حسونة عن اعتكافه وما كان من احوال روحية تسمو عن العادية
قال: (قدمت باعوضة فاختليت للذكر والعبادة فجاءني رسول الله () ومعه عليٌّ وقيل أبو بكر فلقنني الـذكر)(1).
الحديث عن خلوة باعوضة لا يعني اعتكاف أيام قليلة بل أنه كان عدد سنين تتراوح بين الثلاث والخمس أو تزيد، والحديث عنها يسوق الى التطورات الغريبة التي حدثت وقائعها لود حسونة، وجاد ببثها من غير بخلٍ أو ضنٍّ، ولم يكن تناولها للمتعة القصصية التي تملاءُ الفراغ بحكيات الأحاجي، بل في الامر تطورات خطيرة في مناحي الروح، والحديث فيها يغوص إلى ما وراء أبعاد النفس وظواهرها التي تُعجز العقل. وما كان من أمر الروح فهو تبلور أطوار غريبة تجلُّ عن حديث الظواهر النفسية، ووددنا النظر في أمره أن يكون دقيقاً لضيق المسارب والمسام في احوال الروح.
لا أظن الحديث في هذا يستطيع طرقه كل أحد، وكذلك الإجابة لا أخالها تكون مغنية إن كانت من نظرةٍ سطحية لم يكن لها الالمام والعلم بتلك الاطوار واغوارها، على كلٍّ مهما أسبرنا الغور غوصاً وتأملاً لا يمكن أن يكون الحديث مفيداً مثل مكابدة حرارة السلوك إلا لمن شاء الله له ان تتفتح الرؤى الروحية.
ونقف عند بداية هذا التطور، يقول ود حسونة أنه أخذ البيعة من النبي ()، وكذلك صيغ الذكر الذي يتعبد به، يحكي هذا بكل وثوق أنه في حالة اليقظة. كيف هذا وكيف كان؟‍‍!‍ أنه أمر غير طبيعي لا يحصل للإنسان في حالته العادية، وإنما حالة من الإرتقاء طوت أسجاف الغلظ المادي والغشاء المتكاثف حول مرائي الروح، هذا الطور غير الطبيعي لا نحرم منه إلا بسبب القفص الجسدي وأحواله، وكما للجسد أحواله ومطالب حياته التي يتعشقها وكذلك للروح مطالبها وما تتعشقه من معان.
والإلتقاء بالنبي () في الحياة الفانية بلا ريب أمر مستغرب عند الكثير، ولا يستطيع له هضماً أو تفهما، ويضيف ود حسونة إلى بيعته التي تعني الإلتزام بأمر الدين كما هو مفهوم البيعة عند رجال التصوف، أنه لقّنه الذكر وهذا فيما يبدو أنه الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، كان له معوضاً روحياً في خلوته من أكل وشرب، وهو لا يعطى بمحاولة التكريس على تلاوة أعداد كثيرة لتسخير رئيٍّ من الجن أو غيره، كما يرهق بعض الناس أحوالهم في هذه الأوهام، وإنما هو سر يُعطى ويُمنح بمقادير وموازين إلهية. وقد أفرزت خلوة ود حسونة تطورات كان له فيها سعادة لا توازيها سعادة، وكل وصف يكون قاصراً عن التعبير عنها، فقد هون عليه كل صعب في خلوته ثم ما كان بعد في سياحته، وهو على سجادة الطريقة يوجه ويرشد في أمر الدين، ويبذل ويعطي عطاء من لا يخاف الفقر، هذا وغيره من أمور عادية تجري في حياة الشيخ ودحسونة.
ونترك سِنة اليراع تجري سعيدةً محبورةً بما غيض لها من تحبير عن رؤية المكاشفة الغريب علينا فيها كل شئ، إنه لقاء الروح الذي يَدقّ عن الأفهام وتعجز المدركة الإنسانية عن تصور وتخيل رؤيتها في الحياة العادية. ما حدث لود حسونة من هذا أمر لم يكن في اللحظات العادية، إنه ارتقاءٌ انعكس إشراقه على مرآة الروح أجلى في لوحها الشفيف رؤية الكائنات العلية، تحدّث ود حسونة عن هذا بكل وثوق مُبعداَ لكل توهم وتخيل غير سَوِيٍ، فقد كان في حالة من الإعتدال والتماسك نفسياً وعقلياً. ومع ما نذكر من أحوال تيسر الفهم لرؤية المكاشفة التي حصلت للشيخ ود حسونة يتأتى سؤالٌ: هل لعقولنا هضم وتصور الأبعاد الروحية التي تجلت له ظاهرتها الغريبة؟ إن غرابة التصور وعدم محاولة الفهم لعالم الروح أمر يجعل الغيب بكل صوره ومعانيه أمر مشكل على العقول. إن التأمل في هذه الواقعة يجب أن يكون بمنظار روحي يخترق الأسجاف المادية ويقرب النفسية المتجافية مع المفاهيم الروحية. وبجانب هذا لو سلطنا المجهر على مختبر تعامل الإنسان مع الذرة الخفية لاستخلاص روائعَ معجزةً عله يهون ما يصعب إدراكه، وحين نحاول البحث والنظر في قضايا الروح الشائكة المسالك وددنا أن لا يكون التعامل بعقلية ترفض كل ما لا تستطيع إدراكه، إن طرق مختبرات تجارب العلوم الإنسانية لفوائد الذرة التي لا ترى ينقلنا من النظرة المتجافية مع حقائق العلوم أيَا كان نوعها، والذرة مع ضآلتها وخفائها عن الأبصار لها وجود الحركة المدهشة، وهي مقدمة تفيد نتيجتها أن ما يكون لقلة من علماء الاكتشاف المادي يقرب مسافة العقل بتجويز خفايا اكتشاف تطلع عليها قلة من الربانيين في ملتمسها لعالم الروح الموّار بالحركة صعوداً وهبوطاً.
وكثيرٌ من أحوال النبوات الكريمة تعطي مفهوماً لإمكان الالتقاء مع الروح التي غادر صاحبها هذه الحياة. ومن هذا ندرك للروح وجوداً، تشعر بالألم والنعيم كما يشعر الجسد بها، وما كان له وجود وشعور تجوز الرؤية له وإلا حكم بعدمه. رغم محاذير كثيرة تضع حاجزاً من الخوض في أمر الروح وعالمها إلا أن تجربة الربانيين تفتح منفذاً للحديث.
ومع تنفس الصبح الذي يأمر بالرجوع من الرحلة الروحية المضنية وبعد ترويح وراحة قليلة من عناء السفر الذي شدّتنا أشواقه الى تلك الأبعاد نترك المكان خلياً لتلاميذ ود حسونة الذين جادت قرائحهم موثقةً أمر البيعة الروحية نظماً وروايةً، ومن هؤلاء إبراهيم الشيخ الإمام تلميذ ود حسونة وخليفته. قال في قصيدته الشهيرة مطلعها:
يـــوت عــند بابو زحمـة ذاك باب الرحمة زيــارو
الشـــيخ حـــسـن
من الرسول أخذ الطـــريقـة شــــــــيــــــخ الحــــقـيقــة
فوق أم أضان حل المضيقة إن قلت حسن نار الحريقة
الشـــيخ حـــسـن
الــنعــمـــــــــــــة حـــــــازا خذ مني هذا قولاً صحيح
من الرسـول جاتو الإجازة سيد القهيد سيد أم قزازة
الشــيخ حـســـن
وهنا تبدو قضية، وهي مسألة الإلتقاء بالنبي () يقظة والإستفادة منه، أمر يصعب استيعابه على الكثير، يحتاج إلى فقه بحقائق الروح وتطوراتها الغريبة (ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
فمن المشهور الجلي أن النبي () صلى بالأنبياء ليلة الإسراء والمعراج، والأجلى من ذلك أنه التقى بنبي الله موسى عليه السلام في معراجه فراجعه في الصلاة المفروضة. عن جابر أن الرسول () قال: (عرض على الأنبياء، فإذا موسى ضربٌ من الرجـال كأنه من رجال شنوءه. ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام فإذا اقـرب من رأيت به شبهاً هو عروة بن مسعود. ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم يعني نفسه ورأيت جبريل عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبهاً هو دحية بن خليفة).
وروي عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: سرنا مع رسول الله () فمر بوادي الأزرق فقال: أي وادي هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرق قال: (كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثُنيّة وله جؤارٌ إلى الله تعالى بالتلبية. ثم أتى على ثنية هرش فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرش. قال: كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة عليه جبة صوف، خطامُ ناقته خلبة وهو يلبي)(1).
وقال الجلال السيوطي رحمه الله: ولا تمتنع رؤية ذاته الشريفة بروحه وجسده، وذلك لأن النبي () وسائر الأنبياء عليهم السلام أحياء ردت اليهم أرواحهم بعد ما قبضوا. وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في العالم العلوي والسفلي(2). وقد أجمع جمهور العلماء على أن رؤية النبي () وسائر الأنبياء جائزة لمن أكرمه الله تعالى بذلك من أوليائه، لأنهم أحياء تنتقل أجسادهم الشريفة حيث شاءت طليقة تحج وتعتمر.
قال القاضي عياض رحمه الله فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات وهم في الدار الآخرة وليست هي دار عمل؟ فاعلم أن للمشايخ فيما يظهر لنا عن هذا أجوبة، إحداها أنهم كالشهداء بل هم أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم فلا يبعد أن يحجوا ويلبوا كما ورد في الحديث(3) الثاني أن عمل الآخرة ذكر ودعاء. قـال تعالى: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﭼ [يونس: ١٠]، قال البيهقي رحمه الله، بعد كلام عن حياة الأنبياء صلوات الله عليهم: فحمل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي() حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة. وكرامته رؤياه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال(1).
روى الطبراني بسنده عن ضمرة بن ثعلبة أنه أتى النبي() فقال له: ادع الله لي بالشهادة. فقال له النبي(): الله حرم دم ابن ثعلبة على المشركين والكفار. قال فكنت أحمل في عرض القوم فيتراءى لي النبي() خلفهم. فقيل يا بن ثعلبة إنك لتقرر وتحمل على القوم فقال: النبي() يتراءى لي فاحمل عليهم حتى أقف عنده. ثم يتراءى لي أصحابي فأحمل حتى أكون مع أصحابي. قال: فعمر زماناً طويلاً من دهره(2).
ولقد رآه جمع من أئمة الدين وأولياء الأمة وعدولها الذين ثبت عنهم، دقتهم العلمية وصدقهم.
ورد عن الشيخ المحدِّث جلال الدين السيوطي رحمه الله، أن شخصاً سأله شفاعة عند السلطان قايتباي فقال له: اعلم يا أخي أنني اجتمعت برسول الله () إلى وقتي هذا خمساً وسبعين مرة يقظة ومشافهة. ولولا خوفي من احتجابه () عني بسبب دخولي للولاة لطلعت القلعة وشفعت فيك عند السلطان. وإني رجل من خدام حديثه () واحتاج اليه في تصحيح الأحاديث التي ضعفها المحدثون من طريقهم، ولا شك أن نفع ذلك أرجح من نفعك أنت يا أخي(3).
وهؤلاء العلماء المثبت فضلهم في الدين تعتبر أقوالهم حجة. قال الإمام مالك رضي الله عنه: إن هذا العلم دين، فانظروا عن من تأخذون دينكم. ويسند هذه الأقوال حديث: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي(4).


المعـراج الـروحي:
إننا ندرك أن الحديث عن عالم الروح شائك الدروب والمسالك، رغم أن رؤى الربانيين من هذه الأمة توشك أن تكشف لنا عما وراء تلك الحجب التي تمنعنا عن رؤية تلك المعاني، إلا أنه يظل دقيقاً يجعلنا نتصف بالجهل المُطبق لهذه الأبعاد وأحداثها وما يجري فيها. ومع ذلك نفس الإنسان تتوق دوماً لسماع تلك الأحداث التي تشعره بتكريمه ككائن بشري، لا يستحيل عليه أن يحظى بفيض من الله، يرتقي به قفزة روحية إلى رحاب تضيق عنها الافهام، وتزلزل العقول زلـزلة شديدة إن لم تخضع لسلطان الإيمان، ولهذا نورد تتمة حديث الشيخ حسن رضي الله عنه، ونلتمس العذر لمن ثقل على إدراكه ذلك ووقف عقله مع الطبيعيات.
قال الكوفي: قال الشيخ: (يا كوفي أنا في الخلوة راقد، رأيت نجمة كبيرة في السماء تعلقت بها روحي وخرجت من جسمي فطارت، فخرقت السموات السبع فسمعت صريرالأقلام. فلو كان يا كوفي بعد محمد() نبي لتنبأت. ثم رجعت فوقعت في جزيرة من جزائر المالح(1)، فجاءني رجل لابس كسايين من صوف فلقنني اسمين ومشى معي خطوتين وجابني في قوز الصغيروناب(2) فوجدت الشيخ الزين في الدرس ومعه ثمانمائة طالب، فلما قابلتهم رطنت رطانة عجمية فتركوا القراءة، ثم رجعت فوجدت رواسي(3) عند مركب فأدخلني فيها، فجيت طالب خلوتي فوجـد أبي يكسر ألس(1) ساقيته. فقال يا فقير اقعد حتى ننزلك، الخلوة فيها فقير فخلاني "أي تركني"، فدخلت خلوتي فوجدت يا كوفي جثتي في الجبة إن نشروها بالمنشار ما تتحرك فماعت لها روحي فدخلت فيها، ثم جاني أبي فقال: أين الفقير الذي دخـل عليك؟ قلت له: ما دخل علي أحد، فقص الدرب منكّساً حتى جاء عند الرواسي أي رئيس المركب وأنا معه، فقال من رمى في مركبك اليوم؟ فقال له: جاني رجل رميته(2) يعاينني(3) وأراد أن يقول هذا ويسكت. ثم قال لي: يا حسن أنت يجوك الأولياء ليرشدوك) (4).
لقد اهتم العلماء قديماً وحديثاً بالبحث عن عوالم ما وراء المادة، وحتى أصحاب الفلسفات المادية أفردوا له أخيراً كراسي الأستاذية بالجامعات تحت اسم: علم ما وراء النفس أو الباراسايكولوجي، أدرجت تحته الكثير من المعارف المتعلقة به مثل تجارب الإتصال عن بعد دون وسيط مادي، وهو ما يعرف بالتيليباثي، ومثلاً للتأثير على الأشياء المادية بمجرد النظر اليها، وتجارب الإستحضار الروحي وهي التي يراها علماء الدين ضرباً من ضروب الإتصال بعالم الجن، والجميع يقف حائراً، دونه ودون الحقيقة حائل يصعب اختراقه.
ولكن أقرب الناس للصواب في هذا الفريق الذي يبحث في الشفافية الروحية من خلال تجربة الربانيين من هذه الأمة المحمدية. ويمكن القول عن هذا الحدث هو تألق روحي تستشرف الروح أثناءه عوالم الملك والملكوت، وسجلت مدركتها كل ما رأت أثناء هذا التألق العرفاني العظيم.
ويحضرنا هنا قول الإمام الغزالي عن الصوفية: من أول طريقهم تبدأ المشاهدات والمكاشفات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائـد. ثم يترقى الحال عن المشاهدة والصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها النطق، فلا يحاول أن يعبر عنها معبر إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه(1).
إن عالم الـروح غريب عن حِسنا العادي، وتصرفه يختلف عن عالمنا المادي الذي يتيسر الخوض فيه، لأن نواميسه المتاحة للإنسان بالنظر والتجربة، حتى يخيل اليه أنه يستطيع أن يفعل ما يريد. ورغم ذلك فقد حاولت بعض الأقلام أن تطرق عالم الروح المحجوب، لعلها بصدق حسها تجد منفذاً تلتمس منه معرفة يمكن نقلها للآخرين ولكن هذا العالم أسراره محجوبة.

الرحلة مع الزاهـد الملك:
عند خروج الشيخ حسن من خلوته التي مكث فيها وقتاً ليس بالقصير، ضربت اقدامه في فجاج الأرض للعبـادة والتأمل في صفحات الكون. والسياحة هي من جملة الآداب الصوفية التي يقصد بها أصحابها الخروج من المألوف.
قال صاحب الطبقات: (ثم بعد فراغه من الخلوة حجّ إلى بيت الله الحرام وساح في الأرض من الحجاز ومصر والشام نحو اثنتي عشرة سنة ومعه جماعة منهم أبو حميدة وأحمدتودْ الضنقلاوي. وبالجملة أربعون سنة من ميلاده(2) إلى بلوغه ودخوله الخلوات وسياحته في الأرض. قال الشيخ: قدمنا مكة ووجدنا فيها رجل شريف قطب، وتحدث معه في إمور كثيرة في حياته وحدث ما أشار اليه(3) فقد أقبلت الدنيا على الشيخ حسن بعد عودته من الحج والسياحة. وبارك الله له في أمـواله وسعيته فنمت إلى قدر عظيم. والحديث في تعامله مع الدنيا ورؤيته لها أنها فتنة ألمت به، حتى إنه يقول: أنا ما حسن الأول، نقصتُ بارتكاب الدنيا(4). ومع هذا كان يصرِّفها في مصارفها بسخاءٍ تام حتى إنه اشتهر باسم (الباذل ودحسونة) لكثرة عطائه. فقد أبتدرنا القول بعجالة خاطفة تسعف الراكب في الرحلة مع حياة ود حسونة الباذل وما فيها من افانين الوان ومظاهر كثيرة. تمر حياته بثلاث فتراتٍ كل فترة تمثل قنطرة هامة لا تسمح بالعبور إلا بعد البحث عما حوت من أحوالٍ، ويبدو أن بدايته لطلب الشيخ كانت فترة قلقة في حياته تبحث عن المعاني الروحية المستقرة. رحل إلى الجزيرة اسلانج وانقاوي والمطرفية بحثاً عن الشيخ الذي يشعر بوجوده الروحي في نفسه، وهذه الفترة هي البداية، ثم المجاهدات والسياحة وما اتسمت به من ظواهر صوّبت نحو علاها الأبصار، وهذا أمر من الطبيعي أن يجعل الإنسان يسطره لتفجيراته ولما للناس من شغف ومحاب لعلاها.
اجتماعيات مسيد الباذل :
يبدو الحديث عن تطورات مناحي الروح في حياة الشيخ الباذل أخذ معنىً جمالياً ممتعا تعشقت أطواره الآخذة أصحاب الشفافية، التي تتودد حباً وشوقاً لمعاليه السامية إلا أنه مع هذا الارتقاء وشغف الحب فلا بد من تقييدٍ وتوثيق للأحوال العادية لما فيها من واقعية تفيد المعرفة بحياة من يؤرِخَ له. فالنسيان أو الغفلة عن هذا الاحداث فهو شطب لواقع انسانى عظيم.
هذا اللون من الأحوال الروحية والعادية هو من مقاصد السِفْر، لكل منهما لونه ومقاصده في تاريخية الحياة، يؤكد معنى في شخص صاحبه، ومن الطبيعي أن تفنى الحياة المادية وتندثر، وتبقى الحياة الروحية طوداً بازخاً تتعلق بعلاها الناس حتى بعد إنتقال صاحبها إلى الحياة البرزخية العامرة، وهذا أمر أعظم شأن أصحابه في النفوس، وجعلهم مرجعيةً وملاذاً تذكرهم الناس بصالح العمل الخير، هذا وذاك دعا البحث اليه الشكل الإجتماعي الذي كان يعيشه مسيد الشيخ ودحسونه، ولعل بداية الترحال إلى الدُّرُورْبة (1) التي أوجبها تدفق النعم الحياتية يعطي ملتمساً لأحواله المعيشية ولسائر أمور تعامله.
قال ود ضيف: (لما كثرت المواشي عنده طلع إلى الدُّرُورْبة واستخدم العبيد وأركبهم الخيل خمسمائة عبداً لهم سيد وجند والخيل المسومة تجلب إلى جبال تقلي ودار برقو و دارفور و أولاد عجيب) (2). حال من الثراء كان يعيشها الشيخ ود حسونة ويزيد الحال تعجباً وصف الشكل الهندسي لمنازله الخاصة ومنازل الضيوف التي كانت على نمط القصر السناري ذو المنظر البهي الجميل الذي يناسب جماله وأحوال الملوك وما يعد لاستقبال وفود وملوك مماثلة.
رغم المناحي الروحية وما تحوي من مجاهدات وتفجيرات خارقة ينقلنا ود ضيف إلى الملامح العادية في تعامله مع الناس والمحاسبة لعماله الذين يوليهم إدارة أعماله، يسألهم عن أدق الأشياء فيما أولاهم من عمل، وعن صغار الحيوانات وإرضاعها ألبان أمهاتها ويسأل عن التصرف فيما بقى من الألبان فيقولون أنه ( ثمانية ويبة)(3) فيأمر بتوزيعه لأولي الحاجة.
دقة في الحياة السلوكية ودقة في الحياة المعاشية تضع الصنوج في كفتي الميزان المستقيمة من غير أرجحة في أوزانها، ويتفقد خلاوى المريدين ومنازل الضيافة ويسأل عما يقدم من وجبات، ويحاسب على التقصير أشد المحاسبة، فيتحسر ويندم على مايقع من العاملين تجاه القاطنين والزائرين فيقول: (واشقاوتك ياحسن.....الخ)(4). نرى الشيخ مع ما كان من تنظيم دقيق بالمقاديم والجند الموزعة للإشراف على أحوال الناس إلا أنه لم يترك الأمر من غير مراقبة لقد وضع خطة ثابتة لوجبات الخلاوى: ( تذبح لكل خلوة شاتين كل يوم)(1).
كانت هذه الفترة من أعظم فترات حياته قدّر له فيها الإستقرار وسطع فيها نجم قطبيته الروحية والحياتية صعوداً وتألقاً، خطت بصماته الإنسانية على قمة القُنن العالية، سماةً هامة في تاريخية الحياة الصوفية في المملكة السنارية الإسلامية، فكان شخصه معْلماً تدور حوله قضايا الناس أياً كان نوعها ومطالبها. هذا الوجه من الحياة وهو الذي يراد ويقصد لما له من معنىً وبعداً ميز شخصه الكريم بقوة إرادة فرضت على الحياة نهجه الذي يريده تفكيراً ومعاملةً وتنظيماً يُلمح في ميدان حياته.
ونذر ود ضيف يكمل الصورة الإجتماعية الزاهية من حياة الشيخ حسن ود حسونة بما يروي عن الفقيه عبد الصادق ود حسيب رجل أم دوم الذي قدم بدعوة من الشيخ ود حسونة فوجده غائباً يتعبد في الخلا، وبعد أيام سمع الهمرجة(2)والزغاريت جاء الشيخ رجل قصير أصلع له قرون ذوائب شعر، فلما زالت الشمس وبرد النهار ضربوا النقاقير ووضعو فرشة رومية كبيرة فوق الدكّة أمام الديوان، ثم جاء الشيخ لابس قميص متعالي (يعني جميل) فقام اليه العبيد فظلوا يتحدثون أنا فلان.. أنا فلان..الخ، فلما فرغوا قام الفُقراء ثم أرباب الحوائج سلموا وتكلموا(3). ويتحدث ولد حسيب بنوع آخر من أحوال: (عرضت عليه مريضة بمرضٍ مزمنٍ فوضعت أمام الدكّة التي يجلس عليها فقال لأمها: أعزم لها بوقية ذهب، فوضعت المقدار الذهبي أمامه، فقال للمريضة قومي فقامت وقال لأمها في ملاحة: صفقي لها لترقص).
هذا يجري والفقيه ود حسيب ينقلنا بوصفه إلى مشاهد ٍرمضانية جميلة في مسيد الشيخ الباذل وحياته الغنية بالنعم والخيرات الوفيرة المتدفقة بسطاً وجاملاً من غير ضن وقبض على ضيف أو ذي حاجة أو ذي متربة، حالةٌ زاهيةٌ بنعيم الحياة، وتنقلنا المشاهد الجميلة الى وجبات الإفطار والشمس متدلية خيوطها الذهبية إيذاناً بالمغيب عن الأعين، وأخذ الضيوف والقاطنون أماكنهم المتناثرة هنا وهناك في فسحات المسيد الوسيعة وضجيج المتحدثين بأخبار المدن والقرى والأسواق ويزهو الوقت بهجة بخروج قطار الإفطار تحمله مائة وعشرون فرخة فتاة لابسات الفرك والدناقس وثياب المنير(أى الثياب الجميله) وكل واحدة تتبعها أخرى شايلات قداحة الكسرة وكل واحدة لابسة كم(اي سوار) خالص من الذهب قدامه وراءه سوار فضة ورائها أخرى في يدها قَرْعة مغطية، الجميع قعدن في وجهه وصار يوزع في الزاد ويقول: (أعطوا الفلانيين كذا وكذا) وهذه تقوم وأخرى تتبعها حتى فرغ الزاد وبقيت واحدة بتبعها قال لها: ختيه) أي ضعيه في وجه ولد حسيب فكشفنا فوجدنا فيها ديكين وفرختين حمام وزرزورين من الطيور قال الشيخ: (فطورنا الليلة كله دجاجاً مربوط على الزبدة ليه تسعين يوماً)(1). دنيا عريضة من المتاع المباح الطيب تعيشها حياة الزاهد الملك ﭽ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭼ [الأعراف: ٣٢]. فهل آن لنا أن ننظر ما وصف من فطور الملك المحتوش بخيرات الحياة، وقد كانت الوجبة غنية بالطيبات، ولعل الفقيه ود حسيب يود لو أنه صبر قليلاً ليتناول مع الشيخ ودحسونة الوجبة الممتعة أكثر ويقول ودحسيب قد وضع امامه: (طست ملئنا بماء القرض وطبق فيه قُرص مُطّالة(2)، أخذ ما قُدّر له من القرص وفته في القرض واكل ثم مضمض فاه وقام للصلاة)(3) .
أنموذج فريد من حياة الشيخ حسن ود حسونة الباذل يوضح أحوال تعامله الإنساني الكريم الذي يتعامل به مع الناس من غير منّة أو رؤية نفس. هكذا يتعامل الشيوخ الأولياء ﮋﯟﯠﯡﯢﯣﮊ[الرحمن:٦٠]،(الدين المعاملة)(1). الزوّار والفقراء يقدمون له ما تيسر من الهدايا التي يطيقونها وهو يجزيهم عليها فوق ما يتصورون (يعطيهم البقرة الشايل والجمل)(2).
القلم يسطر أياماً عامرة بالإحسان من حياة الشيخ حسن ود حسونة، إلا أننا وددنا ألا تفوتنا صور ذات طابع خاص تحمل عروضا ًزاهية من الحياة العادية، والشيخ تتوافق صفاته الانسانية مع احواله الروحية تحل بهذا وهذا من صفات فائقة لا تشذ إحداهما عن الآخرى، وإن دلّ هذا التفوق والانضباط على شئ فهو عظيم الولاية، وهو عطاء الله للعبد يرزق من يشاء بغير حساب وبغير سؤال.
وتسوقنا رحلة الشيخ ود حسونه إلى سنار بدعوة من القصر، حين أرسل الملك بادي إليه ليعزم لأخيه ناصر، فتأهب للسفر معه المظاليم والمراقيب، وفي وجهه الخيل ثلاثة وأربعين وثلاثة كراديس قدامهم المكادة (الأحباش) يحملون البنادق وجمال البديد سبعين جملاً وهو راكب على جمل بطانهُ "اي حزامه" حبل، فلما وصل خرج لنزولهم واستقبالهم القاضي والخطيب والمقاديم(3)، وطلع الملك فوق الرّاو ( أي القصر) يتفرج فقال: هذا فكياً أخذ مُلكنا، فقال له الشيخ ودحسونه ملكك هذا عرض علينا زمان نحنا مادرناه.
بلا ريب ود حسونة إنه الباذل الزاهد الملك تحوشه الدنيا بكل نعيمها ويتناول الطعام الجرش (أي الخشن)، ويلزم نفسه سلوكاً روحياً قاسياً. متناقضات يجمعها شخصه الصادق الأمين، أحوال الزهد والثراء والتقشف والنعيم، كما سمعت وقرأت، يمتلك الخزائن والنعم والخيل المسومة، ومع هذا وذاك لم يغفل عن تدبير أحواله الروحية والحياتية معاً. ميزان ذهبي رفيع الاوزان، لم تؤثر الاشياء والثراء العريض في شخصه العظيم، بل بإرادة فارضة أثر في الحياة إنفاقاً وبذلاً، فقد تميز شخصه بأحوالٍ من عاديات الأحوال الإنسانية، ولكنه ارتقي إلى مصاعد يقل فيها التنافس. إنه زاهد يمتلك الدنيا وتتسع ساحات خلواته أبواب رحمة مفتوحة آناء الليل والنهار لليتيم والسائل ، ويضيق عن ذلك فناء القصور الوسيع وتشح نفوس ملوكها ورؤسائها عن إعطاء كل ذي حق حقه .
وتعد حياة ود حسونة تصويرٌ للتصوف الصحيح، توازنٌ في أحواله الروحية والدنيوية. إنه أنموذج فريد في عصره، (امتلك الدنيا ولم تمتلكه)، (استعبد الدنيا ولم تستعبده). هذا يجعلنا نعيد النظرة في مفاهيم خاطئة عند الناس في التصوف وجب أن تصحح.
إن ما يعتري الكثير من ضعفٍ وقصورٍ في التوازن حال السلوك والتعبد لا يفهم من هذا أنه نتاج نهج التصوف، انه أمر يتعلق بضعف أحوال الإنسان. فالتوازن بين هذه الأحوال أمر يصعب ولكنه كان شيئاً طبيعياً في حياة الزاهد الملك.

ارتحـل كوكب الـدين:
عاش الشيخ الباذل ود حسونه وتوفى سنة خمسة وسبعين بعد الألف هجريه. يقدر عمره بواحد وتسعين سنة. وفقه الله خلاله للكثير من الخيرات والمجاهدات. فبنى مسيده وفتح خلاوى الإنفاق والتكايا.
وتدفقت الناس من كل حدبٍ وصوبٍ تقصد تلك القيم والمعاني الرفيعة، وقبل نهاية المطاف نذكر تلاميذه الذين سلكوا عليه الطريق، ويبدو أن هنالك أسباباً جعلت الشيخ يرى أن يقتصر في هذا الجانب على بعض المريدين الذين يرى فيهم نفعاً.
قيل له في ذلك: (أنت يا سيدي ما بتدى الطريقـة. قال لا حسد ولا بخل. لكن الناس لم يأتوا راغبين في الطريقة إنما يأتون لأجل يتفرجوا في فروخي وفرخاتي)(1)
ولكن هذا لم يمنع من إرشاد من أخلص في الطلب، وقد أُرخ لبعضهم: في كتاب ود ضيف الله فقال (ممن وصل به إلى طريق الله تعالى جماعة منهم: العجمي أخوه، والكوفي عبد السلام البجاوي، والفقيه جميل الله، والفقيه محمد ولد سرور(1). ومن الضناقلة الشيخ موسى فريد والشيخ منور وأحمد تُود(2) .
انجذبت الناس إلى الشيخ حسن لما رأت على يده من كثرة الكرامات الدالة على ولايته وعظم مكانته عند ربه. ولا تزال تلك البقعة التي أسسها وبنى عليها مسجده منذ اكثر من اربعمائة عام لن تزال تغمرها روح اليقين وتعبقها أنفاس الإيمان التي تتصاعد مع توافد الناس اليها من كل فج، ابتغاء البركة التي زرعها الشيخ الباذل في تلك البقعه.
ولما كان لكل أجلٍ كتاب، كانت السُنة المحتومة أن يرتحل كوكب الـدين. ففي سنة 1075هـ أحس الشيخ بدنو الأجل فدعا أخوته ومحبيه لوداعهم. وقال لإخوانه: (أنا خلفت بلل الشيب ولد عبد الفتاح وزينه(3) بإصبعه بلا موس (أي آلة حلاقة) وأوصى لخمسة فقراء بثلث ماله)(4). ثم أوقف الحفائر كلها لله تعالى. وذهب ليلقى الله لقاء المقربين ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﮊ [الفجر].
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-09-2012   #7
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي رد: كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

الفصل الثالث الباب الثالث



1- الشيخ عبد الله العركي
نشأتـه وتعليمـه:
هو الشيخ عبد الله بن دفع الله بن مقبل بن نافع بن محمد بن سلامة( ). ولد بمنطقة أبيض ديري( ) في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، على ما تدل الأحداث التاريخية. وكان والده الشيخ دفع الله قد قدم من دار الغرب( ) نزل عند قبيلة الجميعاب( ) وتزوج منهم السيدة هدية بنت عاطف والدة الشيخ عبد الله.
نشأ الشيخ عبد الله تحت رعاية والده دفع الله فحفظ على يديه القرآن الكريم، ثم بعدها سافر مع رفيقه الشيخ عبد الرحمن النويري لطلب العلم على الشيخ عبد الرحمن بن جابر (رحمه الله) في ديار الشايقية( ). وبعد انقضاء سبع سنين قدم رفيقه الشيخ النويري عائداً، فلما سأله الشيخ دفع الله عن ولده أخبره بأنه يشتغل بخدمة أستاذه أكثر من اشتغاله بالعلم، فذهب الشيخ دفع الله مغضباً لرؤية ابنه فوجده كما قيل له. فأظهر غضبه ورفض أن يأكل طعام الشيخ عبد الرحمن بن جابر. فلما علم الأخير بالأمر اعتراه حـال فطوى العلم للشيخ عبد الله العركي في طعام قدمه له، فأصبح الشيخ عبد الله قادراً على التدريس( ).وبعدها أمره الشيخ عبد الرحمن أن يرافق والده عائداً إلى أهله بعد أن زوده بمعارف وأسرار خاصة، وأخبره بأن ما ينقصه من علوم سيكملها له الله في الطريق. وقد صحبه في رحلة العودة أربعة من الطلاب أمره شيخه بتدريسهم في بلده.
عاد الشيخ عبد الله فوجد أن أهله قد سكنوا بغابة الهلالية. فاستقر معهم وابتدأ في التدريس، فكان موفقاً وعالماً جليل القدر، ولما ارتفع شأنه وظهرت فضائله ولاه الشيخ عجيب القضاء ضمن أربعين قاضياً من تلاميذ الشيخ ابن جابر اختارهم لتسيير إمور البلاد.
التقـاؤه بالشيخ البهاري:
في تلك الفترة قدم إلى البلاد الشيخ تاج الدين البهاري، وبدأ نشر الطريقة القادرية. وفي بحثه المتأني عن تلاميذ من نوعية مؤهلة علمياً لتحمل الأمانة، عرض الشيخ تاج الدين على الشيخ عبد الله أن يسلك طريق الصوفية علي يديه، ولكن الشيخ عبد الله اعتذر بعلم الشريعة الذي كان من أساطينه.
وقال: أنا قرأت عا بشتغل بغيره( ).
وبعد ذهاب الشيخ تاج الدين إلى الحجاز، برز تلاميذه دعاة ومصلحون استجاب الناس لطريقتهم. وظهرت عليهم نفحات المعرفة الصوفية وأكرمهم الله بالكرامات وانتفع بهم أهل البلاد.
ولما رأى الشيخ عبد الله أثر الطريق الصوفي علي تلاميذ الشيخ البهاري، شد الرحال قاصداً اللحاق به في الحجاز، ولكنه وجده قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، غير أن الشيخ عبد الله العركي علم من الشيخ حبيب الله العجمي خليفة الشيخ البهاري، أن شيخه قد أخبره بقدومه اليه وترك عنده أمانة ووصايا( )، كان أهمها إعطاءه البيعة الصوفية وتأييده في مرتبة المشيخة، مستخدماً في ذلك النمط الذي تفرد الشيخ البهاري بإدخاله إلى السودان، إذ كان تأييد الشيخ العركي يحمل طابعاً تعبيرياً له مثيلاته الظاهرة والباطنة، ذلك أن الشيخ حبيب الله زوده بما يمكننا إدراجه تحت بابين من أبواب البناء الاجتماعي:
أ/ المعارف النظرية: وهي أمر عام في الطريق الصوفي، وتمثل حاجة كل سالك للعلوم التربوية، وقد ورد في هذا الباب أنه أعطاه:
* أوراد الطريقة، وأهم ما ذكر منها ورد الأساس والحزب السيفي.
* آداب دخول الخلوات.
* آداب التربية والسلوك العامة، التي يحتاج اليها الشيخ والسالك.
ب/ الأنماط ذات الطابع التنظيمي: وهذا الجانب هو الذي ميز طريقة الشيخ تاج الدين القادريـة، في تأييد الشيخ عبد الله العركي، وذلك أن الشيخ العركي أتي مزوداً بأمرين أكسبا الطريقـة وضوحاً وثباتاً لدى المدققين في أمرها وهما:
* أ/ سند الطريقـة الذي يصله بالشيخ عبد القادر الجيلاني وقد وثقه أبناء الطريقة بعده في مساجدهم المختلفة نثراً ونظماً، وقد أورد الشيخ العركي سنده إلى رسول الله() في قصيدة أثبتت أبياتها الأولى في كتاب الطبقات للفقيه ود ضيف الله(1) كما يلي:
يسـمى مـحـمـــد والــبـهــاري نعته كــذا جــــاء في شيــخـه ذو بـيــانات
فمنه حـبيب الله جـاء خـليفة هو بن الحسن ومسـكنه بصـرى فمنه لقانات(2)
مــشــهـــور بـالـفــضـــل والـتــقى فــهـــا نــحـن شاهدنا له جـم خـيرات
فـلـقـنــنـا فـي فـيـمــا يـكـون نجاتنا مـن الـذكــروالتـوحيــد ما فـيه منجات

* ب/صيغة البيعة والإجازة ممثلة في إجازته لأخيه الشيخ محمد بن دفع الله(3).
وكما أشرنا من قبل فإن العقلية العلمية عند الشيخ عبد الله العركي مسبوقة بأمر قد قـدر في الأزل، هي التي كانت وراء طلب الشيخ منه أن يسلك عليه الطـريق. وبعد سفره كان الشيخ البهاري يعلم بفضل الله وفيض منه أن السناري العركي سيأتي إلى خليفته، فترك له من الأمانات ما لا يخفى على ذي بصيرة أن أمرها منطوٍ علي أسرار لا تبين كاملة إلا لصاحبها.
وأهم تلك الأمانات التي جلبها الشيخ العركي معه:
* كوفية التأييد في المشيخة.
* عُكاز الشيخ تاج الدين البهاري.
* كما أن الشيخ حبيب الله زوده بجبته الخاصة(4).
وقد لاح لنا أن الشيخ البهاري رضي الله عنه تجلت له مشاهدة روحية، استنبط مما فيها أن موطن استمرار الطريقة هو السودان، ولذلك اهتم بتلاميذه السناريين، فأتى إلى السودان وأرسى دعائم الطريقة بخلافة الشيخ محمد الهميم وبعد رحيله ترك بقية إرثه الروحي المضنون به على غير اهله، المادي الشكل مستودعاً عند الشيخ حبيب الله ليكتمل انتقال نصفها الآخر للشيخ العركي، وهذا ما يوضح سر عدم وجود خلافة ممتدة للشيخ البهاري بأرض الحجاز أو غيره. وقد مكث الشيخ العركي بأرض الحجاز اثني عشر عاماً برز خلالها كعالم جليل إذ كان يدرس في مقام الإمام مالك رضي الله عنه.



تـلاميـذه:
أرشد الشيخ عبد الله كثيراً من التلاميذ ممن بلغوا درجة عالية من الإرشاد والترقي الروحي ومن أبرزهم:
الشيخ محمد بن دفع الله الشهير بأبي إدريس وهو أخيه والشيخ حمد النيَّل والشيخ محمد ولد داؤود الأغر وكان مقرباً اليه. وقد سئل الشيخ ولد داؤود عن أستاذه الشيخ العركي فقال: (أبوي أرشد تسعة وتسعين نفساً أدناهم ولد داؤود)(1) وأيضاً الشيخ شرف الدين راجل أنقاوي(2).
وله بعض التلاميذ من الأشراف الذين حضروا معه من الأراضي المقدسة، ذكر منهم:
الشـريف موسى والشـريف محمود والشـريف مرزوق والشـريف مسكين والشـريف ود الأبيض والشـريف حسب الله.
وفـاة العركي والخلافـة بعـده:
عندما شعر أخوة الشيخ وأبناؤه بدنو الأجل، سألوه عن الخلافة بعده تخوفاً من النزاع بسبب ذلك فقال: (ولد داوود إلى قدوم دفع الله من طلب العلم وكان يعني الشيخ دفع الله بن أخيه الشيخ محمد. وبعد وفاة الشيخ عبد الله رحمه الله تعالى، سلم أبناؤه وأخوه الشيخ أبو إدريس بخلافة الشيخ ولد داوود، وأعطوه أمانة الخلافة)(3).


وقد رثاه عبد النور الشاعر(1) في أبيات أطال فيها، ومنها(2):

لأهـــل الله تـــعــــزيةً نـــقـــــول ونــنــظـــمـها بــأبـيــات تـــطــول
جـــبال الله زالــت واســتـقـــلــت فـوا أســـفــاً عــلى مـوت الـفحـول
فـهـم مــن بـيـنـنـا قــمــر مـنـيــر وعــــنـــد الله أشــــهـــاد عـــــدول
فــــأول ذكرنا العـركي المفـضـل ومــــــــن كــــنّى بـابـنـتـه البــتول
سـراج كــان فى البــــلدان يوقـــد لـــــــه تـشـكى المواجـع والعــلول
ويحـكــم بالشـــريعـــــة لا يـبـالي ويقـضى الحـق كالبتر الفـــصــول
نصـــوص البحث مـطلع عــليها خـبـيــر بالـنـــــــــوازل والنقــــول
فـكم أخرج سجيناً من ســجـــــين وكــــم أخـــرج أناسـاً من خــمـول
فـلــولا شــــــيخـنا العـركي لكـنا علينا خـزية القـــــــوم الجــهــــول
ولكـن جـاهــــه الفاضـل حــمـانا وغــــطــــانا بأجـــنحــة ســــبـول
أعــــز الله أرضــــنا حــــل فـيها وأمـــلـــى قــــبره نـوراً شـعــــول
فـخــــلـف بعـده الـبارى رجـــالاً على بعـض الرجـال لهم فـــضـول







2- الشـيخ دفـع الله المصـوبن
مـيلاده ونشـأتـه:
هو دفع الله بن محمد أبو إدريس بن دفع الله بن مقبل. والدته فاطمة أم حسين بنت الحاج سلامة الضبابي. ولد الشيخ دفـع الله في عام ثلاثة وألف للهجرة في ضباب وهي قرية تقع إلى الجنوب الغربي من طابت بالقرب من الحصاحيصا، وقد حفظ القرآن الكريم عند والده الشيخ محمد أبو إدريس وسلك عليه طريق القوم. ثم قرأ مختصر خليل علي الشيخ إبراهيم الفرضي، وقد تبناه الشيخ إدريس ود الأرباب لصلته الروحية بأبيه، فأمره بالذهاب إلى الشيخ صغيرون بالقوز لتلقي العلوم الفقهية وغيرها.
مـن أم شـانق إلى أبو حـراز:
بعد إكمال مقرراته العلمية بالقوز، قدم الشيخ دفع الله إلى منطقة أم شانق، جنوب شرق رفاعة، ونزل عند ابن عمه منوفلي بن الشيخ عبد الله العركي وتزوج ابنته نور الهـدى. وبعد ذلك تقرر أوان خلافته في مشيخة عمه الشيخ عبد الله العركي، وتم ذلك على يد الشيخ محمد ولد داؤود الأغر الذي كان ينتظر اللحظة المواتية لتسليم الأمرالى اهله.
ورد أن الشيخ ولد داؤود قدم إلى الشيخ دفع الله في أم شانق (جاب اليه الككارة والرايات وجبة حبيب الله العجمي، كوفية وجبة الشيخ عبد الله العركي أم كريشة التي فيها الأسماء. وقال له: هذه الآلة أو الأمانة وضعوها عندي أبواتك، وقالوا لي: إذا كبر دفع الله أعطيه اياها ذا الحين خذ أمانتك. وأمره بسكنى أبو حراز وأمّر له مكان المسجد)(1) أي علم له مكانه بأمارة.
وقد أصلح الشيخ دفع الله مكان سكنه الجديد وتوافد عليه الناس. فلما كثروا رأى أن يقـــوم ببناء مســجـد صلاة الجمعة. فاستشار الشيخ إدريس ود الأرباب فقام هذا الأخير بدوره بالتفاوض مع الحاج سعيد بن الحاج داؤود بن عبد الجليل الذي كان من الأثرياء، فبنى الحاج سعيد المسجد وأوقف له أرضاً زراعية مساحتها اثنان وعشرون جدعة.
ويُروى أن الشيخ دفع الله طلب من تلاميذه الذين أجازهم في مرتبة المشيخة العلمية أن يجتهدوا في تحديد القبلة. قال الشيخ يوسف إسحق: (فلما عاينوا نحو الكعبة أكرمهم الله برؤيتها مباشرة، ثم قال: كل المساجد في السودان قبلتها اجتهادية إلا هذا المسجد فإن قبلته قبلة معاينة)(1).
جلس الشيخ دفـع الله على سجادة الإرشاد سبعين عاماً، مما أدى إلى تخريج كثير من التلاميذ الذين في حلقته بين العلم والتصوف، وقد أجاز بعضهم في مرتبة المشيخة الصوفية. فانطلق هؤلاء في أرجـاء البلاد وصار كل منهم أستاذاً في البلد الذي هو فيه، وظل في كثير من الإمور له حرية الحركة بحيث لا يرجع إلى مقر المشيخة الأم أبو حراز إلا في الضرورات التي تقتضي ذلك. ويبدو أن هذه الرؤية كانت أمراً من الشيخ دفع الله إلى تلاميذه الذين أجازهم في الإرشاد. وهذه النظرة تتسق مع رؤية الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه مؤسس الطريقة الذي قال: لا رضاع بعد الحولين، مشيراً بذلك إلى أن المريد إذا بلغ المرتبة التي تؤهله للإستقلال علمًا وسلوكاً فله حكم الأصل في حركة الطريقة إصلاحاً وإرشاداً.


أستـاذ القادريـة:
لقد مضت قرون طويلة بين الشيخ الجيلاني والشيخ المصوبن، لكنها عامرة بالصلة، وقد كانت سلسلة المشيخة من شيخ الى شيخهي الرابط الوثيق بين الشيخ الجيلاني وشيوخ الطريقة في السودان وغيرها.
ومازالت الطريقة تتجدد في واقـع الحياة وسط قطاعات الناس المختلفة. حفظت مظاهر الـدين وحقائقه عقيدة وسلوكاً عبادياً ويحضرنا في عملية ديدن الربط بين الشيخ الجيلاني وابنه الروحي دفع الله المصوبن العركي، وكذلك بين شيوخ الطريقة المختلفة الأزمان والمكان قول الشاعر القرشي بقصيدته المشهورة:
معـشوقـك سـار مـؤلم
مــن ســيد الثقــلان
خـــزانك الجـــيلان
ومــدير الـري دفـع الله
الســــــادة الـبيهــــم شــي لله يا لـيلي لـيلك ظـلم
أمـرك صـدر باعـلان
بحـرك عـميق ومـلان
عـقدك عـزم مـا انحل
ترعـك جــمـــيع أهــــــل الله
يـا لــيلى لــــيلك ظــــلــــم
وأعـضاء الإنسـان سرابك
والاسـتغـفـار شـرابك
يا لـيلى الإيمـان ترابك
ورد التهـليل تيرابـك

يـا لــيلى لــــيلك ظــــلــــم
الذي يهم في تقديمنا أبيات القصيدة ارتباط القنوات الإيمانية، بخزانها الإيمـاني الكبير وهو الشيخ الجيلاني، الذي توثق به العقد مع ابناء الطريقة، الذي لم تنفصم عراه طوال القرون، بل في كل زمن تزداد رابطة الطريقة قوة ومتانة.
قضى الشيخ المصوبن العركي سبعين عاماً على سجادة الطريقة القادرية، كرس فيها لحظات حياته للدين ونشره. وتوثيقه في النفوس بالبيعة والإلتزام الصادق أنفق الشيخ دفع الله كل أنفاسه في الجـد والإجتهاد وتربية المريدين الذين دفع بهم في أرجاء البلاد فعمروها بالقرآن والعلم والفيوضات الروحية، وقد وصف أحد فقهاء عصره وهو الفقيه محمد عويضه مسيد الشيخ دفع الله وما عليه من حالٍ عالٍ فقال: (وجدت مسيد الشيخ دفع الله أناس يسبحون وأناس يصلون وأناس في الكرير "حلق الذكر"، والشيخ نفسه بعد النافلة يدرس خليلاً وبعده الرسالة والعقائد والتجويـد وكتب التصوف والتفسير، مكثت عندهم أياماً فلم أسمع كلام الدنيا عندهم إلا في عبارات التعليم)(1).
التزم الشيوخ في البلاد بمدرسة الطريقة. القرآن أولاً والعلم ثانياً والسلوك والإنفاق وتربية المريـدين، وكان للشيخ دفـع الله رحمه الله كيفيته الخاصة في معاملة الملوك والرؤساء. إنه لم يخرج لزيارة ملك قط إلا لأبيه الروحي الشيخ إدريس ود الأرباب كان يزوره كل عام وبعد عمر امتد إحدى وتسعين سنة انتقلت روحه الطاهرة مرضية إلى جوار بارئها في سنة أربعة وتسعين بعد الألف(2) رحمه الله وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
فقد ختمت حياة الشيخ دفـع الله حياة كانت عامرة بالإيمان، وتركت وراءها شعلاً إيمانية متقدة في مقام الدعوة إلى الله تعالى عملت في ميدان التربيـة والسلوك بالقرآن والعلم. وكان من هؤلاء الرجال:





3- الشيخ عبد الله بن علي الحلنقي
عبد الله بن علي ولد بالتاكا، وحفظ القرآن في إسلانج، وقرأ الفقه والتوحيد علي الشيخ دفع الله وسلك عليه طريق القوم فأرشده وأذن له فيه. فأرشد في الطريق إلى البحر الأحمر(1)، وممن أخذ عليه من الاجلاء الفقيه آدم الضرير والشيخ شرف الدين ولد بري وغيرهما. وقد استوطن في منطقة أبو حراز سنتين فانقادت له الأعراك كأنه الشيخ دفع الله، وبعد وفاة شيخه توسعت الطريقة على يديه توسعاً كبيراً. وتوفي ودفن في التاكا.

4- الشيخ محمد المسلمي الصغير
وهو من أعلام الفقه والتصوف. تفقه على يد عمه القدال ابن الفرضي، وصحب في التصوف الشيخ دفـع الله العركي فسلكه الطريق وأدخله خلوة سبع أيام. وبعد الإجازة الصوفية اشتغل بتدريس العلم وتسليك الطريق والإرشاد. وكان ممن أخذ عنه الشيخ عبد الله ود العجوز والفقيه عبود والفقيه سلامة بدار كردفان. وقد نشط فرع الشيخ المسلمي بنشاط تلاميذه الذين أخذوا عليه، وخصوصاً السلسلة التي تدلت من الشيخ عبد الله ود العجوز إلى الشيخ عبد الباقي النيل والشيخ أحمد المكاشفي ومنه الشيخ طه الأبيض البطحاني ومنه أخذ الشيخ إبراهيم الكباشي والشيخ عوض الجيد وعليه الشيخ محمد بدر. وسيأتي تفصيل هذه المشيخة لاحقاً لأهمية الدور الذي لعبته في نشر الطريق والدعوة إلى الله تعالى في البلاد بالقرآن والعلم والسلوك.
5- الشيخ يوسف أبشرا
سلك الطريق على والده الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله الطريفي الذي أخذ من الشيخ دفع الله. وقرأ على والده مختصر خليل إلى نصفه، وأذن له في التسليك والتدريس. وقد توسعت الطريقة باختياره مقراً جديداً لمشيخته غير أبو حراز، فذهب إلى المكان الذي يعرف الآن باسم حفيده طيبة الشيخ عبد الباقي. فقطع الأشجار وأزال الحشائش وأقام مبنى مسيده. وكان من الذين أطال الله أعمارهم في خدمة الدين بالجهد المتواصل، فامتدت الطريقة ببركة جهده العظيم في ميدان الدعوة والتبشير رحمات الله عليهم ابداً.












6
- الشـيخ عـبد الباقي النيَّل
مـيلاده ونشـأتـه:
هو الشيخ عبد الباقي ابن عبد القادر ابن محمد الأغر ابن عبد القادر البغدادي. قدم جده عبد القادر البغدادي من بغداد واختلط بقبيلة الكواهلة الوالية وتزوج منهم. وولد الشيخ عبد الباقي بنهر أتبرا بمنطقة (شق الوالية) سنة 1060هـ، وقضى بها الشطر الأول من حياته ثم حدث أن تعرضت تلك المنطقة إلى جدب شديد فنزح الكثير من العرب الكواهلة إلى منطقة الجزيرة سعياً وراء الماء والكلأ. وقد كان من بين هؤلاء الشيخ عبد الباقي وأهله الذين استقروا بالجزيرة.
درس الشيخ القرآن الكريم وحفظه علي جده محمد الأغر الذي كان حافظاً وفقيهاً. ودرس عليه العلم أيضاً فبرز في الفقه المالكي. ومن أشهر المؤلفات التي درسها مختصر الشيخ خليل بن إسحق. ثم سلك طريق القوم علي الشيخ عبد الله ود العجوز، الذي سلكه بعد امتحان قاس: يروى أن الشيخ عبد الله جاء ماراً بمكان كان فيه الشيخ عبد الباقي، فتلقاه هذا وطلب منه أن يبايعه بيعة السلوك فقال له الشيخ عبد الله انتظرني حتى آتيك. فجاءه بعد عام فوجده في المكان الذي تركه فيه، فقال له انتظرني ثم جاءه بعد عام ثاني وجده في نفس مكانه فسلكه الطريق(1).
مـجـاهـداتـه:
المجاهـدات الشاقة في مسار الطريق إلى الله تعالى لم يحظ بها إلا رجال قلائل. ومن هؤلاء القلة يبرز الشيخ عبد الباقي النيَّل رحمه الله الذي تروى عن مجاهداته إمور خارقة منها ما هو مسجل بالمخطوطات المحفوظة، ومنها ما هو مسجل في ذاكرة الأحفاد والمريدين. ومن ما روي عن مجاهداته الصوفية في إبتداء أمره: يروى أن أول خلـوة دخلها مكث فيها ثلاث سنوات، وخرج منها يوم جمعة، فلما غابت الشمس أغلق علي نفسه باب الخلوى ومكث فيها سبع سنوات ثم خرج منها يوم جمعة كذلك. ولما غابت الشمس أغلق علي نفسه الخلوى ومكث بها أربعة عشر عاماً فخرج يوم جمعة، وعند الغروب أغلق الخلوى ومكث فيها أربعة وعشرين سنة ثم خرج بعدها للإرشاد(1).
خمسون عاماً إلا قليلاً قضاها الشيخ النيَّل في خلـوته بأم قرقور، معتزلاً الناس مختاراً الاختلاء مع ربه تعالى، لا يلوي على شئ من متاع الحياة الدنيا. إذ أعطاه الله توفيقاً في ميدان المجاهدات. وهو ميدان قليلٌ أبطاله الذين أعطوا خصوصية الصبر والمصابرة وديمومة المرابطة في حرمٍ ملئ بالأشواك، لا يقدر على اجتيازه إلا أولي العزم والحزم من صالحي الأمـة، الذين خصوا بتحمل الصعاب لدرجة تجعلنا حين نتأمل في هذه القمم العالية وسلم مجاهـداتهم لا نكاد نتصورها، ويصعب علينا الهضم لأحوالها، وأن أحد الرجال يمكن أن يصعد اليها. وقد يلوح لنا أن الحديث فيها ينطوي علي الكثير من المبالغات لخروجه عن المألوف في طبائع وصفات البشر. ولكن الأمر يسير لمن يسر الله له. فلربما يحصل له في ذلك طي زماني. أو حالة من الصفاء الروحي والشهود العرفاني فينقلب العناء إلى راحة والمشقة إلى لذة، فيكون الإنسان عندها شبيه بالملائكة في رفع السأم والملل. أو لربما تأتيه أرزاق روحية تهون عليه العناء كما حصل للسيدة مريم العذراء: ﮋ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﮊ [آل عمران: ٣٧].

النيَّـل والإرشـاد:
بعد الوقت الذي قضاه الشيخ في المجاهدات وترويض النفس، خرج وجلس بروح زكية طاهرة لتربية المريدين. فأصلح الله على يـديه كثيراً من الناس.
وقال الشيخ أبو شول وهو من خلفاء الشيخ النيَّل من الأحفاد يشير إلى مدافن المنطقة: (هذه المقبرة مدفون بها خمسمائة ولي واصل)(1). وقد قصد بتلك الإشارة إلى كثرة من تم صلاحهم على يد والده الشيخ النيَّل. وقد حفظت الذاكرة أسماء بعض الذين برزوا من تلاميذه ممن أذن لهم بالتربية والإرشاد، ونذكر منهم علي سبيل المثال: (الشيخ أحمد المكاشفي والشيخ عوض الجيد (صاحب العفينة أستاذ الشيخ محمد بدر) والشيخ طه الأبيض البطحاني والشيخ علي أبو سبيب والشيخ محمد أبو قرين والشيخ محمد ود حامد والشيخ عجبنا الناري والشيخ محمد نورين.
لم يقف إرشاد الشيخ النيَّل في زمانه عند حد البشر، بل تعدي أمره إلى إرشاد الجن أيضاً.

الجن واحواله
الحديث عن الجن يدعونا أن نلتمس مدخلاً إلى معرفة طبيعته، وتكوينه وأحواله. وقبل اللجوء إلى القَصص في الحديث عنه، فلتكن الآيات القرآنية هادياً لنا. حيث قال تعالى: ﮋ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﮊ [الرحمن].
قال الصاوي: (المارج هو ما اختلط من أحمر وأخضر وأصفر، وقيل هو الأحمر الكائن في طرف النار، وقيل اللهب المختلط بسواد).
ىة هذا التمايز والاختلاف في عناصر التكوين بين البشر والجن، باعد الشقة بينهما وجعل الإلفة معدومة، فالجن ذو الطبيعة النارية يمتاز بمقدرات فهو ذو طاقة متحررة من القيود، فقُدّر له اختراق الحواجز المادية، والتشكُل في صور مختلفة وسرعة الحركة الفائقة، والمقدرة علي نقل الأشياء، مثل نقل الموجودات من مسافات بعيدة في مدي زمني قصير. والجن في أحوالهم مثل البشر في التكليف العبادي. لقوله تعالى: ﮋ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﮊ [الذاريات: ٥٦]. فمنهم الصالحون أهل التقى والعبادة، ومنهم عامة المسلمين الذين تتفاوت درجاتهم الإيمانية، وصنف منهم متمرد، وهذا الصنف له خطورته علي البشر من حيث الإيذاء البدني، والقرآن الكريم يحدثنا عن أحوالهم ﮋ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﮊ [الجن] وقال عز من قائل: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﮊ[ الجن]. وهذا يجعلنا نوصف أن الجن قبيل ذو شعب متفرقة فمنهم من ورث الإيمان عن أسلافه، فكانت له طاعته للأنبياء والأولياء، ومحبة الإنتماء والاقتراب منهم للإستفادة من علومهم ومعارفهم، ومنهم من ورث المعصية فناصب الصالحون العداء، وقد سخر الله سبحانه وتعالى الجن لسيدنا سليمان عليه السلام فتعاملوا معه، وخدموه في إمور عجزت طاقات البشر عن أدائها، مثل البناء العالي واستخراج اللآلئ من أعماق البحار وغيرها. قال تعالى: ﮋ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﮊ[سبأ:١٣] وقوله تعالى: ﮋ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮊ [النمل:٣٩].والقرآن الكريم يقص علينا أيضاً نبأ توافد الجن إلى رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، يقول المولى عز وجل: ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﮊ [الأحقاف:٢٩].
قال ابن كثير: (إنهم صرفوا اليه من ينوي). وان النبي() قال: (قال إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟) فأطرقوا ثم استتبعهم فاطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل يا رسول الله إن ذاك لذو ندبة. فأتبعه ابن مسعود رضي الله عنه أخو هذيل، قال: (فدخل النبي() شِعباً يقال له شِعب الحجون وخط عليه. وخط على ابن مسعود رضي الله عنه ليثبته بذلك. قال فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها، وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على نبي الله()، ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله() قلت يا رسول الله! ما اللغط الذي سمعت؟ قال(): (اختصموا في قتيل فقضى بينهم بالحق).
قال ابن كثير رحمه الله: (ذهب إلى الجن قصداً فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله عز وجل، وشرع الله لهم علي لسانه ما هم محتاجون اليه في ذلك الوقت).
وقال الشيخ الصاوي رحمه الله في قوله تعالى: ﮋ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ [الجن:١٩]، (سياق هذه الآية إنما يظهر في المرة الثانية، وهي التي كانت في الحجون وكان معه إبن مسعود، وكان الجن إذ ذاك إثني عشر ألفاً وقيل سبعين ألفاً، بايع جميعهم وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر)(1).ومع أن النبي() لم يستخدم الجن في أغراضه، كما استخدمهم سيدنا سليمان عليه السلام، إلا أن البعض منهم قام متطوعاً بقتل بعض فجّار الجن الذين كانوا قد آساءوا للنبي(). فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (هتف هاتف من الجن على أبي قبيس بمكة) فقال:
ما أرق العـقـول والاحـلام
ديـن آبائها الحـمـاة الكـرام
ورجــال النخــيــل والآطـــام قبـح الله رأي كـعـب بن فـهـرٍ
دينـها انهـا يعـنف فـيهـا
خالف الجـن جـن بصـري عليكم
قال ابن عباس: فأصبح هذا الحديث قد شاع بمكة فاصبح المشركون يتناشدونه بينهم، وهموا بالمؤمنين: فقال رسول الله(): هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له (مسعر) والله يخزيه. قال فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف على الجبل يقول:
لما طغي واستكبرا وووووووووووووووووووووووووووووووووو نحـــن قــــــتــلنا مسـعـرا
قـنـعـتــه سـيفــاً جـزوفاً مـبترا وسفـه الحق وسن المنكرا
بــشـــتمـه نـبـيــنا الــمـطـهـرا
فقال رسول الله(): (ذلك عفريت من الجن يقال له (سمحج). سميته عبد الله، آمن فأخبرني أنه في طلبه منذ أيام. فقال على بن أبي طالب رضي الله عنه: جزاه الله خيراً يا رسول الله).
وقصة أخرى عن خدمة الجن هي ما حدث لسواد بن قارب الذي كان له تابع من الجن قبل إسلامه. فلما علم الجني بالإسلام أرشد مخدومه اليه. روى سواد قائلاً: بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئيىِّ فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب وأسمع مقالتي. وأعقل إن كنت تعقل، أنه قـد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وعبادته ثم أنشأ يقول:
وشدها العيس بأقتابها عجبت للجن وتطلابه
فارتحل سواد بن قارب إلى مكة فإذا رسول الله() في أصحابه. قال: فدنوت فقلت أسمع مقالتي يا رسول الله. قال: هات. فأنشأت أقول:
ولم يك فيما قد تلوت بكـاذب
أتاك رسول من لؤي بن غـالب
بى الذعلب الوجناء غير السباسب
وانك مأمون عـلى كل غـالب
إلى الله يا ابن الأكرمين الأطـايب
وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
سواك بمغـن عن سواد بن قارب
أتاني نجييِّ بعـد هدأة رقـدة
ثلاث لـيال قـوله كـل لـيلة
فشمرت عن ذيل الإزار ووسّطَتْ
فاشـهـد أن الله لا شئ غـيره
وأنـك أدنى المرسـلين وسـيلة
مرنا بما يأتيك يا خـير من مشى
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة

قال: ففرح رسول الله() وأصحابه بمقالتي فرحاً شديداً حتى رؤي الفرح في وجوههم.
أما أولياء الله الصالحون الذين هم علي درب النبي()، فقد ورد الكثير عن خدمة الجن وطاعته لهم. يروى أن رجلاً من بغـداد جاء إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه وقال له اختطف الجان ابنتي. فقال له اذهب إلى محل كذا وخط دائرة وقل عند خطها: بسم الله على نية عبد القادر. ففعل الرجل كما أمره فمر عليه الجن زمراً إلى أن جاءه ملكهم ووقف بإزاء الدائرة. وقال: قل ما حاجتك؟ قال ذكرت له البنت فأحضر من اختطفها ودفعها إلى وضرب عنق الجني. فقلت له ما رأيت كامتثالك لأمر الشيخ. قال: نعم، إنه لو نظـر من داره إلى المردة منا وهم بأقصى الأرض فيفرون من هيبته(1).
فالمردة من الجن يخافون الأولياء، ويفرون من سطوتهم وقهرهم. أما الصالحون منهم فيقتربون من الأولياء رجاء البركة والنفع من ذواتهم الطاهرة ولربما قاموا بخدمات نافعة لهم وللمسلمين. فالأمر في الجن كالبشر تماماً.
قال ابن تيمية: الجن إنهم يخافـون الرجل الصالح أعظم مما تخافه فجار الإنس فأولياء الله المتبعون للنبي محمد() إنما يستخدمون الجن كما يستخدمون الإنس في عبادة الله وطاعته، كما كان محمدأ() يستخدم الإنس والجن لا في أغراضٍ له غير ذلك والجن إذا خدموا الرجل الصالح في بعض أغراضه المباحة، فإما أن يكونوا مخلصين يطلبون الأجر من الله وإلا طلبوا منه دعاؤه لهم، وأما نفعه لهم بجاهه أو غير ذلك(1).
طاعة الجن للأولياء هي طاعة محبة ومودة رجاءاً لبركاتهم والانتفاع منهم، فإن قاموا ببعض وجوه الخدمة فهي من واجبات التلميذ والمريد، الذي يقوم بخدمة من يرى عليه الفضل في أمر الدين. وهي تختلف اختلافاً كبيراً عن طاعة من يزجرون الجن ببعض الأسماء – والاسماء الزاجرة لها تأثير على ذوات الجن والانس، طباً ومرضاً، فقد كانت الرقية بآيات القرآن الكريم لها خاصية في الطب من المرض، وكذلك الزجر بالاسماء لضرر إنسان له تاثير كبير بالضرر، وزجر الجن وهو أشد ما يكون ضرراً على صاحبه. قد ينزل بسبب ذلك مارد ظلمائي، أي كافر، يضله عن السبيل بطلب مقابل للخدمة، ترك بعض الواجبات، وعموم الذين يطلبون خدمة الجن بهذه الممارسات الخاطئة فهم جاهلون، لانهم لا يعلمون ماتصيبهم من أضرار كبيرة في أمر دينهم ودنياهم، وعموم الجن أضراره كثيرة، إلا الصالحون منهم
وهو ما عناهم القول الكريم (وانا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا )[الجن11]
(وانا منا المسلمون ومنا القاسقون فمن اسلم فاؤلئك تحروا رشدا واما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) [الجن 14-15]

الصالحون من الجن كالصالحون من البشر، منهم اصحاب ولاية كبرى في الدعوة إلى الله وسط أقوامهم،
فلا يستطيع أحدهم مقاومة زجرها لما لها من خصائص تأثيرية، وهذا أيضاً يحدث للبشر بالرقية وغيرها من أشياء، يفعلها أصحاب التجارب في هذا الميدان، فينزل الجن مقهوراً بصيغ القاريء وفي المسألة تفصيل، قد يكون الزاجر ضعيف الإيمان فيكون النازل من مردة الجن من الكفار ينزل فيتغلب عليه، ويشترط عليه إموراً مخالفة للشرعيات فيستجيب لذلك بضعفه، وربما إن لم يستجيب أخبله، ويمكننا بهذا ملاحظة الفروق بين طاعة الوليّ الاختيارية وطاعة الزاجر الذي يلتوي لسانه بالصيغ الذكرية طالباً مصاحبة الجن.
ومن الأولياء الذين خضع لهم الجن بصورة ملحوظة الشيخ عبد الباقي رضي الله عنه. فقد روي أنه ملك تسعين قبيلة من الجن استجابوا له جميعاً. وقد أشار إلى هذا الشيخ عبد الباقي المكاشفي رحمه الله في قصيدة له قائلاً(2):
مـن جــن وبـشــر لعــلاك

طـاعــــــت لـك الأمـــــــلاك
ويقصد (بالأملاك) ملوك الجن الذين طاعوه وانتفعوا بنـور ولايته. والجن كالإنس بل أشد حاجة إلى بركات الأولياء والانتفاع منهم، فأوجب هذا علي العلماء الربانيين من هذه الأمـة، أن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله تعالى وسط الخلقين هدايـة ورعاية. وإنما يتاح الأمر للوراث المحمديين الذين آتاهم الله من لدنه علما، ومقام الدعوة ليس متاحاً لكل أحد من الناس بل هو مقام عليٌ، خص الله به أهل الحكمة والدراية .
مائة وخمـسون عـامـاً:
الحديث في هذا لمحات يسيرة من حياة الشيخ عبد الباقي النيَّل الوارث المحمدي حقاً. وقد كانت صحائف حياته مليئة بالجد والاجتهاد، محى الله بلحظات وجوده دياجير وظلام، وطهر الله بنور ولايته القلوب والجوارح، فقد انتقل الشيخ النيَّل إلى الرحاب الربانية الواسعة بنفس راضية مرضية في 1210هـ عن عمر بلغ الخمسين بعد المائة، رحمه الله وأمدنا من خيره.








7- الشيخ طه الأبيض البطحاني
مـولـده ونشـأتـه:
الشيخ طه الأبيض البطحاني بن محمد بن أحمد بن محمد بن صاحب الكبير(1). ياتي سياق الحديث عن زمن ولادة ونشأته، ولد الشيخ طه بقرية أبو دليق عام 1192هـ، ونشأ كعادة أهله مشتغلاً في صغره بتربية الأغنام ورعيها ويروى أنه كان يوماً مع أغنامه بمكان يقال له النجفة (بأبو دليق) إذ مر بالرعـاة رجل طلب منهم أن يسقوه ماء فضنوا عليه لقلة الماء، ودلوه على صاحبهم طه، فذهب اليه وطلب منه الماء، فلما شرب دعا له قائلاً: سقاك الله مثل ما سقيتني. فكانت هذه الدعوة سبباً في نقله من حياة الرعي إلى سلوك الطريق. ويقال أن هذا السائل هو الخضر عليه السلام(2) وبعد فترة لم تطل أخذ في أسباب العبادة والتعليم.
قيل: إنه ذهب إلى خلاوي الغبش بالشمالية وقرأ فيها القرآن، ثم رحل إلى القضارف ودرس العلم علي شيوخها(1)،
سـلوكـه الـطـريق:
أخذ الطريقة القادرية علي الشيخ عبد الباقي النيَّل صاحب أم قروقور وقيل على الشيخ أحمد المكاشفي تلميذ الشيخ النيَّل. وقد ورد توضيح لهذه المسألة، أن الشيخ طه والشيخ عوض الجيد أخذا بيعـة السلوك على يد الشيخ عبد الباقي النيَّل، ثم أمـرهما بعده أن يتبعا تلميذه الشيخ أحمد المكاشفي(2)، وكان المكاشفي رحمه الله يعاملهما معاملة الأخوة، فإذا دخل حلقة الذكر أخذ أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. وقد قال فيهما شعراً(3):
عوض الجيد مع البطحاني رتوت ديــدان مملكة وللدين بيوتو
يَاتْ 1مــن كان عظيم عند الله فــوت التمر مع القرضات قـــوتُ
بعد السلوك رحل الشيخ طه من أبو دليق إلى الجزيرة، ويبدو أنه رأى أن يكون بالقرب من ساحة أستاذه، وحُببت اليه السياحة والذكر فارتاد شاطئ النيل ولم يعد بعد ذلك إلى (أبو دليق) مرة ثانية، واستوطن بمكانه الحالي الذي كان قبلاً يسمى مشرع الإحيمرات .
ختـام حـياتـه:
لم يتجاوز عمره الاثنين وأربعين سنة ولد عام 1192 هـ (الموافق 1778م )وانتقل إلى رحمة مولاه 1234هـ (الموافق 1818م).القراءة التاريخية بين الهجري والميلادي توقفنا على عمر الشيخ طه ومع قصر الفترة التي عاشها إلا أنه سلك عليه كثيراً من التلاميذ، الذين عرفوا بالصلاح وكثرة الإرشاد. ومن أشهر تلاميذ الشيخ طـه الشيخ إبراهيم الكباشي، والشيخ عبد القادر بن صاحب ابن أخيه. وضم جسده الطاهر قبره الموجود في منطقة مشرع الإحيمرات بالقرب من أربجي.
خـلـفـاؤه:
تولى الخلافـة بعده كما ابن أخيه الشيخ عبد القادر بن صالح الملقب بالسائح ، وكان الشيخ عبد القادر يميل إلى الزهد والعبادة، فقد ترك الخلافة ورحل إلى الحرمين، وكان البكري بن الشيخ طه آنذاك صغيراً لم يبلغ الرشد، فرعي احواله تلميذ والده الشيخ الكباشي، ثم بعد النضج ذهب به إلى الشيخ عوض الجيد صاحب العفينة فسلكه الطريق وأجازه في مكان والده.
توفي الشيخ البكرى أيضاً وترك ابنه طه صغيراً. وبعد بلوغه الرشد سلك الطريقة علي يد الشيخ الكباشي، وقد أمره أن يسكن بمكان قريته الحالية (أبرق)(1). وبذلك أصبحت خلافة الشيخ طه بمنطقتي العمارة طـه، وبأبرق الشيخ محمد علي.
أما خلافة الشيخ عبد القادر السائح فتولى مكانها ابنه الشيخ عبد الباقي الذي يؤرخ لميلاده سنة 1227هـ بالجزيرة، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وتعلم وسلك الطريقة القادرية علي يد الشيخ عبد الباقي بن الشيخ الإمام بن الشيخ عبد الباقي النيَّل. ثم غادر الجزيرة عائداً إلى منطقة أهله البطاحين وهم وقتذاك بجهة علوان وبنى هنالك مسجداً كبيراً بقرية التمامة. ودرس في مسجده عـدد من الناس حفظ البعض القرآن(1).
وقد كان للشيخ عبد الباقي مؤلفات خاصة في علوم العقيدة الأشعرية والفقه،كما أن له خمسة كتب في الصلاة على النبي()، وله ديوان مدائح فيه أكثر من ثمانين قصيدة، وله مدائح باللهجة الدارجه(2).
وقد توفي الشيخ عبد الباقي سنة 1292هـ وتولى سجادة الخلافة بعده الشيخ عبد القادر ثم انتقلت الخلافة في تسلسلها إلى الشيخ الحسن محمد طلحة رحمه الله. في ودساقُرْةَ ضريح الشيخ عبد البـاقي وتولى الخلافة بعده ابنه الشيخ الزبير، (3).




8- الشيخ عبد الباقي المكاشفي
برز عنوان هذا الكتاب مسطراً عليه الدعوة إلى الله تعالى عند شيوخ القادرية في السودان، وجهود الشيوخ في توطيد الدين في البلاد قبيل وبعد قيام المملكة السنارية التي قامت على أنقاض الوثنية العنجية. ودقات ناقوس الثالوث، وفصول الكتاب تتحدث عن الشيوخ وما كان لهم من حركة فاعلة في تاريخية بناء الدولة بالوسائل والأفكار الواعية لدورها في وضع لبنات البناء، الذي كان به التحول التاريخي الكبير الذي قاد البلاد فكراً ومنهاجاً إلى خط الإسلام، وقد شملت لمسات الشيوخ الهادئة عمق الحياة إجتماعياً وثقافياً حيث انتشرت مسايدهم تحوي التكايا المفتوحة وخلاوى القرآن والعلم، على ضفاف نهر النيل، وبين الهضبات الشامخة والرمال الساخنة كانت اللوحة المرمرية التي سطر فيها إزميل التاريخية الإسلامية اسماء امجاد كرام من بني يعرب عمروا الدنيا حيثما قطنوا، وقدر بعد قرون مضت من الزمن في البلاد أعاد الازميل كراته أن ينحت على حجر تلك التاريخية مع أولئك الأعلام الذين قادوا سفينة البلاد بكل هدوءٍ، اسم أستاذ عظيم حقاً، رجل علم أولاً ورجل قرآن وتصوف ثانياً، من هو ذا؟
هو رجل الشكينيبة:
عبد الباقي بن عمر بن أحمد المكاشفي بن الشريف محمد الهارب الحسيني نسباً، قدم جده الشريف محمد الهارب من مكة المكرمة في أول القرن الحادي عشر هجري، وينتمي الشريف محمد الهارب إلى أشراف المغرب من بلدة تلمسان حيث يوجد مقام جده الشيخ حسان الإدريسي التلمساني. قدم البلاد وتزوج السيدة مريم بنت الشيخ جلوك أبو شملة(1)، ولد منها الشيخ أحمد المكاشفي(2).
وولد الشيخ عبد الباقي المكاشفي بقرية ود شنبلي من ضواحي سنار، ويؤرخ لولادته بليلة السابع والعشرون من رجب عام 1285هـ الموافق 1862م. وقد أخذت المنيّه والده الشيخ عمر وهو صغير فقام بكفالته أخيه الشيخ أحمد، وكانت بدايته فك الحروف الأبجدية على أخيه الشيخ عبد العزيز، ثم تنقل بعد في خلاوى القرآن بمنطقة الشوافة الكواهلة. ومسيد الشيخ محمد بدر بأم ضبان فأثنى عليه الشيخ بعبارات تبشره بما يكون عليه في حياته، أو إنه لمس من الشيخ عناية خاصه لدور جده احمد المكاشفي الذي يتسلسل منه سند الطريقة.
يبدو انه رأى في هذه العناية تمييزاً لم ترضاها نفسه وهو طالب قرآن، ولعل الطالب عبد الباقي بن عمر امتثل في الطلب قول الشاعر :
تجرع كأس الجهل طول حياته من لم يذق ذل التعلم ساعة
فتوجه هجرةً لا يدري صاحبها أين المقر، وشاءت الأقدار أن تذهب به الخطوات إلى خلوة الشيخ سوار الذهب بالشمالية وحفظ بها القرآن الكريم(3).
وبعد رجوعه رأى أن يتوج عقد هذه المرحلة بطلب العلم ودراسة العلوم الشرعية واللسانية والعقلية، وتنقلت خطواته على عدد من حلق العلماء: الشيخ إبراهيم ود بقادي، والفقيه قسم الله ود بدّي الحلاوى، والفقيه جاد الله ود النذير ود أم مريوم، وكانت تلك الحلقات العلمية تدرس فقه المذهب المالكي الذي يمتلك ناصية البلاد، فدرس رسالة (أبا زيد القيرواني) وأقرب المسالك للشيخ أحمد الدرديري ومختصر الشيخ خليل بن إسحق ودالية الألوسي وعلم العقائد علي رؤى الإمام الأشعرى وفى الحديث موطأ الإمام مالك، وختم رحلته الدراسية على شيخ الإسلام محمد ود البدوي رحمـه الله(1)، ويبدو أن هذه المدرسة كانت دراستها عليا تخصصية وكانت المرحلة الأخيرة من الطلب. ومما عن المكاشفي أنه قرأ وحفظ مختصر خليل باللوح، وفيه اثنا عشر ألف مسألة(2). هذا الكتاب يعبر العلماء عن فقهه بالعبارة الشائعة بين الطلاب: ( من لم يقرأ خليل علمُ قليل)، (ومن لم يقرأ الرسالة حياته خسارة)، فكانت الرحلة العلمية في حياته مرحلة هامة أعطاها كل ما يطلب من التلميذ أو الطالب من اجتهاد.
السلوك الصوفي:
كان الشيخ عبدالباقي وريث منحى روحي بعيد الأغوار، ورثه من جده الشريف الإدريسي رقيد تلمسان، وجده الشيخ أحمد أستاذ الطريقة القادرية التي أخذها من الشيخ عبد الباقي النيّل بسلسلتها المتصلة بالشيخ البهاري إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني. وأوجب عليه هذا المنحى أن يأخذ السلوك علي خليفة الشيخ عبد الباقي الإمام المشهور بأبي الشول، وقد فرض عليه السلوك الصوفي كثرة المجاهدات، وكان يكثر من تلاوة القرآن والتهليل والصلاة علي النبي()(3).
المكاشفي والدعوة إلى الله تعالى:
يسوقنا هذا العنوان إلى أن تكليفاً جديداً الزم به حياته وهذا يجعله يختار موقعاً جديداً لحركة الدعوة المتفجرة على أرضية الطريقة القادرية، وبعد نظرةٍ وتنقل في أماكن وقع اختياره علي موقع الشكينيبة، وقد سماها المنيبة ولكنه أبقى اسمها الأول، وبعد بناء بيوت الأسرة على فضاء المسيد الواسع بنى بها خلوة القرآن الكريم التي كانت البداية، وقد اعتاد رجل التصوف أن تكون خلوة القرآن البداية في ميدان الدعوة إلى الله تعالى، وأبتدأ التدريس فيها بنفسه، ثم بعد توسع بدت بوادره، أنابه الشيخ عمر ود الهُدى ثم الفقيه عثمان المشهور بشيخ الحيران وتأسست إلى جانب الخلوى الحلقة العلمية التي كان أستاذها الشيخ المكاشفي نفسه، ونلمس توثيقاً لدور الحلقة العلمية بقدوم الفقيه عبد الرحمن حمّاد أحد أساتذة المعهد العلمي أم درمان، وجده في حلقة التدريس فلما رأى الفقيه حمّاد أمر الطالب أن يعطه الكتاب ليشارك في التدريس تبركاً وتكريماً بأجلّة العلماء، ولكنه أشار على الطالب أن يستمر مع أستاذه(1).
وإلى جانب هذه الأسس في الدعوة تربية المريدين بالسلوك والتوجيه والإرشاد، وقد هدى الله علي يده الكثير من الناس.
هذه الروائع من حياة الربانيين لها جواذبها الروحية تأخذ النفوس إلى مجرى الدين الصحيح، وكانت تلك الروائع سبباً لهداية الكثير، وإلى جانب ما ذكر نماذج من خصائص إنسانية رحيبة في حياة المكاشفي كان لها عمق في النفسية السودانية، التواضع، الزهد، الصبر، العطاء من غير منّة، فقد امتثل الزهد في حياته من غير تكلف أو تصنع، كان عرفه السائر عليه، ويوصي به كبار التلاميذ الذين كانوا إخوة له في طريق الله وعليهم يُعولُ نشر الدين في الأماكن القاصية، وقد صقل ذواتهم بالتوجهات الرشيدة التي جعلتهم في ما بعد شيوخاً، فقال لتلميذه ود الحاج: يا ابني لا تدخر شيئاً من الدنيا من المساء إلى غدٍ فقال ود الجردة: سألت أخينا العالم أبا حنيفة (من تلاميذ الشيخ) فقلت له المعروف من الأستاذ أنه زاهد في الدنيا لا يملك شيئاً، وكلما أراد شيئاً رأيناه يقضيه، وكان يستدين ويكتب لأهل الدين، فلاحظ هذا أحد الفقهاء الذي جاء زائراً اليه فرأى الأستاذ يكتب لأحد الطالبين سنداً يضمن له عطاءه فقال الفقيه في نفسه هذا تكلف وما كان له أن يتكلف بما لا عنده، قال فنظر الي الأستاذ وقال لي: يقول النبي () في شمس المعارف: (تداينوا على الله) قال فلما رجعت وفتحت الكتاب فرأيت هذا الحديث في أول صفحة فتحتها(1).
يبدو أن عدم الادخار لشيء مما وصل اليه من التلاميذ والزائرين مع كثرته إلا أنه يوظيفه على ذوى الحاجة، والنفقة على طلاب القرآن، قد يكون هذا التوظيف الاخير كبيراً، يأخذ كل ما وصل اليه، إلا أن نفسه الإنسانية الكريمة قد طبعت على الإنفاق واعتادت يدها أن تكون صفراً من مخزون الدراهم والعقارات، هذه الحالة العالية من السخاء والبذل في سبيل الخيرتفتح آفاقها امام المسلم الاية الكريمة (من يوق شح نفسه أولئك هم المفلحون) والعبارة الساخنة من آداب التصوف(أقبح القبيح صوفي شحيح)
علُّ هذا وغيره من معاني تلسع قلوب الشيوخ بسياطها تنبيهاً لهم من الميل إلى الكنز والانصراف عن قضاء حوائج الناس، كل ما يوصل إلى المكاشفي بالمصطلح الاقتصادي أنه (ملك مشاع) بين الذين حوله والقاصدين. هذا المنزع من الروائع الإنسانية الخيرة في المعاملة، وهو مطلب الدين في الحياة، فقد وعى عقل كبار الشيوخ معانيه وتعاملت بمفهوم القول الكريم (الدين المعاملة) هذا الوجه من الأبعاد الإنسانية والروحية فهو مفهوم عقل الشيخ المكاشفى، وقد كان للتطبيع بهذه المعاني عند رجال التصوف أثره على الكثيرين، ومن نتائج هذه المناحي الرحيمة التي عجنت بها طينة الربانيين كان الانتشار الكبير الذي رافق وصحب حياة الشيخ المكاشفي رحمه الله، وقد كشف جانباً من هذا تلميذه ود رحمة في قصيدته الذائعة الصيت التي يتغنى بها شباب وشيبة الطريقة بإيقاعات فنية رائعة المقاطع والجمال مع ذوق وشدوٍ وترنحات بديعة تزيد نشوتها رناتُ الدُف الرخيمة مطلعها:
مكـاشفينا الـزائـدة نفحــــاتـو الرجــال جاتو مـنو ما فاتو
الضـــاربـــــــة طـــارتـــــو بادي ابياتو فوق رســول الله
الرجال سكنو منو مـا فــاتــو أبو القرشى الزائدة بركـاتـو
وتزيد روعة القصيدة ما سجل الشاعر من مشاهد مدهشة من كثرة الوافدين في حياة المكاشفي وكان عليه مما رأى من كثرة تدفق أن يوصف ذلك بآلاف، أناس يصلون وأناس في حلق الكرير أو الذكر وأناس أتت للعطاء وأناس جاء بهم جد السلوك والانتفاع الروحي كل هذا يوصفه الشاعر ود رحمة بقوله:

عـشــــر تالاف قاعدة تتغــدى عشر تالاف باركة للمـــدى
عـشــــر تالاف واقفة للشـــدة عشر تالاف ما لهم عـــــدة
الـــــرجـــال جـــــاتــــو
عشر تالاف واقفة في النوبة عشر تالاف حلقة مزروبة
عـشـــر تالاف جــاز لالوبـة عشر تالاف ماشي مهيوبة
مـكـاشــفينا الرجـال جاتو
لعل هذا الأمر في حياة المكاشفي رحمه الله دعى أن يجيز التلاميذ الذين ينوبون عنه في نشر الدعوة إلى الله، وكان من التلاميذ الذين نالوا إجازة المشيخة من يده الكريمة .
الشيخ محمد ود رحمة، والشيخ محمد البخاري، والشيخ صالح تاج الدين، والشيخ عبد المتعال، و الشيخ زين العابدين ود أحمد، والشيخ عبد الله ود العجوز، والشيخ حمد النيّل أبو عاقلة، والشيخ محمد ود أحمد، والشيخ البرناوى،(1) والشيخ الأمين ود البصير أبو فروع، والشيخ حسين آدم أديس أببا،(2) والشيخ البشير محمد المبشر المكاشفي، والشيخ محمد إبراهيم (الخوجلاب)، والشيخ الشايقى.
مؤلفاته:
مع الازدحام وكثرة القاصدين للشيخ المكاشفي إلا أن هذا لم ينسه الجوانب العلمية التي أفنى فيها زهرة حياته، قد أفاضت قريحته بكثير من الشعر وهو جانب إنساني لم يحرم منه حياته، كان تلميذه ود الحاج يحفظ ثلاثة ألف مدحة من رواية أستاذه المكاشفي، وقد ألف كثير من الكتب الدينية نظماً ونثراً في التوحيد والفقه والتصوف، وله مؤلفات كثيرة ونصائح واستغاثات مفيدة وأذكار مرتبة وصلوات ودعوات ومناجات ومدائح نبوية وفى مدح الأولياء والصالحين(3).
وقد دونت بعض تلك المدائح في دواوين، منها البْراق، سعادة الدارين في مدح شافع الثقلين، شموس الأنوار في مدح النبي () على نهج بردة البصيرى،(1) ومن قصائده العلمية التي جرى فيها على نهج العلماء (الجنائن المغروسة على حياض السنة المحروسة).
ويبدأها بقوله:
عــلى نبي جـــــاء بالخــــيرات وبعد حمد الله والسلام والصلاة
أعـــزفـــها لكــي تنيل الفــــوزة وبعـــد فــهـــذه الأرجـــــــوزة
تنج بــهــا يــوم الـحــــر الشديـد لأنها في معـــنى عقائد التوحـيد
وتســـــكـن الجـــنـان بالـــتأييــد وتخـــرج بها مــن ربقـة التقليـد
أما الوجود صفة نفسـيـة لك أين وهى لا الـــه للاستغــنـاء يا فـطن
قيامه بنفسه فهذه أربعة يا حادث القم والبقاء والمخالفة للحــوادث
ويختم أرجوزته بقوله:
ناظمها العبد المسيء الجـاني ابن المكاشفى راجي الغفراني
ولــه ولوالـــديـه والأحـبــاب سكونـنـا الجـنـان والأتــرابــا
وجاء في بيت القصيدة:
بعام "غشلة" أرختهــــا بحمد اللــه قد نسختها
(غشلة) وهي بالغين المعجمة أي تاريخ كتابتها سنة 1335هـ(1).
وقد علق وشرح هذه القصيدة العلامة محمد على البشير عبد الله الشهير بود الاحيمر وسمى شرحه (النمارق المصفوفة على الجنائن المغروسة) وجرى نمط القصيدة والشرح عليها على العقائد الأشعرية.
وله قصيدة في الفقهيات بدأها بقوله:
الحـــــمـــــد لله الــــــقــديــم البــاقى يقول ابن المكاشفى عبد الباقى
عـلـى النبي وآلـــــه مـــــن قـــــــام ثم الصلاة مـــــــنــى والســلام
فهم ســفـــن النـــجـاة رحـمـة للأمـة لــدين الله بالكـتـاب والســـــنة
لمعنى مقــــــــــدمة العــشــمــــاوى وبعــد فـالــــنظــــم حــــــاوي
واما إرتاه الصفتى يا مـن يبصـــها كذا صحيح الجواهر شـرحها
على حـياض الســنـة المحــروســة ســميتها الجنائن المغـروســة
قـطـب الأئمة واضــــح المــسـالـك تابعاً لنهــج الإمـــام مـالك
اعلم أن نواقض الوضوء على قسمين
أحداث واسباب أحداث دون مين
وللمكاشفي قصيدة هامة في حياة النبي () في الدار البرزخية بكامل هيئته الإنسانية ولم ينتقص منه شئ وهى قوله:

ما يدرى المصنف ما يقــول تواتـرت الأدلـــــة والنقـول
هـــلال ليس يدرك الأفـــول بان المصطفى حـىَ طـريٌ
لا ينســـه الـــــــــذهــــــول بأن الجـســم فـيه بــاق كدّرٍٍٍٍٍٍٍٍ
يكشف المكاشفي رحمه الله غطاء وجب كشفه في حياة النبي () البرزخية حياة كاملة. وبهذا يزداد أهل الإيمان يقيناً بحقيقة المصطفى ()وقد اوضح القرآن هذه المسألة ﮋ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮊ هؤلا الشهدا هم من كانوا دون الأنبياء عليهم الصلوات، على مختلف نوع الشهادة هم أحياء. عدم شعورنا والمعرفة بحياتهم لا يغير من جوهر الحقيقة الموصوفة بها تلك الحياة، وليس بعد كتاب الله تعالى قول أو تعليل، وشواهد ومشاهدات عينية كثيرة تحدثت على بقاء تلك الأجسام عن الحالة التي كانت عليها في الدنيا، هذا الضرب من المعرفة الذي أتحفنا به الشيخ المكاشفي أثابه الله خيراً أحوج ما نكون اليه، فهو علم يقيني يوصل الإنسان إلى حقيقة الإيمان بالحياة البرزخية، حياة النبي() وجميع الأنبياء عليهم الصلوات والشهداء فإنها حق لا ريب فيه، وكذلك حياة كل الارواح في الحياة البرزخية، فإنه يتألم الجسد بتألم الروح، لقول النبي  في القبر (فإنه إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) فيه يشعر الانسان بالسعادة والشقاوة،
ونحن في زيارتنا للنبي() لم نرتب في حياته ابدا، نتعامل معه أنه حي بكل ما تعني الحياة من كمال، ولعل قوله () صلو علي حيث ما كنتم تبلغني صلاتكم )وهذا الحديث يوقوفنا على سر الحياة في الحياة البرزخية إنها حياة كاملة بكل ما تعني معاني الحياة، إلا اننا نجهلها جهلاً مُطَبْقاً، وعدم شعورنا بتلك الحياة، مع وجود حقيقتها وتنكر بعض العقول لها يهدينا إلى الصواب في ذلك الايات الكريمة (ولكن لا تشعرون ) وقوله الكريم (بل احياء عند ربهم يرزقون) وقوله تعالى(ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم)
في هذا الايات وغيرها من ألاحاديث تدليل قاطع بالحياة في الدار الآخرة، وقد جعل الله هذه الدار خالصة لأنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين وكل من شهد لا إله إلا الله محمداً رسول الله . وقد سمى الله تلك الحياة بقوله ( تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) [القصص 83]
فقد ساقنا إلى مسار هذه الايات قصيدة المكاشفي عن حياة النبي () يبدو انه رأى الناس في زمن تحتاج المعرفة التي توصلهم إلى اليقين بحياة النبي () وبحياة كل من كان في الحياة البرزخية، ويبدو في قصيدته يناقش أحوال شكوك أرتابت كثير او بعض الناس، لعلها تكون هداية لمن ضل الطريق.

ونحن حين نقف امام قبرالنبي() نتعامل معه بأدب كالحياة معه في الدنيا توقيراً وتعظيماً، ومن خيلت له الاوهام انه () لا يشعر بوقوفنا امامه او بصلاتنا وسلامنا عليه، أو بدعاء الوسيلة الذي طلبه منا وهو (اللهم صلي على محمد وآته الوسيلة والفضيلة) من لم يعتقد حياته () ورأى قبره وثناً، وجب عليه أن لا يقف أمام هذا المشهد العظيم، الذي طلب الله منا توقير وتعظيم صاحبه () بل عليه أن يتنحى خارج هذه البقعة.
ﮋ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﮊ [آل عمران].
وقد جرى الترتيب العلمي أن تكون السنة الكريمة في مقدمة التفاسير للآيات الكريمة وقد ورد قوله (): (حياتي خيراً لكم ومماتي خيراً لكم، تعرض علي أعمالكم إن وجدت خيراً حمدت الله وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم).
فقد كانت الآيات الكريمة مقوية للحديث ورافعة لدرجته في جدولة علوم الحديث ومراتبه، وما يقويه استدلال الآيات البينة فهو صحيح معنىً وسنداً في روايته ورجاله ووصل سنده.
وبعد ما حواه السِفر من حديث عن شيخ القادرية المكاشفي ومعارفه العلمية والروحية والإنسانية، نستسمح أن نؤرخ لختام حياته الراحلة إلى مستودع الرحمة الباقية بعد حياة امتدت ست وتسعين سنة، انه انتقل إلى جوار ربه في عشرة ذي الحجة ليلة السبت 1381هـ الموافق 1960م.


















9- الشــيخ إبراهــيم الكــباشي:
مـولـده ونشأتـه وحياتـه:
هو الشيخ إبراهيم بن الفكي الأمين الملقب بالكباشي بن الفكي علي المكني بود سهول، وهو ينتمي إلى قبيلة العركيين، ويلتحق نسب قبيلتهم بالإمام الحسين بن الإمام علي رضي الله عنهما( ).
ولد بالجـزيرة بقرية أبو قميص شرق معتوق بالقرب من المناقل في عام 1201هـ( ) (الموافق بالميلادي 1787م تقريباً). أما صفته فقد كان (مربوع القامة ليس بالطويل ولا بالقصير أخضر اللون( )، بين أسنانه فرجة (فلجة) وتوجـد شامة كبيرة على كتفه الأيمن وأخرى على كتفه الأيسر). وقد وصفه الشاعر ود نفيسة إبراهيم ود أحمد قائلاً( ):
أفلج وأخضر في فنونو ندر
بين القامتين فوق الشامتين الكباشي الفي السابعة سدر
فـرق الهامـــتين نقط التاتين
حفظ القرآن على الفقيه ود الفادني ثم جوده على الفقيه كَلِي بقرية طيبة العركيين. وتلقى فنون العلم على الشيخ إبراهيم ود عيسي، وأخذ السلوك الصوفي على الشيخ طه الأبيض البطحاني( ). قضى الشيخ الكباشي الشطر الأول من حياته ونذراً من الثاني بالجزيرة ثم رحل إلى شمال الخرطوم بإشارة من أحد شيوخ الطريقة لنشر تعاليم الإسلام، فنزل في رحلته بغابة ود أبو حليمة، ولما سمع به شيوخ العبدلاب وجاء اليه أحد رجال المشيخة يبحث عن سبب مجيئه، لان من عادة الحكام الخوف الملازم لكل من يرتابون في أحواله وبخاصة الشيوخ الذين حولهم الاتباع، ولما اطمأن من حاله، اشار عليه بالنزول في الغابة التي تعرف باسم الفرع، وقد كانت هذه الغابة مليئة بالهوام والثعابين، فأبلغ أهـل المنطقة الشيخ الكباشي بعدم النزول فيها، فأمر تلميذه أبزيـد الهلالي أن يذهب ويبيت فيها بالقرب من النيل، وبعد طلوع الفجر يـؤذن ويصلي الصبح فيها ثم ينادي في الهوام أن ترحل من المنطقة، وقد رأى الناس بعد أن طلع الصبح أسراب الهوام راحلة، فسجل له شيوخ العبدلاب هذه الأرض من النيل إلى قرية حيطة باسمه( ).
وبعد هذا السماح له اشار إلى تلاميذه بقطع الأشجار، وتنظيف الحشائش من البقعة التي اختارها، وبنى عليها خلوة القرآن الكريم وخلاوي الطلبة والضيوف، فتوافد عليه الناس من مختلف القرى والمناطق طلباً للقرآن والعلم والسلوك، فحفظ القرآن في خلوته كثير من الطلاب الذين أصبحوا فيما بعد منارات للعلم وشيوخاً يقتدي بهم. ومن مشاهير الشيوخ الذين حفظوا فى خلوته الشيخ الامين ود بلة
وروي أنه صحبه بعد ذلك سبع سنين ( ).
فقد استقر ببذله وجهاده الدين في النفوس إيماناً ويقيناً، بذل أقصى ما يمكن أن يبذله من مخزون طاقته الإنسانية، مجاهدة للنفس وجهاداً لتوصيل الدين في الحياة، قرآناً وعلماً وسلوكاً، بهذا المثلث كانت انطلاقته الكبرى بذلاً وعطاءاً في كل ميادين الحياة، وقدرت مشيخة الكباشي أن تكون معلماً أصولياً على الطريق هادياً إلى الله، فقد عصمت دعوته نفوس من هرع اليه من الضلال والفتن والنحل الفاسدة، ومن المعلوم يقيناً أن مهمة الولي في الحياة وجوداً رسالياً. دالاً على الله تعالى مقالاً وحالاً، وليست كلمة تقال في الولي والتعريف بحقيقته أعظم من (أنه معلم يستدل بوجوده على الله تعالى) والولاية بالطبع لا تعني مسمى وظيفياً، ولا تخضع للعوامل الكسبية، قدر أن يكون الولي الأصل في الدعـوة إلى الله، ولا تنصرف ماهيتها إلى غيره بحكم الوراثة (العلماء ورثة الانبياء) وكذلك أصلاً في الإرشاد: ﮋ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ [الكهف:١٧]، إن المعنى الإرشادي لن يكون متحققاً إلا في الأولياء، وذلك لطهر القلوب وبراءتها من الأغراض التي يُقصد بها أمراً دنيوياً أو سياسياً الدين لا يستعمل لاغراض تافهة: ﮋ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ [الزمر:٣]،
الدعوة إلى الله والإرشاد فإن كان سبيلهما نفوس ظُلمانية لا يكونان إلا هلاكاًً: ﮋ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮊ [النور:٤٠] هذا الإشعاع لا يتحقق في الذوات الإنسانية إلا بالإرشاد والاتباع، ولما كان الولي واسطة في نقل الدين الصحيح إلى النفوس، وجب الأخـذ عنه مفهوم الدين عقائـداً وسلـوكاً، وهذا أوجب عدم التعرض إلى مرتبة المشيخة إلا بعد الاجازة من أُلي المعرفة.
قال الشيخ محمد بـدر رحمه الله (من تعرض للمشيخة من غير إذن فهو مفتون ومغرور ومغبون يخشى عليه من سوء الخاتمة وذلك لما فيه من الجرأة) مفهوم الشيوخ أن الدعوة إلى الله تعالى مرتبة إنابة عن صاحب النبوة (). وبهذا المعيار وجب الابتعاد عنها لأن في الأمر خطورة، وبخاصة إذا كان الأمر دعوى نفس وأغراض جاه وسلطان، من غير نظرة للتحقيق في هذا المقام، ويقول ود بدر في المرشد الحقيقي: (جد صدقاً تجد مرشداً)(المعنى جد في الطلب بصدقٍ تجد الولي المرشد). هو ما قال عنه: (هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك علي المولى وهو الذي لا يزال يجلو مـرآة قلبك حتى تجلت فيه أنوار ربك، نهض بك اليه فنهضت معه وسار بك حتى وصلت، ولا زال محاذياً لك حتى يلقيك بين يديه فزج بك في نور الحضرة فقال ها أنت وربك )( ).
يبدو أن الحديث عن الشيخ الكباشي والتعريف بوَلايِته قادنا إلى مناحي حديث في الولاية والارشاد وحقيقة المشيخة، وهذا التوضيح لمعرفة الفروق الكائنة بين الأولياء الشيوخ وغيرهم الذين نصبوا أنفسهم تنصيباً شيطانياً.
قال الشيخ عبد العزيز الدباغ رحمه الله : (في حديثه عن الشيوخ الأولياء والإرشاد، بأن المقصود من التربية هو تصفية الـذات وتطهيرها من رعوناتها، وذلك بإزالة الظلام وقطع علائق الباطل عن وجهتها )( ).
ولعل هذا أمرٌ قد قل وجود أهله فهو (كعنقاء مغرب). فقد زلف الشيوخ الأولياء وكثرت الدعـاوى والأدعياء، فلهذه الفروق جرى الحديث عن شيوخ الولاية الذين ضمتهم دفّتا السفر، فالتعريف بالذين هـدى الله أمراً يقتضيه الواجب، لهداية الإنسان مع من يكون في حياته: ﮋ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﮊ [التوبة:١١٩]، ﮋ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲﯳ ﮊ [الأنعام:٩٠] وليس أبلغ من هذه الايات دَلالة في التعريف بالأولياء، والأمرُ بالكّوَن معهم، والاقتداء والتأسي بهم حالاً ومقالاً، وقد كان الحديث عن الشيخ الكباشي رضي الله عنه لأحوال أوجبت ذلك، وبعد توسع نشاط الدعوة إلى الله وتدفق الناس عليه، رأى أن يجيز بعض التلاميذ الذين لمس فيهم الأهلية للقيام بمهام الدعوة .
ومن أولئك الرجال: الشيخ عوض الكريم ود أبو حنة والشيخ محمد ود عدلان والشيخ عبد الله ود عبد القادر والشيخ محمد ود عتمان والشيخ أحمد ود محمود والشيخ مرزوق والشيخ فضل المولى أبو شمال والشيخ أبزيد الهلالي( ) والشيخ بشير الحمدي والشيخ البشير عبد الله الاحيمر والشيخ عوض الله والشيخ الزاكي والشيخ حاج حمـد ود شوين جـد الشويناب بالمايقوما.


الكباشي ومغارات التعبـد:

جرت حياة شيوخ التصوف في بدء سلوكهم ان ينتبذوا بعيداً عن الناس، للتأمل والعبادة لقول الله تعالىﮋ ﰃ ﰄ ﰅﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﮊ [الذاريات:٥٠] ، ومن أولئك الشيوخ الاولياء الكباشي، الذي إتخذ في بعض الجبال مكاناً لخلوته، فألف جبل (الفـريد)، الذي يقع شرق قريته الحالية وأيضاً جبل (السِليت). ويبدو أن الشيخ الكباشي مع تزاحم الناس عليه، كان يفرض على نفسه دورات روحيـة يخلو فيها مع ربه، وقد جعل أيضاً غاراً أو سرداباً أمام مسجد الصلاة. وهو مكان مظلم تحت الأرض مساحته تقريباً تسعة أمتار مربعة . والداخـل اليه يلج عبر مدرج من لبن الطوب (الآجر) إلى الأسفل، فلا يكاد يتبين شيئاً من شدة الظلام حتى يجلس قليلاً، وليس في الغار منفذاً للهواء والتنفس، ولعل السر في إحكام المغارات بهذه الكيفية عند أهل المجاهدات هو محاولة إغلاق الحواس من التشويش. ومع عثورنا على بعض مكان خلاوي الكباشي للتعبد فهل نستطيع أن نقدر أوقات تلك المجاهدات، اللهم لا، لان عبارة وردت عنه بعد خروجه من خلوة إعتكافه وهي ثلاثة سنين، يبدو هذه الدورة الاعتكافية صحبها حال عالٍ من الروحنة فطويت و جمعت فيها الايام، فسئل عن وقته في الخلوى فقال: ليلة واحدة: وقد وثق هذه الواقعة شاعره الكنجي في أبيات قصيدته فقال فيها
ثلاث سنين كالليلية
واعطوهُ امانت القادرية
هذا الحدث القريب عن حياتنا العادية، يقودنا إلى مجرى أحداث كثيرة في حياة الشيخ الكباشي،
ونجهد اليراع علّنا نجد لها تخريجاً وتفسيراً يخرجنا من ديمومة الصدمة كيف كان هذا؟ وهل يكون فعلاً؟
سياحـة روحيـة:
الـروح من المسائل الغيبية التي شغِف الإنسان الى محاولة معرفة شيء من أمرها وعالمها المجهول، ولكن الكثرة من علماء الدين أضربوا عن الخوض في هذا العالم، ورأوه من المسارات التي لا تجدي فيها التكهنات العقلية ولا التنبؤات التي لا تقوم علي أساس، فقد يؤتى الإنسان قدراً كبيراً من العلم والإلهامات، ولكن يظل الأمر غير مأمون العواقب. وقد تحدث أصحاب الفقه الروحي عن هذا المنحى، وأشاروا إلى خطورته وحذروا من الوقوف حيال ما قد يتراءى للإنسان من غير علم يقيني يؤكد ماهيته، وذلك لما يمكن أن يحدث من تلبيس بسبب أرواح ماردة. ومع إفاضتهم في التحذير من الالتباس، إلا أنهم رأوا أن باب الفتوحات والإلهامات غير مغلق أمام الراسخين من أهل الولايـة، وهناك فرق كبير بين ما يحصل للأولياء وغيرهم من الكهان وأدعياء الباطل. فالولي أمّن الله مساره الروحي، وحفظه من الإنزلاق والإفتتان، وذلك بما منّ عليه من بشرى عاجلة في الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﮋ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﮊ [يونس:٦٤]، سابق البشرى في الحياة الدنيا وما هو مدخر في الحياة الآخرة كلاهما من الله سبحانه وتعالى، الذي تستوي عنده الدنيا والآخـرة في العطاء والمنع. والولي مع هذا لا يهـدأ له حال، ويظل خائفاً وجلاً، فالخوف والوجـل والمراقبة والمحاسبة للنفس صفات للعبودية، التي هي أعلى مقامات الولاية والتفاني في ذات المعبود جل شأنه.
وهؤلاء الأولياء المتمكنون المحفوظون لا يمكن أن يلتبس عليهم في هذه الإمور الروحية التي هي مرحلة قطعوها وخبروا دروبها دون الوقوف عندها، لذلك فإنهم يتحدثون حديث العارف الخبير المالك لزمام قوله وفكره، مهما كان في حديثهم من معاني يصعب على الأفهام والعقول إدراكها، ومن تلك الأحاديث ما سجلته لنا يد الشيخ الكباشي رضي الله عنه حيث خط:
(في ليلة الأحد ستة وعشرين جمادى الآخرة سنة ألف ومائتين وثمانين1280هـ تفكرت في عظمة الله جل جلاله، فرأيت عجائب وغرائب تحير عقول الناس، ولا يحصر تلك العظمة إلا الله، رأيت جمالاً محمولة( ) كالسطوح العالية، فرأيت عجائب وغرائب فهي من عظمة الله تعالى، الجمال اطلعتُ علي عددها فوجدت عدلة محمولة علي جمل وحـدها فوجدت فيها علوم الأولين والآخرين، بدأً أصول كل شيء لا يعلمه إلا الله. ولما فتح لي ذلك رأيت فيها الأنبياء وهم مائة ألف وأربع وعشرون ألفاً، ورأيت شهوراً وأياماً يتبع بعضها بعضاً، ورأيت شمساً تطلع وتغيب وقمراً منيراً من أول الشهر إلى آخره... ورأيت… ورأيت…ورأيت)( ). ويصف الشيخ مشاهد روحية تفصيلية كثيرة وبعدها يقول: (وراحت روحي فما أدري أين كانت، أتاني الملك ميكائيل فوق العـدلة فطلبت منه أن يخبرني بتلك العدلة فقال: لا باب لي فيها ولا اطلعت عليها، فقلت له: كيف أرجع، كيف أرجع يا حبيبي من سياحتي هذه؟ فقال لي اطلب إسرافيل، ثم وقفت بعد مدة قليلة كرفع البصر أمام إسرافيل فقلت له: كيف ذلك يا حبيبي؟ فقال لا علم لي بذلك ولا اطلعت عليه. سرت إلى عزرائيل فقال لي: لم أستحضر ذلك، ثم وقفت بين يـدي جبرائيل فقال لي: لا علم لي بذلك. ثم ذهبت روحي فلا أعلم حتى وقفت بين يدي حبيبي محمد(). فلما حضرت بعد ذلك جَلََلْتُ وعظمت وكبرت وقلت الحمد لله الذي أوقفني بين يـدي حبيبي محمد(). فرحب بي الحبيب() فسألته عن ذلك الأمر. فقال شفيع الأولين والآخرين: هذه هي العظمة، قال تعالى: ﮋ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﮊ [المدثر:٣١]. وقال تعالى: ﮋ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﮊ [آل عمران: ١٦٤]. فهو شيء لا يحصى ولا يعـد، فهو أرض وسموات فيها ما تشتهي الأنفس وتلـذ به الأعين، غير السموات السبع هذا هو: عظمته جل وعلا)( ).
نود لو نجد سبيلاً لفهم تلك المشاهد الروحية، التي تفضل الشيخ الكباشي بتسجيلها وأرخ يومها وسنتها، ومع بعد الشُقة وصعوبة الأمـر، نستسمح في هذا الميدان أن نعبر عن حدث هذه المشاهد ، ونقول أنه (ارتقاء روحي)، استشرف أثناءه الشيخ على سرٍ من أسرار العظمة الإلهية التي لا يُدرك كنهها ولا يُسبر غورها، وما اطلع عليه الشيخ الكباشي وغيره من الأولياء، ما هو إلا ذرة من عظمة ما تجلى الله به على أنبيائه ورسله عليهم السلام. والـولي إنما ينال هذا وغيره من الفتوحات بحكم الإيمان والاتباع للرسول ().
والشيخ الكباشي رضي الله عنه لم يجهدنا كثيراً في هذا المضمار، يصف سياحته بأنها روحية، والروح لا تُدرك ولا تضبط مساربها ومساراتها، لأنها من أمـر الله لذلك كان يعبر بقوله: راحت روحي فما أدري أين كانت، أو ذهبت روحي فلا أعلم إلى أين.
تسوقنا هذه السياحة المنامية وتوقفنا على حدث روحي عظيم، وهو التقاءُ الروح بالملائكة، الذين كانت تسألهم الروح عما في العِدلة وكانوا يقولون لا علم لنا ، وصدق الله العظيم حيث قال: ﮋ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﮊ [البقرة:٢٥٥]. ثم يقف الأمر أخيراًبالروح في رؤآها بين يدي النبي() لتأخذ منه تفسير ما رأت، بلا ريب أن أخذ العلوم والمعارف من النبي()، عن طريق الكشف المباشر أو الرؤيا الروحية، تأمين لمسار الانسان الروحي أن تتسرب اليه واردات شيطانية، و اللقاء مع النبي () وإن كان مناماً، فيه الحفظ والصون من الطوارق الشيطانية، لان رؤيته من كبرى المبشرات.
وتأخذ الروح في مسار سياحتها شطاً آخر من خضم هذه السياحة ، يقول الشيخ الكباشي في رؤاه الروحي: (جاء الحق والباطل يتسابقان فيؤخر أحدهما الآخر فسبق الباطل الحق، فأردت أن أستفيد منه فجاء جبريل عليه السلام فأخر الباطل وقدم الحق الذي لا عقوبة فيه. ففرحت وظننت أني من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لكون جبريل صحبني).
فقد كان تقدم البـاطل على الحق، ذلك لوقاحة الباطل وسوء أدب أهله في كل زمان ومكان، يحاول حشو باطن أتباعه بالعلو والاستكبار و التقدم على أؤلي والعلم والفضل، وويحدث الشيخ الكباشي عن مشاهداتٍ روحية حصلت له، ومن تلك رؤيته لجبريل ، والحديث عن علاقة الملك بالانسان تحتاج إلى دلائل، ولكنه بطبيعة خَلقه وعلاقته مع الانسان: إنه جند إغاثة وإمداد في حالة الحرب والشدائد، يساعدنا في هذا القول الكريم ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله) [الانفال 10]
(إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاث آلاف من الملائكة منزلين، بلا إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به) [آل عمران124-125-126 ]
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم أستقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنو وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون......إلخ)
(إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا)[الانفال12]
(والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض ألا إن الله هو الغفور الرحيم)[الشورة 5]
(الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فأغفر للذين تابوا وأتبعوا سبيلك وأقهم عذاب الجحيم )[غافر7]
من خلال سياق الايات الكريمة تبين لنا صلة الملائكة بالانسان، وبخاصة المسلم وإعانتها له في حالة الكروب والشدائد، والاستغفار له وسؤآلها لله أن يقيه عذاب الجحيم ، مع أن الملائكة مخلوق عليوي لا يراها الانسان في حالته العادية، إلا أن منطوق ومفهوم الايْ جعلها قريبة منا، معايشةًًً لأحوالنا ،تُحبُنا ونُحبُها، وهذا لما بين الخلقين من وشائج مُقرِبة، وهي صفة الائمان و الشهادة لله بالوحدانية (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأُلوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) [العمران ]
عل حشد الايات القرآنية رقم نزولها في أحداث إلا أن الاستدلال بحيثياتها يطمئن الانسان بوقوف الملائكة حوله ومعه، إذا كان هذا واقع وجودهم من الانسان، إذاً تجوز لنا رؤيتهم، وإذا قيل لا.. إذن فما هو الحاجز الذي يمنع ذلك ؟ إلى جانب هذا إذا نظرنا في حديث حنظلة وقول الرسول() له ساعة فساعة، لودمتم على الحالة التي كنتم معي والذكر لصافحتكم الملائكة على الطرقات وعلى فرشكم **
بهذا نقول إن الدلائل التقريبية تفسح المجال للربانيين للحديث والانس مع الملائكة، كالذي وقع لبعض الصحابة رضوان الله عليهم*، هناك حقيقة وجب أن تعرف، إن الذي وضع هذا البرزخ الفاصل بين الخلقين إن شاء أزاح فواصله لمن شاء من عباده، وهذه المسألة ليست فيها كبير إشكال لوقوعها في محيط الممكنات والجائز، ولا تقع في دائرة المستحيل والممتنع، هذه القاعدة يضع عليها العلماء إمتناع الشيء وجوازه، وقد تفضل خاتمة المحدثين علامة عصره الجلال السيوطي في كتابه (تنوير الحلك في رؤية النبي والملك)، بجواز ذلك.

مؤلفاتـه وشـعره:
كان للشيخ إبراهيم الكباشي الكثير من المؤلفات في مختلف المواضيع، إلا أن معظمها قد ضاع وفقد، ولم يُعثَر إلا على أجزاء ضئيلة منها( ). ومن تلك الكتب والمخطوطات:
* كتاب السـير إلى رب العـالمين. تحدث فيه عن أخلاق المتصوفة وكيفية السير إلى الله.
* الذوق يوضح فيه خفايا النفس والقلب وما يتعلق بهما من أمراض.
* مقعد الصديقين في أخلاق المتصوفة.
* بيان المشهد الإلهي يوضح فيه صفات أهل الكمال.
* العِدلة.
* التعبير في ذكر البصير.
* المهدي المنتظر.
* انشقاق القمر تحدث فيه عن معجزة انشقاق القمر للنبي ().
وله مؤلفات تعبدية من أحزاب وصلوات نبوية منها:
حزب الحمد وحزب الجلال وحزب السلام وحزب الأنوار وفتح الفتوح وسر الأسرار وصلاة الإرشاد.
وله أيضاً مؤلفات شعرية في مدح المصطفى وقصائد صوفية في ذكر أحوال الأولياء والصديقين وحال السير والسلوك.
ومن قصائده التي تناول فيها سيرة الصالحين أهل السلوك( ):

وحـالُم كبازٍ في الهوى عـن
وقـلــوبُم بنـور الله أمـتلن
هم الأقطاب والأوتاد أخى اسمعن
هم سادات الخلائق أخى اخبرن
لي أقـــوالُــم أفـــعـالُــم يصـدقـــن لما جـن الليل قامـو رجالا
وعيونم جفت المنام لله طوعـاً
هـم بحـور العـلم والهـدى
هم شـيوخ التربى والــتربى
هـم قاموا بالحدود والأمــر نهـيا
ويوصي الشيخ المريد بأن يتحلى بفضائل الأعمال، ويوجب عليه الالتزام بها في مســــاره ومسلكه لأنه عاهد أستاذه على ذلك، عملاً بقوله تعالى: ﮋ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮊ [المائدة:١] فيقول الشيخ:
عين الفتى توري ما في الضمير ظاهرن
يُسأل أن كان في شيخه الخير يذكرن ويحـذر عن الوسـواس أن يغـيرن
ويمـثلــه بالثقـات لا يتأمـلـن
ويسـهـر سـهـراً عـظيماً تالياً
عـليه ويكـون للحـق تابعــن
لسان الحـال ينطق لصاحـبه
تلميذ القوم يصنت وليس يسأل
ويكـون منضبطاً ومـنذجـراً
ويظـن الخـير فـيه قطـعـاً
ويواظب علي الذي عـاهد بـه
ويبكي علي نفسه قبل أن يبكو

انتقل الكباشي إلى العالم الآخر:
بعد عمر يربو على خمسة وثمانين، اختارته المنية إلى الرحاب الربانية في سنة ست وثمانين ومائتين وألف للهجرة. فاختتمت بذلك سنوات طويلة، كان قد أنفقها بين خلوة القرآن وحلق العلم والإرشاد والتسليك. فنمت بهذا القطب الحياة العلمية والروحية في تلك المناطق التي كانت قبله تفتقر إلى أبسط أسس المعرفة بالدين. فقد دفن الجثمان الطاهر بين جدران مزاره بقريته الفرع، عليه رحمات الله.
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-09-2012   #8
مشرف
 
الصورة الرمزية خالد محمد خالد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2011
الدولة: الحاج يوسف
المشاركات: 1,992
معدل تقييم المستوى: 85
خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش خالد محمد خالد مدهش
افتراضي رد: كتاب القادريه من مؤالفات الشخ محمد الحسن ابوقرون

1- الشـيخ محمد ود بـــدر
هو الشيخ محمد بن أحمد بن موسى والدته ريّا بنت أبزيد بن حبيب الله بن علي بن محمد الخيار.
ولـد عام 1226هـ (الموافق بالميلادي 1811م على وجه التقريب)، ونشأ في المنطقة الواقعة بين الشيخ إدريس والشيخ حســن ود حســونة، وكان آباؤه قـد قطنوا تلك المنطقة بسبب تلمذة جده علي بن محمد الخيار على الشيخ حسن ود حســـونة بوصية من جده ابي والدته الشيخ إدريس ود الأربــاب، فسار الأبناء والأحفاد علي طريق الاباء والأجداد. هذا ما جعل السيدة ريّا بنت ابزيد تتردد في زياراتها على مسيد الشيخ حسن.
يروى عنها أنها قالت: (زرت سيدي الشيخ حسن ود حسونة، فلما جلست تجاه ضريحه سألت الله أن يرزقني ابناً مثله، فسمعت هاتفاً يقول: آمين)(1).
لم يذكر شيئاً عن تعلمه في بدء حياته، لعل حياة الترحال والتنقل فرضت ذلك وهذا شيء طبيعي في تلك الفترة،
فقد كان طلبه العلم متاخر عن حياة شبابه فبدأ في إكتسابه بعد حجه لبيت الله الحرام وأخذه طريق التصوف، وهذا يجعل سعيه للعلم بعد أستقراره بقريته الجديدة (ام ضبان)

سـلـوكه الطـريقة:
في حجه الى بيت الله الحرام قابل السيد محمد عثمان الميرغني في الاراضي المقدسة وأراد أن يسلك عليه الطريق، وكان عمره آنذاك تسعاً وعشرين أو ثلاثين سنة. قال: ترددت على مجلسه مراراً فلم أجد فرصة. وذات يوم من الأيام توجهت وأضمرت في نفسي ألا أبارح مجلسه ولو أقمت أعواماً حتى أقضي منه أربي وآخذ عليه العهد. فلما قضي مجلسه قام ومر بي وقال لي: يا رجل رح بلدك لتصلح أهله(1). وبعد رجوعه من رحلة الحج، يبدو أن مسألة سلوك الطريق التي أبداها للسيد المرغني أستولت على فكره، وجعلته يفكر في أخذه بعد رجوعه، أو أن الشيخ المرغني أشار إليه أن شيخه ببلاده السودان، وقد جرى الامر عند شيوخ الخبرة ان يدلوا السالك على الشيخ الذي ينتفع منه، فذهب إلى الشيخ عوض الجيد صاحب العُفِّينة، وأخذ عليه بيعة السلوك الصوفي ثم تحدث عن ما حصل له من الشيخ عوض الجيد.
قال: (اجتمعت مع الشيخ عوض الجيد رضي الله عنه، فلما قضيت أربي منه خرجت، فخرج معي يقادمني، فلم تكن إلا ساعة قليلة حتى وصلنا منزلاً بمدينة تونس فطرق الباب ففتح وأتت جارية أدخلتنا علي رجل فجاء لنا ببلح فأكلنا، وأتانا بغلام صغير فقال: هذا ابني فباركوه. فدعونا له بخير وخرجنا من عنده. فأقبل علي الشيخ عوض الجيـد وقال لي: يا بنّي أطلب في هذه الليلة ما تريد وقل: ﮋ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﮊ [الأنعام:٧٩]. فقلت ذلك وطلبت من الله ما أريـد فعلمني التوارة والإنجيل والزبور والفرقان، وما ذلك على الله بعزيز(2).
وبأخذه عهود الطريق ارتبط بالسلسلة القادرية:
الشيخ محمد بدر عن الشيخ العوض الشهير بعوض الجيد عن الشيخ أحمد المكاشفي عن الشيخ عبد الباقي النيَّل عن الشيخ عبد الله ود العجوز عن الشيخ محمد المسلمي الصغير عن الشيخ دفـع الله المصوبن العركي عن الشيخ حبيب الله العجمي البصري عن الشيخ تاج الدين البهاري(1) .
بهذا العهد توثقت روابطه بالطريقة القادرية، ولم يكن له قبلاً من سلوك صوفي إلا ما وجد عليه والدته (ريّا) وابائها من عقد ولاء ومحبة للشيخين ود الأرباب وود حسونه، وأخذه السلوك فتح عليه باباً من التكاليف، فقد ذهب بعد هذا يفكر فيما أُوكل اليه من الطريق وأحياءه في حياة الناس، ولا يُتصور ان الطريق وسلوكه كلمات تهمهم بها الألسن، بل الأمر وظيفة بلاغ ساخن، وتوظيفٌ لفرائض الدين ونوافل الخير في حياة الانسان.
وإلى جانب هذه العهود التي اخذها الشيخ محمد بدر، إلا ان هناك مدد روحي يأتي من غير شيوخ السلوك، ويسمى اصحاب هذا بشيوخ الإمداد الروحي.
يذكر الشيخ ود بدر هؤلاء الشيوخ في سجع فقال: (الحبل الشديد من عوض الجيد، ونار الأكل والشراب من ود الأربـاب، والساس من حسن الراس، (والشيخ ريّا) والمرأة في الشريعة ما بتكون شيخ)(2).
فذكر الشيخ عوض الجيد رحمه الله أولاً لأنه الحلقة التي ربطته بسلسلة الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهذا شيء له أهميته لأمرين، لمعرفة بدايته والمدرسة الطرائقية التي اخذ بادابها ومناحيها الروحية، وهذا ما جرى عرفاً عند أصحاب الطريق الصوفي أنه لابد من الأخذ بأسباب الآداب الظاهرة التي تكون المباني الأولية. ثم ذكر الشيخ إدريس ود الأرباب وما حصل له منه من بركة وخير روحي ساعد في إيقاد نار التكية وخلوى القرآن وهذا السبب لإرتباط جده محمد الخيار بالشيخ ود الارباب، ثم ذكر الشيخ حسن ود حسونة وما نال منه من دفعة روحية عظيمة، قال: (زرت ذات يوم سيدي الشيخ حسن رضي الله عنه، فلما جلست تجاه ضريحه فاض لي منه فيض لو فاض أقل شيء منه في البرية لأحرق الشجر والحجر والبشر، فهيأني الله له وتحملته). وقال مرة: (يا إخواني في هذه الأيام نار الشيخ حسن توقد عندنا)(2).
كان هذا الفيض والإمداد الذي ذكر انه كان فيضاً روحياً حقيقياً تجلت له معاررفه وشعر وحس بحقائقه في ذاته البشرية،
وقد ختم الشيخ ود بدر سجعه بوالدته ريّا رحمها الله: فقال (الشيخ ريّا). فقد كانت هي التي وجهته في أول حياته في المسار الصحيح، وهو مع ذلك يقـول: (إن المرأة في الشريعة ما بتكون شيخ).
ومن هذه المقولة يتضح تأثير المذهب المالكي على حياة الشيخ ود بدر، إذ يرى المالكية أن المرأة لا تجوز إمامتها حتى على بنات جنسها، ونضع هذه المقولة على مرتبتي الميزان، كما يقول الامام الشعراني. أي بين الفقه المالكي والشافعي. في فقه المذهب الشافعي تجوز إمامة المرأة على بنات جنسها، وذكر السيد سابق في كتابه فقه السنة المجلد الاول ص190قال: فقد كانت عائشة رضي الله عنها تؤم النساء وتقف وسطهن في الصف ، وكانت أم سلمة تفعله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ورقة مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها في الفرائض.
علُ ما ساقنا الى تناول نذر من فقه النساء وامامتهن على بنات جنسهن حديث الشيخ المراة في الشريعة ما بتكون شيخ، وعلى عدم امامتها في المذهب المالكي بنى فتواه على ذلك.
وله في بداياته مجاهدات كبيرة، وردت روايات تحكي صوراً. فمنها ما كان بعد مجيئه من الحج وقبل السلوك، ومنها ما كان بعده.
يُروى أن والدته ريّا رحمها الله أتت اليه ذات يوم بوجبة طعام فأكل منها، فلما جاءت ونظرت اليه عابت عليه كثرة الأكل. قال الشيخ: منذ تلك الساعة صرت أنقص منه كل يوم لقمة حتى بقيت على ثلاث لقم فأستغنيت بها في يومي، إن شئت تناولتها وإن شئت تركتها.
ويروي أيضاً أنه قال: كنت في بدايتي راودت نفسي على ألا تأكل سنةً فطاوعتني، وكنت أحسب مفاصل ظهري مفصلاً مفصلاً،
وهذا تحدثاً بنعمة ربي لا فخراً(2).
خلوة القرآن:
فقد رتبت عليه اجازته بالمشيخة واجبات جديدة وكان من أكبرها واهمها خلوة القرآن التي بدأ التدريس فيها بالنخيرة، ثم انتقل الى موطنه الجديد (أم ضبان)، وكان أيضاً مجاوراً لخاله عليّ ود أبزيد بالغابة، وكان لهذه الجوار أثره الكبير في حياة الأُسر فأوثقت روابط المودة الاسرية والروحية.
وبعد استقرار الشيخ بقريته (أم ضبان) اتسعت حركة المسيد بطلاب القرآن .
وكان شيوخ الخلوة على الترتيب الاتي:
الفكي محمد الحاج سنة (1264هـ) (ويوافق بالميلادي تقريباً 1848م )، والفكي بلـة سنة(1265هـ) والخليفة أحمد بدر (1269هـ) والخليفة كرار (1273هـ) والفكي عبد الرحمن المهـلاوي (1274هـ) والشيخ الطيب بدر (1285هـ) والشيخ العباس بدر (1296هـ) والفكي عبد الرحمن حنضول (1302هـ) والفقيه محمد الحاج نور (1308هـ) والخليـفة حسب الرسول من عام (1311هـ) إلى عام (1349هـ) ثم الفقيه هارون، وقد استمرت نار القرآن لفترة طويلة علي يد الفكي المهلاوي والشيخ الطيب كما هو واضح من التواريخ.
الشيوخ الذين أجازهم:
قال الشيخ صالح تاج الدين: اجتمعت بالشيخ محمد صالح أبو نيران سنة 1308هـ فقال لي يا فلان إن أبي سلموه في الحضرة النبوية أربعين طاقية لتأييد المريدين، وحملتها أنا على يدي حتى أوصلتها بخلوته، ولم يؤيد منهم إلا اثنان وعشرون نفراً (1). وقد كان هؤلاء الشيوخ هم:
الشيخ محمد المقابلي وهو حفيد الشيخ إدريس ود الأرباب والشيخ الأمين ود بلة والشيخ محمد أبو صالح والشيخ محمد الأمين الجعلي والشيخ مقبول ود عقيرب الحمدي والشيخ محمد النذير والشيخ الماحي عبد الرحمن والشيخ عبد القادر أبو كساوي والشيخ فضل المولى السدراني والشيخ محمد صالح الفلاتي والشيخ عوض العليم المغربي والشيخ شمبول ود حمزة الدويحي والشيخ بابكر ود النور والشيخ أحمد ود كرقوس والشيخ علي الهواد والشيخ منصور الجعلي والشيخ تاج الدين النفيدي والشيخ بشير الحاج سعد العسيلاوي والشيخ عوض الجيد عوض الخالدي والشيخ محمد المحسي والشيخ محمد عبد الرحمن الرازقي والشيخ دفع الله الغرقان.
وقد أيد بقية الأربعين الخليفة أحمد.
الشيخ الحكيم:
وقد أستحسن ود بدر في حياته ملتمساً إرشادياً سهلاً. كان يأخذ تلاميذه في التربية بحسب الطاقة متبعاً في ذلك سنة المصطفى()نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة سيروا بسير ضعفائكم). وكان حكيماً تجري الحكمة علي لسانه في كلمات سهلة عميقة المعنى ورشيقة العبارة، هذا اللطف جعل الكثيرين يحفظون من كلامـه عن ظهر قلب. وقد اخترنا من هذا ما رواه الفقيه ودحاج نور في كتابه مفتاح البصائر.
يقول عن الشيخ فقال:أوصيك بخلوص النيـة في جميع أحوالك لوجه الله حتى لا تلتفت إلى غرض النفس وإلى نظر الخلق لئلا تسقط عن نظر الله. وأوصيك بكتم أحوال القلب وستر أحوال الحب وحفظ حدود الله. وأوصيك بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى من كل ما يعطلك عن الله حتى تجد الحـق مع الكل والكل مع الله. وأوصيك بترك حظوظ النفس وبسفر القلب عنها إلى الله حتى لا تبتلى بالسفر الظاهر لأجلها ويصفو وقتك بالله. وأوصيك بتقليل الطعام والمنام وعدم الإهتمام بغير الله حتى تتذوق لذة الإلهام وحلاوة الأنس بالله تعالى.
أوصيك بدوام ذكر القلب بـ (لا إله إلا الله) حتى ينور قلبك بنور وحدانية الله، وينعكس ذلك النور على صفحات الكائنات، وتشاهد وحدانية الوجود بنور الله، فتنال لذة الفقر الحقيقي وسعادة الغنى بالله. وأوصيك بنفي الخواطر والأفكار في ملاحظة غير الله تعالى، حتى لا يبقى حجاب بينك وبين الله، فيكون قلبك بيت الله.
وأوصيك بتجلية مرآة القلب بذكر الله حتى تنظر به ويظهر لك بسره قبح معصية الله، وتجد ربك أقرب إليك، وتكون من المقربين إلى الله، وتعرف نفسك ربك الله وتملك كنز معرفة الله.
وأوصيك بتقوى الله حتى تذوق طعم حب الله، وأوصيك بتفويض الإمور إلى الله تعالى حتى تستريح من العزم والاختيار والتدبير المخالف لتقدير الله. وأوصيك بالتسلي والرضا بقضاء الله حتى تستريح من المخالفات وتنال رضاء الله.
وقال رضي الله عنه: إياكم وكثرة النوم بالليل. فإنه يورث الحزن الطويل.
وقد قيل: إن لله ملائكة ينزلون في آخر الليل ومعهم رحمة يرحمون بها المستيقظين من عباده. فإن لم يجدوا مستيقظاً يطرحونها في الأرض فتختلط بالنبات فتأكله البهائم وتدر ألباناً. فلولا اللبن لكان أهل النور يتميزون في الدنيا بأنوارهم.
نظرت في العلوم النقلية والعقلية فما وجدت شيئاً أضر من الشبع، لأن من بات جـائعاً أصبح قائماً وإن كان نائماً. فإنه إذا جاع الباطن صارت الأجسام أرواحاً، وإذا امتلأ الباطن صارت الأرواح أجساماً.
ثلاثة يخشى عليهم سوء الخاتمة: رجل يدخر الغلال ويتمنى غلاءها، ورجل يشتري الثياب وينتظر بها موت المسلمين، ورجل يطفف المكيال.
يا أبنائي عليكم بالنصيحة، واتباع الملة الصحيحة، واخشوا اللوم والفضيحة، وأيديكم لا تكون شحيحة.
وقال: كل علم لا يورثك الخشوع، ولا يمكنك من الخضوع، ولا يزهدك في الدنيا ولا يرغبك في الآخرة فهو جارٌ للهلاك، وآمرك عنه بالإنفكاك.
أبنائي: عليكم بالصدقة، فإنها تدفع البلاء وتكفر السيئات، فمن كان له مال حلال وجاءه سائل فأعطاه منه فدعا له، لا يكون بين دعائه وبين الله حجاب. عجبت من بخيل يضِّيق على نفسه ويوسع على غيره*.(أي يعني انه يوسع على ورثته).
وقد كانت تعرض عليه بعض المسائل في آداب الطريق، فيرد عليها بعلم ودراية تدل على رسوخ القـدم وسعة المعرفة.
فقد سئل مرةً عن التلميذ إذا انهمك في المعاصي ثم تاب، فهل يجدد بيعته أم يكون علي السابقة، فقال: بل يجدد التوبة والندم والإقلاع ونية ألا يعود اليها، أما البيعة فلا تُعدم ولا تُسلب.
وسئل رضي الله عنه عن إجتماع الناس حول المشايخ وإزدحامهم عليهم، هل هو من علامات الوصول أم لا. فقال: إن الشيخ إذا رأى راياته وقومه وأعجبه حاله، لم يشم من طريق الله رائحة. وإن رأى الرايات (هنبول)(1) ورأى الأتباع فتنة عليه في الآخرة وخشي وخاف، فهذا هو الواصل إلى الله.
وسئل رضي الله عنه عن أكل أموال الحكام ومخالطتهم. فقال: المال ثلاثة أقسام قسم تبرأ به الذمة وتنور به البصيرة، وقسم يخمد نور البصيرة وتبرأ به الذمة، وقسم يخمد نور البصيرة ولا تبرأ به الذمة، فالقسم الأول هو الحلال المحض، والثاني هو الشبه والثالث هو الحرام.
وفاته رضي الله عنـه:
يروى أنه لما جاء الإمام المهدي ونزل بمنطقة أبو سعد، ألح الأهل على الأستاذ في مقابلته، فلما أكثروا إلحاحهم قال لهم: كان السيد الحسن قد طلبه بعض أهل البلد أن يتوجه معهم لجهة من جهات كسلا ليُستشفع به في نازلة، فاعتذر لهم فلم يقبل منه، فتوجه معهم وعند وصوله بمحلة ما أخذته الحمى فرجعوا به محمولاً وتوفي رحمه الله، وإني أحذركم هذه فلم يقبلوا منه، فلما أصروا عليه كتب وصيته، وعين ما يلزم لأبنائه القاصرين، وجهز حاله جهاز مدبرٍ من الدنيا مقبلٍ علي الآخرة، وودع الفقراء المقيمين وداع رجل غير عائد. ثم خرج ليلة الأربعاء لاثنين خَلَوَن من محرم عام 1302هـ وسافر فوصل الجريف لسبعة خلت منه. فأقـام به يومين وتوفي يوم عاشوراء عند طلوع الشمس، فأتوا به محمولاً كما قال، ودفن ليلة الجمعة. وقد كان عمره ستاً وسبعين سنة(1). عليه رحمات الله ورضوانه بقدر ما قدم للأمة من خير.
أبناءه :
الخليفة أحمد والفكي موسى والخليفة كرار والفكي إبراهيم والشيخ الطيب الشهير بالحاج الطيب والشيخ الطاهر والفكي عبد الرحمن والفكي خالد والشيخ العباس والفكي عثمان والحاج الصديق والشيخ الطيب الصغير والخليفة حسب الرسول والخليفة مصطفي والفكي عمر.
الشيخ والمريد والذكر:
أقتضت وحدة الموضوع أن نذكر ما جاء عن الشيخ والمريد والذكر وهذا لورود أكثر ما جاء فيه من احاديث الشيخ ود بدر، ودعى توارد الاحاديث ذِكر مسائل يُبنى عليها الطريق الصوفي. وأولى هذه المباني الشيخ وذلك لأخذ الآداب منه، و جرت السنة أن يكون في الحياة طالباً و معلماً، وعلى هذا يكون شيخ ومريد يأخذ الآداب من أستاذه، وقد تحدث في هذا المعنى شعراء التصوف. (1)

يا ويح من لم تؤدبه الرجال ولم يكن على يدهم حقاً بمنفطم

من لم يكن تابعاً شيخاً فشيخه ذلك الشيطان فأفتهم
فقد كانت بداية الحديث بالشيخ وفهم أحوال المشيخة، لارتباط أمرها بالدعوة إلى الله، وهذا خضم لا يخوض سواحله إلا قلائل الرجال، فقد ظل أمرها يشغل الأذهان لكثرة ما أرتدى وشاح إجازتها الجاهلون، ونشير إلى هذا بما عبر به الشيخ ود بدر رحمه الله:
قال: من تعرض للمشيخة من غير إذن فهو مفتون ومغبون، يخشى عليه من سوء الخاتمة، لما في ذلك من الجُرأة وادعاء الواسطة والخلافة عن الرسول().
ملخص القول في المشيخة أنها مقام دعوة إلى الله على طريق النبوة الكريمة وجاءت عبارة الشيخ محمد بدر محذرة من التعدي على هذا الحمى ، ويخشى على المتعدي سؤ الخاتمة، علّ حديث المشيخة تسوقنا أحواله تواً إلى المريد ،لأن الشيخ والمريد صنوان يسقيان من شرب واحد، والمريد مرتكز مهم لحاجة الطريقة إليه في تكوين الجماعة الصالحة، والتعريف بمصطلح كلمة المريد وهو صاحب إرادة ،انعقدت نواياه على عمل الخير ، ونلتمس تفسيراً لهذا المصطلح من القول الكريم ﮋ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﮊ [الكهف:٢٨]
وهو في مفهوم التصوف من قصد بإرادته وجه الله تعالى ، والشيخ وسيلة المعرفة يأخذ بيده تأديباً وتهذيباً، ومن هذا وجب أن يَعْرف من عبر عن وجود المريد بغير هذا المفهوم ويعتبر أن وجوده مع الشيخ آلة مستهلكة، دع عنك هذه الشوائب المشككة ، ويبدو من هذا وضح أن الشيخ وسيلة علمية يقطع معه المريد مراحل الجهل، حتى إذا بلغ الرشد المعـرفي يذره قائلاً : "ها أنت وربك" .
قال الشيخ محمد بدر : "لابد للمريد من صحبة شيخ مُحقِقٍ فرغ من تأديب نفسه(اولاً) يلزم الطاعة والإنقياد اليه".

التلمذة أوالطلب يوجبان الطاعة الخالصة، ودعا هذا أن تكون الطاعة مبنية على ثقة فيما يقَدِم إل يه الانسان.وليست الطاعة المطلوبة من الرعية للراعي أمر ملقى من غير حكمة أو ضوابط تصحح ما جُهل منها.
قال عمر رضي الله عنه في خطبة على المنبر: "إسمعوا وأطيعوا، فقال أحد الجالسين: لا سمع ولا طاعة حتى نعلم من أين لك هذا ؟ وقد كانت عليه بـردة زائدة ما على الناس من ثياب، فسكت عمر حتى برَّأ نفسه بشاهد ، فطابت نفوس القوم بما قال، وعلى هذا الديدن تكون الطاعة".
وإن كانت الطاعـة التي نتحدث عنها من معطيات التربية الصوفية والعلمية. إلا أنها لم تترك من غير ضوابط تحفظ عظمتها فقد أحاط الشيوخ مضمونها تعريفاً.
قال ود بدر في شروط الشيخ الصوفي الذي يرى طاعته واتباعه: "أن يعرف الحق ويتبعه ويعرف الباطل ويجتنبه، وأن ينصف من نفسه ولا ينتصف من غيره، وشروطه أن يعطي ما في الجيب ويرجو ما في الغيب. "أقبح القبيح صوفي شحيح" وأن يكون ظاهره موافقاً للشريعة وباطنه موافقاً للحقيقة، من لازم السُّنة جاء يـوم القيامة بأقوى الجُنَّة"(1).
هذه معايير توضح طبيعة الشيخ الذي يُقتدى به في مسار طريق الله، ومن صفاته الصدق والعدل والسخاء والكرم، وأن يثق بما عند الله أكثر مما يثق بما في يده، هذا هو الشيخ الذي وجب على الإنسان أن يطلب الرحلة إليه. وحين يُفقد الشيخ المتحقق بالمعارف العلمية أن نبحث عن أخ صالح.
ويقول في هذا الشيخ ود بدر:"إن لم يجد أخاً صالحاً يجعله رقيباً على أحواله وأعماله، فليعرف الأحوال من مخالطة الناس أو من مطالعة كتب القوم ككتب المحاسبي والغزالي، وهذا الطريق اليوم أنفع وأوفق لأن النصيحة لا تقبل من النصحاء، أو من حضور مجالس العلم، وطريق سادس من لم يجد شيخاً يربيه فعليه بالصلاة على النبي()".
تحيلنا أحاديث ود بدر بعد الشيخ والمريد إلى أدب يسبق كل عمل ، لأنه عليه المدار في طريق التصوف فقال: "إذا أرَدْت الشفاء من كل مرض فلا تعمل لغرض في إخلاص ساعة نجاة الأبد أيها المريد فعليك بالإخلاص في أعمالك".
"الإخلاص أمن الباطن" وعليه المدار في كل عملٍ، فلا يجهد الإنسان نفسه في عمل حتى يعلم ما تنطوي النفس عليه، الأمر في الطريق مع الطلب لبذل الجهـد والمجاهـدات إلا انه مطلوب فيه تصحيح النوايا.
قال تعالى: ﮋ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉﮊ ﮊ[الزمر:٣].
قال (): "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
فلا بد من التوقف في العمل بحيث لا ينساق الإنسان في عمله بحكم الطبيعة والعادة، وصِحة الأعمال لها مواقف قلبية تؤكد أحوالها، وقد نفعل أعمالاً كثيرة من عبادات بدنية أو مالية أو عملاً في المجال الاجتماعي، فتشوبه الأغراض فتعرضه للضياع، لهذا السبب ركز علماء التربية الروحية على الجوانب الباطنية، لأن حركة الإنسان في الدين مرهونة بالباطن رفضاً وقبولاً، ولذلك كان الذكر أول المباني في الطريق، ركز عليه الشيوخ لأن الذكر هو عدم الغفلة عن الله تعالى، سواءً كنت في محرابك أو في السوق أو مخالطاً للناس في إمورهم العادية.
قال وبد بدر رحمه الله: (ما رأيت شيئاً يعذبني به الله أشد من الغفلة، من شرط المريد أن يكون موالياً للذكر، من وُفق المداومة فقد أُعطي منشور الولاية).
ويرى من أكبر موجبات العذاب المادي والمعنوي الإنصراف عن الله تعالى والإنشغال عنه بالأسباب ، فيأمر بالذكر على كل حالة سواءاً كانت هناك يقظة ذات بالذكر أم لا.
فيقول (من كد الذكر حصل له الفكر) ليس الأمر في الذكر بكثرة ما يردده الإنسان من أعداد كثيرة ولكن بما يحصل من يقظة فكرية. لقول الرسول()"تفكر ساعة أفضل أو خير من عبادة سنة". وكثير من الآيات القرآنية تحثنا على اليقظة حال الذكر مع الله.
والوقوف على المعاني حال الذكر يورث الخشية والصبر على المداومة على الذكر.
ويرى الشيخ ود بدر: أن على المريد أن يستعين بآداب منها أكل الحلال فيقول من أكل الحلال شربته عروقه ونشط للعبادة، ووجد حلاوة ولذة ومزيد إقبال (وكذلك تقليل الطعام والمنام، وعدم الإهتمام بغير الله تعالى).
قفد وضع بهذه الوصايا منهجاً يحض السالك على السير إلى الله، ولا يرى طريقاً غير العمل الموافق للمباني الشرعية الظاهرة والباطنة.
وتقودنا هذه الأحاديث إلى خوارق تحدث احياناً لأصحاب الذكر والمجاهدات ،قد يتوهم السالك أنها من باب الإكرام فيركن إليها، فقد نبه المشايخ إلى هذا فقال: "ما تَرَك شيءٌ من الملامة من أراد أن يظهر قبل الإستقامة". وإذا رأيتَ شيئاً تجلّى وقال بي تملَّ فقـل قصدي وراك ولو عرضت لك الأكوان كلها قائلة مرحباً بفلان ابن فلان فلا تجعل لها أثراً بل اجعلها وهماً وخيالاً حتى تقول لك حقائقها، إنما نحن فتنة فلا تكفر فالذي تقصده أمامك".
ويرى الشيخ أن مايحدث من هذه الخوارق ما هي إلا فتنة، على الانسان في حالة اجتهاداته وسيره ان يكون على علم بما حصل لكبار الشيوخ، فأنجاهم الله من هذه القواطع لما قدر لهم من علم، يعرف الحق فيتبعه ويرو الباطل فيجتنبه، ونذكر في هذا ما حدث للشيخ الجيلاني أثناء سياحته تجلى له نورٌ ملأ الأفق أمامه وقال له قد أبيحت لك المحرمات. فأجابه: اخسأ، يا لعين! فصار ظلاماً وقال له نجوت مني بفقهك ومنازلتك لربك.
بهذا الفقه كان التفريق بين الواردات الشيطانية، والإلهامات الرحمانية، وقد أراد ود بدر بهذا الفقه الروحي : أن يفسر للسالك ما يتراءى له من أشياء خارقة ، ويظن أنها من باب الكرامة.
وبعد حديث طويل في هذه الاحوال تناول الشيخ الدنيا وذمها فقال : (وأكد من ذلك كله بيع الدين بالدنيا فمن تهيأ للدين بالدنيا فهو أشد الملاعين والشقي من باع دينه بدنياه).
وهذا يسوقنا الى قول الشيخ فرح ود تكتوك رحمه الله في بيت من قصيدته الطويلة:
مـــن بـــــاع ديــنــه بـدنياه كأنما باع الفردوس بسجين
ومع ما كان لشيوخ الزهد من رجال التصوف: من ذم للدنيا إلا أنهم يفرقون في هذا بين المذموم وهو الكسب الحرام، والمحمود منها وهو الكسب الحلال .
النظرة فيما طرحه رجال الزهد لا تخرج عن ما ورد في السنة النبوية : (حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه)،
فقد دعى أحوال التصوف وما فيه من زهد وغيره أن نوضح : أن فريقاً كان حاله الزهد، وفريقاً آخر رجال دعوة، حياتهم قائمة على السنة، يصومون ويفطرون، وينامون ويستيقظون، ويتزوجون النساء، لا يرقبون عن هذا الديدن طريقاً آخر. وللشيخ ودبدر في هذا موازنة فقال : (إنما العدل في لزوم الإعتدال بين مقتضيات الحقيقة والشريعة إذ لا تكون لأحد غنيمة إلا بتتبع الشريعة المستقيمة).
ثم قال: سئل بعض العارفين عن أعجب ما رأى في حجه قال: (رأيت شاباً باع متاعاً له بنحو ثلاثين ألف درهم ما غفل عن ذكر الله طرفة عين، ورأيت شيخاً أخذ بحلق الكعبة يطلب شيئاً من الدنيا، فحصلت لي غيرة حتى تقيأت الدم).
وتحدث عن مجمل القول في الطريق فقال: فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال، ومن ضيع فهو بعيد".
وقد كانت نظرته في التصوف تنظيم للأحوال الحياتية والدينية فقال: "إنما العدل في لزوم الإعتدال" أي على الإنسان أن يأخذ خطاً وسطاً في أحواله، فقال: "الذي يلزم الشيخ مع تلاميذه فإنه لا يخرج اليهم إلا في أكمل هيئـة ولو لم يكن إلا بتحسين اللباس" فهذا الأدب لم يقصر زينته على الشيوخ بل سحب حواش برده على المريد بحيث يكون أيضاً على حالة مقبولة اجتماعياً، فقال: "التَّزيِّي كثير والسالك كثير والواصل قليل، فليس كل من سلك وصل الحمى وسمع الندا". لعل العبارة تشمل أشياء معنوية وشكلية.
فقد أراد الشيخ بما طرح من قضايا أن يكون في أحواله محمديّ المسلك، أي أنه رجل (القرآن والسنة) فقد صدع بما رأى أنه الحق فقال (كلامي اوزنوه بشريعة الخير إن وافقها قلته، وإن خالفها لم أقله) ثم قال (يا أبنائي عليكم بالنصيحة واتباع الملة الصحيحة) .
وترى له أنماطاً من الأحاديث تعبر عن هديه بالسنة الكريمة يقول (من لازم السنة جاء يوم القيامة بأقوى الجُنة). ويتحدث أيضاً عن الشيخ الصوفي فقال: (من شرطه أن يكون ظاهره موافقاً للشريعة وباطنه مجالاً للحقيقة و متى تعدت الحقيقة طور الشريعة فتحقيقه معلول ومشربه مشوب) .
الحديث في هذا المنحى جعلنا نبحث عن أحوال علمية في حياته إلا أنه لم يذكر له دراسة منتظمة في خلوة قرآن أو غيرها من حلق العلم، ولكن يبدو أنه بعد مستجدات المشيخة ألزم نفسه برحلات إلى الشيخ ابراهيم ود عيسى فقد تدارك فيها ما فاته في باكورة حياته،
فقد جرت في حياة هذه الامة أخذ العلم وفنونه بالسماع، فهو طريق النـوابغ، فقد كانت الذاكرة كراس الطالب، وإلقاء العلماء هو الكتاب المفتوح ، ولعل ود بدر رحمه الله ممن حظي بشحذ الذاكرة، فاستوعب كل ما سمع من الشيخ ود عيسى رحمه الله في مجالسه العلمية فقهاً وتصوفاً، هذا المنحى نود أن يكون اصلاً في الدراسة لحياته، وهو واقع يزيد من أقدار الشيوخ في المعرفة بالدين وقضاياه، فقد حتم هذا أن نُبرز منحاه العلمي، إن معاملة التلاميذ بالأدب مع كبار الشيوخ مع استحسانها، إلا أنها لها وجه من الضرر، حيث تضرب اسجافاً من الحياء يضيع بسببها أشياء مهمة، وهذا ما جعل من كتب عن حياة الشيخ ود بدر لم يتطرق إلى معرفة القرآءه والعلم في حياته، لما يرى في السؤال عن ذلك من حرج، وهذا ما أسدل الستار على المعرفة بجوانبه العلمية التي أكتسبها برحلاته إلى العلماء .
وقد كان واقع الكرامة في حياة الربانيين أمر شغل الناس قديماً وحديثاً عن المعرفة بوجه العلم المكتسب في حياتهم، إن حدث الخارقة أو الكرامة أمر لم يستطع أحد شطبه من حياة من ظهرت عليه، ومن تلك الكرامات العلم من غير الوجه الاكتسابي، لقول الله تعالىﮋ ﯸ ﯹﯺ ﯻ ﯼﯽ ﮊ [البقرة:٢٨٢]، ﮋ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮊ [الكهف:٦٥]كل ذلك كائن في حياة الأبرار، ولكن الذي نريد ان يتحقق ويعرف العلم الذي تلقوه في حياتهم، وقد تحدث الشيخ ودبدر عن رحلاته العلمية فقال: كنت أزور الفقيه ود عيسى(1).
الزيارة إلى العلماء فهي الرحلة لطلب العلم وقد استفاد منها الكثير، وفيما يبدو انه رتب لذلك فترات من أوقاته، وقد سجلت ذاكرته من العلوم ما كان يحاور به العلماء الذين يقررون القضايا العلمية بين يديه،وكثيرٌ ما يبدي رأيه في المسألة ويقول وهي في كتاب كذا، وقول الشيوخ فيها كذا، ومثالاً لهذا ما ذكره الشريف أبو بكر ود العوض قـال: أمرني الأستاذ أن أقسم مسألة ميراث لأهلها وعلى قدر ما قسمتها لم تصح فرجعت اليه وأعلمته فقال لي: قال الشيخ خليل: إن زادت عليك الفروض أعليت وأتم، وأيضاً رواية الشيخ أبو الحسن المختار الشحيط من الفقهاء قال: توجهت من الخرطوم إلى الأستاذ ولما حضرت عنده وجدته يفسر لهم فلما سلمت عليه سكت عن التفسير. وقال: فسر يا سيدي أبو الحسن المشي قدام الخبير ضهاب. فلم أتكلم بكلمة واحدة فشرع يتكلم والله بكلام لا يتكلم به إلا سيدي عبد الوهاب الشعراني.


.















2-الشـــيخ الأمــين ود بـلّــة
ميلاده ونشأتـه وسلوكـه:
هو الشيخ الأمين بن بلّة بن علي بن أمام بن محمد الشهير بـ (صقر البِرِزَّن). ينتسب إلى قبيلة المغاربة. ولد الشيخ الأمين رحمه الله بسوبا شرق عام 1243هـ (الموافق 1829م)، ونشأ قريباً من شاطئ النيل الأزرق. ولما بلغ سن التعليم ذهب إلى خلوة الشيخ إبراهيم الكباشي وقرأ فيها من (الناس) إلى (البقرة) فيما يعرف عند أهل خلاوى القرآن بالعودة المرة لصعوبة الدارسة في هذه المرحلة. ثم عاد الدراسة ثانياً من (البقرة) حتى سورة (مريم)، وعندها توقف عن دراسة القرآن وشرع في تلقي العلوم الدينية على الشيخ الكباشي(1) مكث الشيخ الأمين وقتاً ليس بالقليل عند الشيخ إبراهيم الكباشي. ورغم دراسته في مسجده إلا أن حظه في الطريق كان يقود خطواته إلى مكان آخر.
يروي الشيخ الأمين:كنت في خلوة الشيخ الكباشي وهو في غاية الجلب والنفحة الشديدة. يأتي إليه الناس أفواجاً للبيعة. وذات يوم جئت إليه وطلبت مبايعته فتشاغل عني والتفت إلى غيري. فترددت عليه مراراً وهو يتغافل عن أمري، فقلت يا سيدي لم لا تعطيني البيعة؟ فقال لي: يا بني، إن شيخك لم يظهر بعد. وهو من أهل البركة التامة(2) وعند ظهور الشيخ محمد ود بدر رحمه الله تعالى بمنطقة النخيرة شرق الخرطوم، ذهب إليه الفقيه ود بلة، وأخذ عليه عهود الطريقة القادرية، وكان آنذاك على أعتاب الرابعة والعشرين من العمر.
قضى الشيخ الأمين سبع سنوات(1) مع أستاذه الشيخ ود بـدر في خدمة المسيد وتلقى آداب الطريق. ثم أيـده الشيـخ ود بدر في مرتبة المشيخة الصوفية في حوالي العام 1271هـ، كان ثاني رجل يجيزه في هذه المرتبة(2).
ثم أذن له بالذهاب إلى أهله، وبالطبع فإن قدومه إلى أهله هذه المرة كان مختلفاً، إذ كانت تنتظره مهام الإرشاد ومسئوليات الطريق التي عادةً ما يُبتلى صاحبها بمواقف صعبة واختبارات قاسية تستلزم الصبر والأناة والحنكة والدراية في التصدي لها، قد تعرض الشيخ الأمين لبعض هذه التجارب من بعض أهله قال: كانت عصبة من بني عمي يؤذونني كثيراً، وقد كان أن قصدت يوماً من ذات الأيام التصرف فيهم بسر الله تعالى. فلما أردت أن أفعل حضر لي أستاذي وحـال بيني وبينهم، فغضبت غضباً شديداً وقمت وتوجهت له بمحله وقلت له يا أبي ما دمت لم تنصرني على أعدائي فإني قنعت من السكون في هذه البلدة، فأذن لي بالتوجه لمدينة رسول الله() لأجاوره حتى أموت، فانتهرني نهرة شديدة ارتعدت لها فرائصي، وقال لي: يا هذا إن الله قد ملكني الكون، وقد أوذيت كثيراً من الخلق فما حـدثتني نفسي يوماً بضرر أحد، فكيف بك أنت أردت أن تطوق ذمتك بأربع عشرة نفساً وتلقى الله بوزرهم، فقد وجدت من يحجزك ألا ترضى، اذهب وأدخل خلوة ستين صباحاً، قال فذهبت ودخلت الخلوى وخرجت منها بفضل الله تعالى منسلخاً من الحماقة، وصارت نفسي لا تحدثني بضرر أحد من الناس مطلقاً(3).
ومع التزكية التي كانت نتاجاً لتلك الخلوى، فضل الشيخ الأمين النزوح إلى منطقته المعروفة باسمه الآن. فاستقر بها مع أسرته ومن كان معه من التلاميذ، ثم توافد عليه الناس. فجدد بناء المسيد وبنى خلوة القرآن فعمرت المنطقة كما شاء الله لها. عاش الشيخ عمراً يربو على السبعين عاماً، قضاها بين طلب القرآن والعلم والذكر وإرشاد المريدين، حتى قضى الله أمراً كان مفعولاً. ففي العام 1315هـ انتقل الشيخ الأمين إلى جوار ربه وُوري جثمانه الطاهر في بقعة مسجده الآن. عليه رحمات الله.




















3- الشيخ محمد أبو صالح

محمد أبو صالح بن أحمد بن محمد بن أبي صالح بن عادل بن يعقوب بن أحمد المكنّى بأبيض، يتصل نسبه بالشيخ أحمد زروق المغربي، وتنتهي شجرة النسب إلى السيد الحسين بن الإمام علي كرم الله وجهه.
ولد ونشأ بسوبا شرق ثم ذهب إلى خلوة الشيخ إبراهيم الكباشي فحفظ القـرآن الكريم، ورحل إلى مسيد الشيخ إبراهيم ود عيسى وقرأ عليه الفقه المالكي، ثم سلك الطريق على الشيخ ود بـدر(1).

أُلبس خرقة المشيخة الصوفية بعد الشيخ الأمين ود بلة بعام واحد، في عام1272هـ. وأدخله خلوةً ثم ذهب بعدها إلى أهله. وقد إضطرته ظروف رحيل إلى منطقة نائيـة قاحلة أسس فيها مسجده الحالي، تاركاً مسقط رأسه القريب من النيل. ويبدو أن رذاذاً من الأذى أصابه من الاهل كصاحبه الشيخ الامين ود بلـة، إلا أنه تحمل الاذى وصبر على مرارته. فقد وصف أنه كان يتمتع بصفات ميزته بين أقرانه في الطريق. وقد كان استاذه ود بـدر يستشيره في كثير من الإمور المهمة ويقول عنه: هذا شيخ أخوانه. وكان متواضعاً مع الكبير والصغير لا يرى لنفسه شأناً(2).
ولا شك أن هذه الصفات أعانته على تحمل ظروف المنطقة الجديدة، فقام بتنظيف مكان المسجد وبنى ما يتطلبه الظرف من خلوة للدراسة وخلاوي سكنية لطلبة القرآن والضيوف، ومنازل الأسرة وعمرت القرية بعده بمجاورة الناس والوفود عليه.
آثـاره:
كان الشيخ أبو صالح يتمتع بموهبة جمال الخط، فاستعمل وقته في كتابة ما تحتاجه خلاوى القرآن من مصاحف، وقد نسخ بعض الكتب الفقهية . فكتب مختصر الشيخ خليل بن إسحق، ورسـالة الشيخ أبي زيد القيرواني، وأقرب المسالك للشيخ احمد الدردير، وكتب دلائل الخيرات وغيرها من مخطوطات ثمينة كان يحتفظ بها لنفسه.
رُوي أنه أمر ابنه الشيخ محمد الأمين أن يقوم بحفظ المخطوطات في أزيار فخارية ودفنها في مطامير(1)العيش، وكان ذلك حين إستدعاه الخليفة عبد الله التعايشي مع جمع من شيوخ التصوف للحضور في أم درمان. وقد كان ذلك في عام 1304هـ. وتولي الامر بعده ابنه الشيخ محمد الأمين، وبعد وقت أستخرج المخطوطات، فوجدت كاملةً إلا أنها تأثرت بعامل الزمن، ولا يزال يوجد منها مصحفان، وبعض القصاصات المتفرقة(2).
لم تطل حياة الشيخ محمد بعد التقائه بالخليفة التعايشي، فقد توفى في نفس العام الذي قابله فيه أي 1304هـ، ودفن في أم درمان. وبعد ثمانية عشر عاماً تم نشره بواسطة ابنه الشيخ محمد الأمين بإشارة من الخليفة أحمد ود بدر رحمهما الله. وقد وجد الشيخ على الحالة التي دفن عليها لم يتغير منه شيء فحمل على (عنقريب) من أم درمان إلى مكان مسجده الحالي.

4- الشيخ الأمين محمد أبو صالح
ولد بقريته المعروفة الان، وقرأ القرآن بخلوة والده، وتلقى دراسة الفقه على الشيخ البشير ابن الفقيه عبد الله المشهور بود الإحيمر بمنطقة ود راوه. سلك الطريقه على والده، وأجازه في المشيخة الشيخ الأمين ود بلة، وأردف له التأييد الخليفة أحمد ود بدر.
وعمر مسجد والده ببناء خلوة القرآن ومسجد الجمعة. وقد اشتهر الشيخ الأمين بما حباه الله من علاج الأمراض المستعصية التي كان كثيراً ما يرجعها إلى المعاصي والغفلات. خلف الشيخ الأمين بعد وفاته ابنه الخليفة المأمون، ثم تولى خلافته الخليفة البـدوي رحمهم الله .











5- الشيخ مصطفى الفادني

هو الشيخ مصطفى بن أحمد بن عبد الله بن الحسين(1) تنتهي نسبة قبيلة الفادنية إلى السيد محمد بن الحنفية ابن الإمام علي كرم الله وجهه. ولد رحمه الله سنة 1284هـ بالمحمية، ونشأ تحت رعاية والده، تلقى دراسة القرآن بمسجد جده الفكي عبد الله الحسين، وبعد حفظه القرآن الكريم تزوج في المحمية غرب، ثم عاد إلى بلدته المحمية شرق. ودرس من الفقه المالكي رسالة أبا زيد القيرواني، وأقرب المسالك، ومختصر الشيخ خليل، ومن كتب التجويد الشاطبية، ومن العقائد جوهرة التوحيد للشيخ إبراهيم اللقاني والسنوسية، فقد كان واسع العلم والإطلاع.
ويُروى عن ابنه الخليفة محمد قال أخذت كتاباً أعجبني فجئت به اليه فقال لي هذا قرأته قبل مجيئي هنا، وصرت كلما أعرض عليه كتاباً أراه جديداً يقول لي هذا قرأته، وكان للشيخ عناية خاصة بقراءة كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وإلى جانب الكتب العلمية كان يعتني بقراءة الأشعار الصوفية والمدائح النبوية، وتائية السلوك للسبكي، وتائية السلوك لمالك الملوك للشيخ ابن عرب الشرنوبي، ومجموعة الشيخ يوسف النبهاني، وقصائد وتشطير الشيخ أبو مدين المغربي، وقصائد ومدائح الشعراء السودانيين كالشيخ أبو كساوي وغيره من الرواة.
رحلته إلى شرق الخرطوم:
كان سبب قدومه من المحمية أحـداث عبد الله ود سعد الشهيرة مع الخليفة عبد الله التعايشي، يروى أن الشيخ الفادني رحمه الله كانت له خلوة قرآن قرب المحمية شرق، ولما وصل جيش الخليفة عبد الله بقيادة محمود ود أحمد إلى المتمة غرب، اجتمع شيوخ الخلوى وتفاكروا ثم قرروا أن تذهب كل جماعة منهم إلى جهة معينة، وعندئذ سأل الشيخ رضي الله عنه الشيخ الأول الذي معه في الخلوة عن الجهة التي يقصدها فردّ أنه يقصد الشرق فاتفقا على هذا الاتجاه، ثم رفع الرجال أكفهم بالفاتحة واتجهت كل جماعة للجهة التي تريدها. ومن بين هؤلاء كان الفكي المأمون شقيق الشيخ فتوجـه بعائلته واستقر بدار الشايقية.
أما الشيخ مصطفى ومن معه فتحركوا جهة الشرق، وهاجر معهم الفكي مختار أحمد وأولاده وآخرون بلوازمهم وكتبهم، وكان يدلهم على الطريق رجل يدعى البدري ود عوّام. فمر بهم عن طريق أم شديدة صوب نهر أتبره مقر الأمير عثمان دقنة. ونزل الشيخ ومن معه بالجيش. فعرفه عثمان دقنة فكان يقدمه إماماً للصلوات طوال فترة إقامته مع الجيش. وبعد فترة تحرك الشيخ الفادني ومن معه صوب أم درمان، فوصل في سيره إلى ديار الشيخ الأمين ود بلّة الذي كان يبشر أبناءه وتلاميذه بقدومه، ونزل ضيفاً عليه وبعد أيام الضيافـة تحرك الجماعة الذين مع الشيخ الفادني وتخلف هو بطلب من الشيخ الأمين ود بلة، وطمأن جماعته بأنه سوف يلحق بهم في أم درمان، وبعد إسـتقرار قليل مع الشيخ الأمين لحق بجماعته في منطقة (حِلينقُو) إيفاءً بوعده لهم، فقضى معهم بعض الوقت ثم قفل راجعاً إلى الشيخ الأمين(1).
سلوكـه الطريق الصـوفي:
ساقت الأقدار الشيخ الفادني من مقر آبائه المحمية إلى أن وصل به المطاف إلى ديـار العارف بالله الشيخ الأمين ود بلة. وبعد أن إستقر الشيخ الفادني مع صاحبه الشيخ الأمين. يروى أنه في ذات يوم طلب الشيخ الأمين من الشيخ الفادني أن يسلُكه الطريق، فقال معتذراً بأنه يكتفي بما عنده من قرآنٍ وعلمٍ، ويبدو ان الطلب تكرر وفي أثناء الحديث معه قدم له الشيخ الأمين قرعة فيها ماء ممزوج بالكسرة وقال له: اشرب فقال: إني صائم، فقال له: ثانيةً اشرب فطاوعه، فلما شرب كشف له الشيخ الأمين صدره، وقال له انظر هنا فرأى فيه ما شاء الله شاءوا، وما شاءوا يقضيه. فجعلت هذه الخارقة قناعة في الشيخ الفادني وأخذ من الشيخ الأمين بيعة السلوك وكان حاضراً معهما الشاعر ود بولاد تلميذ الشيخ ود بدر فأنشد قائلاً:
المـذهبا مالك
شافعي مع مالك
تسلك السالك (1)
السلسلة الوثيقـة
حـنفي وحـنبلي
في الأربع مذاهب

في هذا الجو الروحي العطر الذي دار فيه الحديث بين الرجلين عن الطريق ومعانيه، أظهر الله على يد الشيخ الأمين تلك الكرامة التي أدت بالشيخ الفادني إلى سلوك الطريق في طمأنينة ويقين.
ثم بعد وقت قضاه مع الشيخ الأمين رحل إلى عد شروم مع جماعة من أهله الفادنية وتزوج منهم امرأة ثانية وإلى جوار منازل الأسرة بنى خلوته الخاصة به وخلوة القرآن(2)، ولعل استقراره بهذه المنطقـة كان بمشورة بين الرجلين، بغرض إصلاح الذين يقطنون بهذه المنطقة من المغاربة والفادنية. وتوسعت به حركة الإصلاح في المنطقة وغيرها، ثم إجازه الخليفة أحمد بدر شيخاً في الطريقة، وقد أدى هذا إلى توسيع فناء المسيد، وتوافد اليه الناس وسلك ولقن الأوراد. فكان لخلوة القرآن وحلق الذكر والمدائح أثر كبير في حياة الناس وهدايتهم إلى الدين والعمل به.
لم يجد الشيخ مصطفى الفادني الطريق أمامه سهلاً معبداً، فقد عانى الكثير في البداية وتحمل ما لقي من أذى، ولم تصده القواطع عن سيره وكان له في أستاذه الشيخ الأمين أسوة فيما لاقى من أذى وكل منهما له أسوة برسول الله ().
مجـاهـداتـه:
فقد كان الشيخ الفادني قبل السلوك شيخاً لتدريس وتحفيظ القرآن الكريم والفقه، ولكن فيما يبدو أن سلوكه الجديد أملى عليه مستجدات مسار التصوف، وهذه المستجدات جعلت الشيخ يتخذ لنفسه خلوةً للعبادة والاعتكاف بعيدة عن منازل الأسرة.
يُروى أنه ما دخل عليه أحد من خواص تلاميذه الملازمين إلا وجده قائماً على قدميه ماسكاً بيده أجزاء من المصحف الكريم، فإذا شعر بضيق من الوقوف كان يضرب نفسه بسوطٍ جعله معه. ويُروى أنـه لما ذهب إلى الحج كان لا يتناول شيئاً من الأكل والشرب، ووصادف في تلك الحجة أن يكون في رفقةٍ هو والشيخ قريب الله، فذهب بعض الملازمين وأخبروا الشيخ قريب الله، فجاء الشيخ اليه ولما خرج من عنده قال لتلاميذه: إن صاحبكم من أهل الطي.
تكثر الروايات في الحديث عن مجاهدات الشيخ الفادني.. فقد ذهب ذلك الجيل وضنت الحياة أن تجـود بمثلهم أبدا، صيانة للنفس، ومراقبة للوقت ويصدق في شيخنا الفادني قول الشاعر الصوفي(1) :
ساروا بإخلاصٍ وقلبٍ حـاضر
أهل السلوك على الطريق الزاهر

وتجملوا بجـمال دين الطاهـر
وزكت نفوسهم وطهر رجـسها

نالوا القبول وأكرموا ببشـائر
وتخلصوا بجـهادهم من حـربها

بحـقيقة التوحيد نور القاهـر



من حضرة الحضرات حينتتجملوا

منحوا الوصول إلى العلا بحضائر
شربوا بجمع الجمع بعد جـهادهم

سبل النجاة لكل صب سـائر
فهم النجـوم المهتدى بضيائهـم

طـوبى لمنتسـب لهم ولـزائر
لم يخـل عصر منهم يا ذا النهي

تهمى فيوضهم كسحب ماطـر
ابـدال رسل الله وارث الهـدى


مقـاديم الطريقـة:
مع ما ذكر للشيخ من جد واجتهاد، إلا أن هذا لم يجعله ينصرف عن الناس، وإنما كان على درب من سبقوه من شيوخ الطريقة في تربية المريدين وإرشادهم. وقد أوجب عليه تصريف الإمور أن يولي من توسم فيهم الخير والفلاح بعضاً من مهام الطريقة. كان من هؤلاء: المقدم علي ود إدريس الفادنية والمقدم الصديق حاج الضو (الجريف) والمقدم النمير الصافي (الجريف) والمقدم عبد القادر بابكر (الفادنية) وكان من خواص تلاميذه الذين لازموه الفكي محمد أحمد سقادي والحاج عبد الله أحمد نابري.
ويُروى أن أول من أخذ عليه البيعة محمد ود الحاج الذي قال فيه: من أراد أن يعرف أهل الطريق فلينشر قبر ود الحاج إن أكلته الأرض طريق ما في.
أوراد الطريقـة:
كان للشيخ الفادني(1) مع ورد الأساس القادري أوراد جماعية أخرى منها:
* منظومة (أهل بدر) للسيد جعفر البرزنجي رضي الله عنه.
* (بحق رجال الله) للإمام علي زين العابدين رضي الله عنه.
وأوراد كبرى مثل: ورد السبعين بالتهليل، وورد السبعين بالإستغفار، والصلاة على النبي().
ولنا رجز في معاني السير والأوراد المتمثل في الشيخ الفادني رحمه الله فقال:

على السنة والتحقيق
السالكين أهـل الـطريق
أوع الكـذب والتدليس
وعندو السبحة والتدريس
آخر الليل دقولو الساس
الكانوا في الخمور جلاس
بالـتقوى وبالإخـلاص
بالـدينار والهـلـواس
ثابت حق في يوم الـزيف
بدور ولـداً عقدو نضيف
طـريقنا مـو طريق تلفيق
سـار بيهو أهـل التصديق
قوم يا خوي وأبقى حريص
الفادني شـيخاً حـسيس
طـريقنا مـو طريق لباس
أرشـد وأصلح أولاد الناس
قوم يا خوي طريقنا خلاص
ما بنشـري ونبايع الناس
طريقنا مو طريق تشريف
ما بجـيبو بالكم والـكيف

بعد جهد بذله الشيخ الفادني على منبر الدعوة إلى الله، قدم إلى الموت راضـياً بقضـاء ربه، وذلك في يوم الجمعة 20 رجب 1358هـ عليه رحمات ربه. وجزاه الله خير ماجزى من ولي من خير.
خـلـفـاؤه:
الخليفة محمد، الخليفة حامد، الخليفة الطيب، الخليفة أحمد عليهم رحمات الله. ثم كانت الخلافة بعد هؤلاء فيما بقى من الأبناء والأحفاد الذين أصبحوا خلفاء لآبائهم.

6- الشـيــخ أبو قـــرون
قُبيل الحديث عن حياةٍ زاخرة بالذكر والفكر، دعت نافلة القول إلى ذكر شي عن آبائه وما كانوا عليه من سيرة عطرة في الديار التي عاشوا في وسعها تنقلا واستقراراً في فيحاء الأرض، الواقعة بين القطبين الشيخ إدريس ود الأرباب علي ضفاف النيل الشرقي العيلفون أو العيلة فونج والشيخ حسن ود حسونة الذي تتربع ساحة مسيده وقبته على المرتفعات الجبلية تلفحها هبائب سموم الصيف الساخنة من كل جهة وتحيط بها خريفاً خضرة الوديان المريعة.
بين هذا وذاك في أرض متسعة الأطراف كانت حياة أجداد وآباء الشيخ محمد أبو قرون عليهم سحائب الرحمة والرضوان أبداً.
ويسوقنا شادي الحديث الثر عنهم، منذ وفد محمد الخيار بن الفقيه عمر مع جملة الزائرين إلى اغتراف البركة من الشيخ ود الأرباب. وكان للقدر تسطيره أن يكون محمد الخيار من خلص التلاميذ ويبدو أن الشيخ تعرف على تكوينه الأسري العربي وتسلسل سلوكه الروحي من جده الشيخ عبد القادر ضجيع بغداد، إلى الشيخ عبد القادرالجيلاني.
يبدو ان الشيخ ادريس بعد تعرف على تلميذه محمد الخيار، لمح فيه أفضالاً، قربه بها إليه وزوجه من بنته صُلحة الصغيرة، يبدو أنها سميت بهذا الاسم بعد وفات أختٍ لها عليهم رحمات الله، وقد وَلِد منها ابنه عليّ، وعلّه سميّ بهذا الاسم على جد والدته، وبعد عمر طويل بلغه الشيخ أدريس 142سنة. اوصى الشيخ ود حسونة بحفيده علي، ومن وصاياه الخاصة أن (يقوم بغسله) (تاج الزمان الشريف يوسف الهندي).
وكان للوصية بعدها الروحي في شخص عليٌّ بن محمد الخيار حيث سرى مفعولها في ذريته توالي خمسة قرون من الزمن منعشاً نشر شذاها بلا انقطاع، وقد حفظت الذرية العهود الروحية قابضة عليها بالجوانح وعاضة بالنواجذ، جيلاً بعد جيل، عاشت تلك الاسرة في ورافة الظلال الصوفية التي توارثوا تلادة سلوكها ونداوة روحيتها، يتقلبون في نعمائها الثرة شكراً لله أناء الليل قياماً لمن قدر الله له ذلك، والنهار بركة وحركة في بطش العيش. فقد تدلى فرع هذا الإرث الرطيب وصولاً إلي الاحفاد (علي بن أبزيد وأخته ريا). رضع من ثدي "ريا" عرفان هذا الإرث الشيخ محمد بدر، و سُقي من عليٌّ صاحب الخضر (عليه السلام) عرفان هذا الإرث الشيخ محمد أبو قرون بن يوسف بن عليٌّ بن أبزيد بن حبيب الله بن عليٌّ بن محمد الخيار بن الفقيه عمر.
والدته "فاطمة بنت كرادم" بن فضل الله بن عليّ بن حبيب الله بن محمد الخيار عليهم رحمات الله، وُلد بالغابة ديار جده عليٌّ ود ابزيد تقع الآن جنوب مسيده وتميل قليلاً شرقاً، وكانت ولادته في سنة 1271هـ توافق تقريباً 1851م، قرأ القرآن إلى جزء عمّ في خلوة والده الفكي يوسف، الذي أوقد نير القرآن في تلك الحقبة من الزمن.
استشهد والده الفكي يوسف في حصار الخرطوم جهة الحلفاية هو وآخيه عباس وبعد استشاهد والده عاش مع والدته فاطمة بنت كرادم التي لها حظ من الأغنام يكفيها وابنها بالعيش الكريم وكانت إمرأة قوية الشخصية لها قصصٌ تعتز بما ورثت من أهلها من عزة نفس ومجد عربي، يعرفون بمقولة (ود كرادم سيد البِير والخادم)
فقد عاش في شبابه مع أصدقائه وأصحابه عيشة طبيعية كحال القبائل العربية، لكنه يميز بإرث آبائه الروحي، يروى أنه كان يوماً بعد أم دوم مع بعض أصدقائه وأصحابه في دعوة عرس وحفل كعادة القبائل العربية في السودان أرسل إليه الشيخ الأمين ود بلة الذي كانت له خوة مع الفكي يوسف برسالة شفهية فحواها أن الوقت قد أزف وكان بيده (سوط عنج)، فالقاه من يده وذهب إلى الشيخ الأمين رضي الله عنه، ولم يعد بعد ذلك إلى قدماء الصداقة والصحبة لدخوله حلبة جديدة.


المشـيخـة القـادريـة:
علّ العنوان واضحاً فيما يعنى من أمر المشيخة الصوفية وهي في فحواها تعني القيام بأمر الدعوة إلى الله، وهذا اوجب على اصحابها مجاهدات، عز الزمان أن يجود بمثلهم، ولكننا مع هذا لا نستطيع ان نحجر واسعاً على هذه الامة التي أولها خير واخرها الطائفة القائمة على الحق حتى ياتى أمر الله.
نسال الله أن يجعلنا من تلك الطائفة القائمة على أمر الدين، ولكن أحاديث النبوة الكريمة كثيرٌ ما تلسعنا بسياط ساخنة تؤرق ليلنا بقولها (يذهب الصالحون الأول فالأول ويبقي حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يبالى بهم الله)(تحقيق الحديث) مسلم والبخاري.
بلا ريب أن أفذاذ الرجال الذين نتحدث عنهم فقد ذهب أكثرهم من ظاهر الحياة ولكن نسال الله ألاّ ينضب هذا المعين الثر بالأيمان ومعاني الروح حتى تبقى في الحياة الحثالة التي لا خير فيها.
يبدو أن أليراع في نشوته الجذلة ابعد بنا النجعة عن الحديث عن الشيخ القادري الذي بدأت حياته بمستجدات خلوة القرآن وطلاب الدراسة، وكان لا بد له ان يفكر في مكان جديد غير مسيد والده الذي كان بالغابة.
وعلّ في اختياره لمكان جديد استفاد من رؤية الشيوخ الذين سبقوه، في هذا اليدان مثل الشيخ محمد أبو صالح والشيخ الأمين ود بلة، وكان المكان الذي اختاره غابة كثيفة الأشجار والحشائش، فذهب ومعه أخوه وتلميذه محمد أبو جواد عليهم رحمات الله، وأشر على زواياه الأربعة وأخذ محمد أبو جواد آلة وخطط تلك البقعة.

الشيخ والمجاهدات:
هذا العنوان فرض على أصاحبه التزامات جرت عادتها في بداية كبار الشيوخ وهو أمرٌ يجعل فارقاً كبيراً بين المشيخة العادية، ومشيخة العلم والدعوة إلى الله وقد كانت عبارات أهل الطريقة (من لم تكن له بدايات محرقة لم تكن له نهاية مشرقة)، هذا الديدن فرضه على الشيخ محمد أبو قرون أن يخوض معترك المجاهدات.
روى ابنه الخليفة الجيلي: "إن أول خلوة دخلها والده كانت سبعة شهور"(1)، فكانت هذه الخلوة فيما بعد ترياقه الثابت الذي يأخذ منه قوة العزم على الصعاب، ولعل الخلوى وتجربتها كان لها بعدها بتواصلها الذكر والسهر وهما من الثوابت التي لا تستغنى عنهما حياة الصوفي.
قال حفيده الفكي محمد أبو شري رحمه الله مرت علي أيام تعبت فيها من السهر لأن أبي كان مريضاً وكنت ملازماً له، وعند السحر أذهب إلى خلوة القرآن لتدريس الطلاب، فشكوت حالة التعب لجدي الشيخ فقلت لا أعرف أيكم أطيع: أول الليل مع والدي المريض وبقية الليل أذهب إلى طلبة القرآن، فقال لي أتعبت من هذا؟ وأنا منذ سنتين لم تذق عيني طعم النوم؟".
المعرفة بأحوال ومجاهدات كبار الشيوخ شيء ضروري لما فيه من الهداية التي تقود إلى التأسي بأحوالهم، وإلى استنهاض الهمم في ذكر الله تعالى ومراقبة الأحوال ضعفاً وقوة.
وعلُّ بعض المريدين الذين يتعشقون فضائل الأعمال وقممها العالية، يدعوهم الامر أن يسألوا عن أحوال الشيوخ الذين يتتلمذون عليهم، وهذا ما جعل الشاعر حسب الرسول الشهير "بركب عودك" رحمه الله وكان رجلاً جسوراً لا يخاف، دعته شجاعته البدوية أن يتذاكر مع أستاذه الشيخ أبو قرون أحوال مجاهداته فقال له: منذُ كذا سنة لم أذق نوماً، لا ليلاً ولا نهاراً(1) إلا نزراً.
تسوقنا مجاهدات الربانيين من هذه الأمة التي أصبحت في واقع حياتنا ضرباً من أقاصيص الأحاجي التي لا تتصور.
الحديث في هذا يسوق إلى البحث في أحوال الطاقة الانسانية، هل يمكن أن توجد فيها قدرات خارقة لتحمل الصعاب؟، إذا كان هذا موجوداً في الطاقة الانسانية، نقول كل ما لا يتصور في الحالة العادية ممكن فعله، إن أمكن هذا فانه يجوز لنا أن نقول أن الشيوخ الذين نكتب عن مجاهداتهم الخارقة، وإستقنائهم عن الأكل والشرب والنوم إلى وقت، هذا يعرف عند رجال التصوف بالطي .
وعلنا نجد في الحديث الوارد ما يهون علينا قبول ذلك (ابيت عند ربي فيطعمني ويسقيني)
الحديث عن تجربة الربانيين وما اتسمت به من تيار معاكس لمطلب البنية الانسانية يطرح سؤالاً: هل يستطيع إنسان التجربة الذي ركب هذه الأهوال أن يستغني عن مطالب الجسد ولو إلى حين، من حيث العادة أنه لا، ولكن الأمر من حيث مختبرات التجارب المستخلصة من حياة الأمم السابقة المبثوثة في الأسفار إنه نعم، إن كان هذا أمر غير عادي نعم إلا أنه واقع لا نستطيع إسقاط تجربته برأي بعيد عن حلبة التجربة، و يقوي ما ذهب اليه إنسان التجربة الصوفية الإعتراف بأن في الإنسان طاقات خفية بعيدة الأغوار تنفجر فتيلتها في أحوالٍ تجعل الإنسان غيرعادي الأحوال. ولعل في أحوال الحروب وصور الفداء الجبارة أمثال من الوقايع تقرب إلى أذهاننا وجود الطاقة الهائلة في الإنسان، ومن الوقائع الغريبة في أحوال التضحيات نجد من الفدائيين من يضع بين جنيه متفجرات حقق بها أهدافاً كبيرة، الإنسان في حالته العادية لا يمكنه أن يقدم على هذا أبداً، هذه الأمثلة تسوقنا طوعا إلى التسليم بقدرات خارقة في مكونات النفس الانسانية، تستطيع أن تفعل بها إموراً خارقة.
ما يؤخذ من واقع التجارب والأمثلة يفسح الميدان سعة لنفوس عظيمة ركبت الأهوال في سبيل ما تصب وتريد، ولا يجعلنا التقاعس والنظرة المغايرة أن ننزل الهمم العالية عن صهوة فرسها التي امتطته تحدياً في ساحات المنازلة، يحضرنا في هذا قول المتنبي:
إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
إنما عانته صفوة التصوف شئ شاق ورهيب، وهذا لا يكون إلا بتوفيق من الله تعالى وإعانة تمد الإنسان بتعويض روحي يغنيه عن المألوف اليومي.
ساقنا إلى هذا ما كان من الشيخ محمد أبو قرون رحمه الله من معاناة وتجارب قد يكون في ذكرها أسوةً وقوةً تشدّ النفوس من ارتكاس إلى المعالي، تؤخذ هذه الاحوال من تجربة النبوات في مغاراتها ومحاريبهاﮋ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁﰂ ﮊ [آل عمران:٣٧]
وهذا الرزق المعني في الآية مع مماثلته للمألوف إلا أنه يعني المعوض الروحي (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني)(1)، والأمثلة في حياة النبوة كثيرة تعطي نفوذاً بسلطان الى إرتياد تلك المسالك العالية ﮋ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﮊ [مريم]
وبعد تحبر اليراع من أحوال كانت ينبوعا أثرت الحياة بفيوضات الروح ستسمحنا بث طرف من ذلك على أحرف السطور مما وعت الذاكرة الإجتماعية من أحوال همم عالية علي خطوات من سلف. إن ماكان عليه الشيخ القادري الذي نسجل نزراً من حياته هو التزام طريق علي درب التابعين والاصحاب  هذا المسار هو هو الطريق الذي سلكته خطي الشيخ باتزان من غير أرجحة.
وتتابعت خطوات الشيخ في تاسيس متطلبات الدعوة إلى الله التي عنونا بها هذا السفر، بخلوة القرآن الكريم، وجماعة الصلوات الخمس، وعلى المئذنة المرتفعة يعلو مرتفعها بلال ذو اللكنة العجمية، بتكابيره العالية (الله اكبر) شاقة رهابة الليالي، وصمت الأيام القاسية مذكراً بوجوب إقامة المكتوبة، ويتبادر مع النداء إلى مكان الصلاة الطلاب والسُكان الذين لا يتجاوزن العشرات، وكانت النشاطات الأولى في المسيد تعتمد على الشيخ بشكل كبير، إلى أن اكتملت البنية العضوية وقد كانت ليالي الاعياد وغيرها تحيى بقصائد من تاليفه وشعراء آخرين مثل أبو كساوي وحاج الطيب وغيرهما، رغم أنه لم يشتهر برواية الشعر، وكل ما وصل منه لم يتعـد أصابع اليدين، إلا أنه يحمل تعبيراً حياً عن مشاعر ذلك الجيل وإنفعاله بحركة الدين، ونذكر منها :
عمد ديوان حرا
الوالو للسرا

مـا بنسـى ليمٌ

لعيوبنا الظاهرة
يا ساتر استرا

ونفحاتنـــــا تــــــــوره
قلوبنــــــــــا نـــــوره

مـا بنسـى ليمــن


في مسلك الطريق
الوالو والو الضيق

فطورم ماء الإبريق
الطبقو للريق

مـا بنسـى ليمــن


القللو المزاح
الأوليا السياح

فطورم ماء القراح
القامو للصباح

مـا بنسـى ليمــن

البذكرو العطاي
الأوليا السراي

على نفسي إستعين
بهم فيا معين

مـا بنسـى ليمــن


طايعات وطايعين
الأوليا الذاكرين

على نفسي إستعين
بهم فيا معين

مـا بنسـى ليمــن

الراجي عند السيد
الجر للقصيد

ابقران فيدوه اليفيد
من رايكم السديد

مـا بنسـى ليمــن

وسلامي غير تعديد
صـلاتــي غيــر تحــديــد

في أم شبـــكاً حـــديد
مـهــديــة للـرشـــيــد

آخـر اللحظـات:
في هذه الأسطر الفائتة سجلنا لمحات عن حياة مليئة بالحركة والنشاط في شتى مجالات الدين والحياة.
كان يذكر المريدين بأحوال، حفرت في نفوسهم أثراً عميقاً وجعلهم يذكرون صفاء تلك الايام الساعة التي أحسوا فيها بدنو أجله.
روى لي المقدم عبد الله العسيكري قائلاً: (كان اليوم يوم عيد، وحلقة الذكر عامرة، والشيخ في خلوته، فذهب أخونا الشاعر حسب الرسول المشهور بـ (ركب عودك) فجاء معه الشيخ إلى حلقة الذكر، وبعد نهايتها تحدث الشيخ إلى الجمع فقال: يا أخواني الطاعة تلِمنا والمعصية تفرقنا ثلاث مرات، ثم قال عليكم بالصلاة والصوم وحق الناس لا، وكلامي هذا يشهد عليه أولاد عمي إبراهيم وعبدالقادر، وهما ابني الفكي سعد، وكانا يقفان معه في الحلقة وعند سماع كلمة الشهادة، أخذت عبدالقادر حال شديدة فبكى وبكى لبكائه سائر الواقفين وعلت أصواتهم بالنحيب ويبدو أن بعض كبار التلاميذ أحس فيها بدنو أجل الشيخ عليه رحمات الله.
وكان هذا العيد هو آخر عيد حضره الشيخ ، وظل بعده مريضاً إلى أن توفي. وكانت وفاته في العام 1936م. عليه رحمات الله ورضوانه.
أبنـاء وخلفـاء الشيخ:
للشيخ محمد أبو قرون أربعة من الأولاد الذكور هم الخليفة يوسف أبشرا كان حافظاً لكتاب الله تعالى بارعاً في فقـه الرسالة القيروانية وله عبارات (من لم يقرأ الرسالة حياته خسارة، من لم يقرأ خليل علم قليل)، أسس في المسيد "حلقة علمية" بأستاذية العالم الجليل الشيخ إبراهيم حنضول، وكان لها الأثر الكبير في حركة المسيد وحياة الناس.تدرس هذه الحلقة في كتب المذهب المالكي، رسالة أبي زيد القيرواني وكتاب العزية للجماعة الأزهرية وكتاب الصفّتي والأخضري وفي العقائد الاشعرية جامع زبد العقائد.
نال أبناء الشيخ الخلفاء حظاً وافراً من المعرفة الفقهية، وكان بعده الخليفة الحسن الذي امتدت الحلقة في حياته زمناً طويلاً، وللخليفة الحسن معرفة كبيرة بعلم الميراث يـوزع فروضه على الأرض بالعصا للذين يأتون اليه من أصحاب الإرث، ثم يقول: اذهبوا للفكي محمد يتم المسألة، وكان له عناية بخلوة القرآن والإشراف عليهامنه شخصياً في زمنه مع وجود شيوخها الفكي محمد وكان من معاونه من حفظ عليه (سعد عليّ حسونة الشهير بود الفرس، ومصطفى ود عمارة، وحسن ود سعد الشهير ود القطن بهم فقد عمرت الخلوة في زمنه ً بأبناء الغرب والعراب ولنا أن نذكر من ابناء الغرب محمد كامل وسليمان وآدم، ومن الحبشة يحي وغيره ومن ابناء العرب الكثير منهم من هو على قيد الحياة ومن توفه الله باحسان ، وهيأ الله له أن قام ببناء مسجد الجمعة الحاضر وبناء خلوات سكن الطلبة والضيف والمريدين، دامت خلافته 18 سنة. عاش 64 سنة وتوفي بالأراضي الحجازية، متوجهاً إلى مدينـة الرسول صلوات الله عليه وسلم في حادث حركة سنة 1961 - 1962م من ذي الحجة بعد أداء الحجة الثانية له.
ثم الخليفة الجيلي سار علي نهج والده وأخوته الخلفاء في تنظيم المسيد وتربية المريدين، وإحياء ليالي الأعياد بالمدائح النبوية وحلق الذكر، وفي خلافته أُحييت ليالي الجمع بالمدائح النبوية فأصبحت ديدناً ثابتاً، وكما ذكرت: إنه كان فقهيا مالكياً وصوفياً موصولاً سنةً، وكان لحركته الواسعة في المدن والقرى أثرها الفاعل في حياة الناس توصى لهم بمحبة النبي صلوات الله عليه وسلم، هذا نذر من حياة وحركة خلفاء الشيخ محمد أبو قرون، وأصغر أبناء هو الشيخ عوض الجيد الذي أصبح خليفة بعد الشيخ الجيلي.
مجتمع واجتماعيات مسيد:
الحديث عن لمحات من حياة الشيخ القادري وهو على سجادة الطريقة، أن تكون منبراً للدعوة إلى الله كما كررت وسطرت ذلك بطيعة الحال ان تهرع الناس حول الشيوخ طلباً للارشاد والبركة، ولما كانت الطريقة بوصفها إطاراً تتحرك في داخله أنماط وأشكال من مختلف البيئات الاجتماعية، متباينة الأفكار والأمزجة، هذا التباين يجعل المشيخة مشغولة بتوفير المناخ الذي تنمو فيه المناحي السليمة فكراً وسلوكاً، ومن الطبيعي أن يكون بين هولاء الذي يقوم بالمفروضات والذي لا يقوم بذلك، والأمر تكتنفه صعوبات النقلة إلى عتبة البداية ثم التطبع التربوي الذي يجعل الانسان على معتقد وسلوك سليم، مع ما كان من مشقة ولكن يقرب الشُقة (إنما الأعمال بالنيات ولكل إمرئ ما نوى) (والمرء مع من أحب) هذه اللمسات من حديث النبوة الطاهرة نحو حركة بناء النفس أمرٌ يجعل الإنسان يتحسس أحواله خطأً وصواباً، إن أصاب خيراً شكر، وإن أخطأ أعتذر، لقوله (كلكم خطاؤن وخير الخطائين التوابون) .
وبعد الحديث عن هذه المناحى نذكر رجلين من ذوى البشرة السوداء حظيا بمرتبة المشيخة التى تجعلهما فى مصاف الشيوخ من حيث الترتيب الصوفي، وليست هناك من فروق إلا من حيث العمل والصدق مع الله.
والشيخين هما الشيخ سعيد "بملكال" والشيخ خير الله "بدارفور"، ولم يوظف غيرهما فى هذه المرتبة .
مقدموا شرق الخرطوم:
فأول من صحب الشيخ في بدئ حياته المقدم محمد أبو جواد، قدرت له الملازمة أن يكون حول الشيخ، وهو رجل تؤهله أحواله في الطريقة المشيخة، فهو ذو خصائص مميزة بالمعرفة والمجاهدة، وقد أظهر الله تعالى له كرامة جليلة عند موته وأثناء تجهيزه وقفت اثنين من الطيور من نوع غير عادى على رأس الخلوى إلى أن تحرك النعش، فطارتا مع النعش إلى المقبرة، وقد رأى هذا بعض الناس .
والمقدم احمد ود خوجلى"عد ام دوم"والمقدم قرشى القاش والمقدم المهل بهاء الدين "وادي سوبا الحسانية" والمقدم عبد الله ود ام بارك "الباكراب" ويحكى عنه شيئاً من الفتوحات والمقدم عبد الله من نواحى شندى العبابدة والمقدم رحمه الحمرانى الذي رؤى ساعات احتضاره في فراش الموت يبتسم إنها أمارات بشري سابقة.
مقدموا الجزيرة:
المقدم الشريف عبد الرحمن أم سنيطة رجل سلوك وقدوة وشجاعة كثير الذكر والمجاهدات، والمقدم يوسف ود توارى، والمقدم العوض الشوتلاب، والمقدم والشيخ معاً سعيد ود عدلان الدبيبة"جوار المعيلق" رجل كرم وبذل وعطاء بيته مسيد قِري للضيف وراحة لكل قاصد من غير تمييز، وقد كان أحد أربعة أوسموا بخرقة المشيخة (الشيخ سعيد من ملكال، والشيخ خير الله من دارفور) والشريف عبد الرحمن ام سنيطة و سعيد ودعدلان من الدبيبة، وكان تأيد الاخيرين من الخليفة الحسن، ولم يجز أحداً غيرهما في هذه المرتبة .
ومن المقدمين المقدم الفاضل العوض"المعيلق" رجل من ذوى الأحوال الصادقة والتأوهات التي تعني أبعاداً روحية وكان عبدا أواها من اثر مما تعتريه من الأحوال، وكل من ذكرت من هؤلاء كانت له كرامة الإيمان والإستقامة، وليست من كرامة تذكر فوق ذلك.
مقاديم ديوم الخرطوم:
من هؤلاء رجل حظي بالذكر والأحوال الصادقة له نوادر خارقة معروفة عند بعض التلاميذ، وتحفظ أسرته بسر بعضها هذا هو المقدم عبد الجبار ذو القامة الطويلة شين الظاهر جميل الباطن، وإلى جانبه المقدم إبراهيم موسى الشهير بالترزي ديم الخرطوم بحرى رجل ظريف المظهر عامر الجوهر تتلالأ أنوار الصفاء الروحي على جسده أذا تأملت توشك أن ترى وجهك على صفحات وجهه، ولهذا الاشراق الغير عادي قصة شهيرة تحفظ عند إخوته في الطريقة ولا تقال الا مشافهة كما يقول الامام الشعراني في هذه المسائل، والمقدم حسين الملكي من ديم سلمان وثق أسمه "حسين الشيخ أبو قرون" الشهير بإسم(شُمبك) وهو رجل ظريف الهيئة والملبس وله أحواله صادقة، وشمبك كلمة يتلفظ بها في حلق الذكر مع نشوة حالٍ وجريان الدموع على خدوده مع بكاءٍ ونواحٍ يتذكر أحوال قوم مضت في طريق الله صدقاً وإخلاصاً.
تلاميذ لكن أساتذة:
العنوان يقصد تلاميذ فى الطريقه احوال تدل على البساطه ولكن المناحي السلوكية والروحية تفرض أن يقال لهم أساتذة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد ذكر السفر مسميات التوظيفنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةشيخ، خليفة، مقدم)، فهي وظائف لأداء واجبات إجتماعية وسلوكية،ولكن هذا المسمي لا يعطى صاحبه درجة صلاح بمجرد التوظيف، هذا المدخل التعريفي يقودنا إلى ذكر التلاميذ الذين أستضاءت بمعارفهم وآدابهم مجتمع الطريقة ، هذا الإكتشاف يجعلنا نذكر ما لهم من لطائف ورقائق، تجعل احوالنا أدباً مع سموهم، لا أذكر واحد منهم إلا بما يليق به إجلالاً لقدره،وفي مقدمة هؤلاء سواءً الذين حضرت أو من لم أحضر، ولكني كنت عن قرب فيما سمعته من أخوة مثلهم وفي مقدمة هذا الرعيل المقدم فرج الله والد قسم السيد الشهير بـ (تجو) ، كان ملازماً لخدمة الشيخ الخاصة، ووكيل التكية ، وامارة متعددة الوظائف ،إشرافاً على ملئ حوض ماء الشرب للطلاب وايام الأعياد، وكانت سعته مائتين وأربعين صفيحة والصفيحة أربع جالون تحمل على الاكتاف وايضا مسئولا عن زراعة بلدات العيش، وكان المساعد له وتولي أمر التكية بعده المقدم بلال من ذوي البشرة السوداء كان جندياً في الحرب العالمية وشاء الله أن تقوده سلسلة السلوك الروحي إلى مسيد الشيخ القادري، فكان المؤذن والمبلغ لإقامة المكتوبة ومراعاة أوقاتها لا يتقدمه في ذلك أحد، وكان لإسمه بلال وقع في النفوس وفالاً:تتصاعد أقدامهُ (المفرطحة) على مدارج المئذنة المبنية بلبن الطوب رافعاً عقيرته: الله أكبر الله أكبر، هذا شرف لا يوازيه شرف، والحديث يقود إلى أنموذج فريد في نوعه وهو المقدم والسيد خميس ذو البشرة السوداء لايعرف من هو والده او امه ،إلا أنه خميس الشيخ أبوقرون،ويبدو ان السيد/ خميس من أبناء دارفور يوحى بذلك سحنة جسده السوداء ، اللامعة بنور الذكر وسمة السجود، لقد أدركته فيما يبدو أنه في عمر التسعين أويزيد على ذلك، ولم أر مثله في حياتي ومااظن الحياة تجود بمثله ابدا، له أحوال وأطوار غريبة تعتريه عند خروجه إلى الصلاة المكتوبة، كأن على رجليه قيد حديد يدب منكس الرأس والدموع سائله على صدره، لا ينظر إلى أحد ولو كان أستاذه وهذا دأب حياته، ومكان المصلي لا يبعد عن كوخه المحتوش بأغصان الشوك وراكوبة التُمام (البوص) إلا قليلاً يقف وهو حافي الأقدام المفرطحة في الأيام الصائفة وينتر نترة شديدة متأوهاً آه آه الموت الموت ولا يكاد يصل إلى المصلى الذى ما بينه وبين كوخه الا الطريق في أقل من ربع ساعة أو نصف ساعة، وهو مشدود بأحوال البكاء، نموذج فريد لم يتكرر ابدا وعيت هذا النذر القليل من حياة رجلٍ من الربانيين وحتى الان انا سعيد ان احضرنى الله بالتعبير الصوفى انه قطب من الاقطاب، ادركت ووعيت ذلك لانى كنت أسكن معه وزوجته الأم (بجالِّى) التي تحفنا برضى وحنان الأمومة الطيبة، وهى امرأة قصيرة القامة غليظة الشفتين فيما يبدو من هذا الاسم المركب وهى (بنتُ جإلى) ويبدو اسم أبيها وهو( جالى) ولعل هذا التركيب المزجي أضاع الاسم الحقيقي لها: اسم (جالى) من أسماء جبال تقلي كما وثقتُ لاسم (جالى) في صفحات السفر(1) عشتُ مع الام بنت(جالى) في كوخها الصغير المتحوش بالأغصان، وكانت تربي لي أفراخاً من الدجاج اسعد برؤيتها وهى تلتقط رزقها من حبوب العيش ، خشية أن تشاركها إخواتها. هذا كله عشته في يفاعة لا تزيد عن العشرة سنوات .
المقدم فضل المولى العدِسي: لا يعرف بغير هذا الاسم وهو رجل من أهل الذكر وكانت له عنايةٍ حظي بها دون من معه، وهي حضور حلق العلماء والترحال اليهم، جالس الشيخ مصطفي الفادنى وأخذ منه، والشيخ إبراهيم ود حنضولْ في حلقة المسيد و كان يذهب أيضاً إلى الشيخ علي ود أبو دريع إمام مسجد الشيخ ود بدر آن ذاك، وكان المقدم العدسي فقيهاً مالكياً يجيب من يسأله في الإمور الفقهية، ويبدو من قامته القصيرة وشعره القرقدي أنه من أبناء الجبال، ذو ضحكة فكِهة وبسمة جميلة تفتر شفتيه عن أسنان بيض عليها صفرة ذهبية بسيطة، وتزين دكنة جسده القاتمة التي بدت عليها تكاميش تقدم العمر أنوار العبادة والذكر ،وإن نقول في احواله شيء إنه رجلٌ من أهل السلوك والمعاني، وإلى جانب مسئوليته في المسيد وجلب الماء والزراعة كان يحترف مهنة بناء المنازل يعول نفسه وزوجته (فرجو قريب) كان ذو محبةٍ للأولياء والصالحين عموماً، كما هي سمة أهل الطريق، ومع هذا كان يفرد للشيخ التوم ود بانقا بمنحى حب خاص كان كثير ما يردد الأشعار المادحة له، منها هذه الشطرة :
(الشيخ التوم ضقل الشاردات ** شوف العين ما فيه قُلات
جاب الشال دمو النقاط . . . الخ)
وعند ذكره تعتريه حال شديدة حتى يتوقف عن عمل البناء، هذه أحوال تلاميذ كانوا غرة في جبين الزمان.
ومن هؤلاء عبد الزين والد قسم الله مادح النبي() وهو رجل عالي القامة فصيح اللسان طيب الأنس يكثر من قصص الأولياء والصالحين، والجلوس معه منتدى طريف جميل، يبدو أنه فقد عينيه في وقت مبكر وهو من أهل الذكر والمحبة الصادقة وكان من ذوي الخدمة في المسيد، ويحترف صنعة فتل الحبال يعول به نفسه، ومع أميته له سجع جميل في الصلاة على النبي ()، وكان يعرضه على الخليفة محمد عثمان ماذون العيلفون الذي كان لا يغيب عن المسيد كثيراً لخوته وصداقته مع ابناء الشيخ، ويستحسن ذكر ماسمع منه وسجلت الذاكرة بعض معانيه وهى الصلاة العددية .
اللهم صلى على سيدنا محمد عدد كذا وكذا الخ وكان له رجزٌ جميلٌ فى هذه المعاني.
وإلى جانبه نذكر سعيد أبساق الذى يعرف بهذا الإسم فقط وكان في بدئ حياته جندياً فى الحرب العالمية الثانية هو والمؤذن بلال، ولسعيد قصة خارقة مع أستاذه وهو في أرض احدى المعارك وثق حديثها وحدثها الشاعر ود مريود فى قصيدة مطلعها:
شـــــــــيخ ود لـــــــــباس مـــا بـيـخـش بـاس أبقــــران فـــــــــارس الكـباس
الجــــيلـــــى الســــــــاس بحــــرنا ابــــو دنقـراً هــراس
سيد البواطى أم مات أخراس(1) فزع أولادو ألفي الكون حراس
أبقــــران فـــــــــارس الكـباس
لــدين حـــاص ركب الهميم في أركان حاص
صاح أب ساق ضرب الرصاص باع الطويل كشح الحصحاص
أبقــــران فـــــــــارس الكـباس
ونذكر المهدى ود الأمين الجعلي الشهير بود التاية، و ايضاً عبد الله ود عليّ الشهير (بـالعسيكرى) ذكر بخير ومتعه الله بعافية، ذو عقل موفور وحكمة يشاوره أبناء الشيخ ويسندون اليه الكثير من الإمور في حل مشاكل الناس، وقد تادبنا بما سمعنا منه في معاني الطريق، وقد حباه الله بقيام جزء من الليل، فكه الأنس كريم الضيف، وقد حبي بعمرٍ حتى الان يزيد عن المائة، مع تقدم السن إلى كتابة هذه الأسطر يزاول الزراعة، ويصلح من حفير الماء بنفسه، ويزور إخوانه في الله تعالى، وتكون منه دائماً النصيحة والنصح لنا جميعاً.
المقدم فرج الله البطحانى والد المادح طه وسعد، له حال في حلق الذكر، والدفوف تئنُ وترنُ، يتمايل بخطوات غير منتظمة في حركاتها مع الذكر (الله الله) وهذا التمايل يبدو لعدم السيطرة على البنية الجسدية المتهتكة مما يعتريها من حال نفح الذكر الصادق، وينشد أبياتاً من الشعر بصوت رقيق حتى تخنقه العبره
سوالو دليل الطير فى السما الله جليل الله جليل
يشدو بانشاده بصوته المحزن في لحظة الإستراحة التي يقف فيها رنين الطبول المزمجرة علواً مع لحون القصاد الندية، وكم يروقك مع الدفوف وجمال اللحون والأداء المرتب مع الإيقاع صوتٌ شجي جميل يشدو:
طرقك جاب النُجاح قايم الليل لصباح يوسف سوق الرباح
سمع هذه اللحون تجري من حاج أحمد ود رحمة الله الذي اعتاد جر لحونها في حلق الذكر مع ضربات الدفوف الهادئة حيناً، وإلى جانبها رائعة جميلة المقاطع تعدد اوصاف حالٍ وهى:
طرقك فى البلدان شائع عندو الدر والبضائع أب(2) أحمد نور البقايع
وحول حلق الذكر مناظر رائعة بالأحوال الصادقة من كبار التلاميذ الذين تتأثر بُنيتهم الإنسانية من جميل ماسمعوا.
وقد جرى القلم بنثر درٍ من حياة كرامٍ أفاضلٍ أضيئت بأحوالهم الحياة، وكانوا حقاً بلسماً شافياً للنفوس القلقة وترياقاً وقوتاً للقلوب، وشِرباً مروياً للأرواح الظمِئَ إلى مناحي السلوك.
ونذكر تلاميذ كبار من نوع خاص جمعوا بين السلطة الزمانية والمناحي الروحية كانوا تلاميذاً وشيوخاً للعرب لدى سلطة الدولة، وكان لهم شأن عظيم، وهما الشيخ إبراهيم عوض الله، رجل من أهل اليقين والصبر على الأزمات والفقر، قليل الكلام كثير الصمت إلا حين يسأل، وكان جل حديثه في أحوال الصالحين والأولياء وله رؤية صالحة يتمنى الناس سماع مبشراتها، لازم أستاذه الشيخ أبو قرون وأستفاد من صحبته الكثير ، والثاني الشيخ أحمد ود حسونة رجل ذو حكمة ونظرة ثاقبة في الإمور، من ذوي الذكر وله دوره الخاص ، صبور على ما يصيبه ممن حوله.
والمقدم مساعد ود الزبير الذي كان حظه خدمة جوز الموية من البئر أيام الأعياد مع اخوته الفقراء، عاش عمراً ناهز المائة، عمّر حياته بالذكر والصدق والإخلاص، رجلاً شجاعاً لا يخشى أحداً فقد عينيه في آخر حياته وقد أكرمه الله تعالى بخارقة أنه كان يسمع كلمة التهليل من مجموعة عظيمة في السماء لا يدري من هؤلاء ؟ تكون معه طوال النهار ووقت صحوه من النوم، ويعرف بوقوفها دخول وقت الصلاة سواء ذلك ليلاً أو نهاراً، هذا ما سمعته منه شخصياً، وقد صحبته زمناً سفراً وحضراً نكون الأيام والليالي ذوات العدد في مكان واحد مع الأخوان، واستفدنا منه آداباً ومعاني طيبة، عرفت منه ما أجهله كثيراً من آداب الطريق والسلوك، وكان للعم مساعد بيت من الشِعر ينشده حين تأخذه حال التذكر لرجالٍ مضوا ، أحفظ منه هذه الشطرة فقط : (الطريق دابة تحمل عليه القوم).
ومن التلاميذ الخلّص عبد الله ود نور الله، وعباس ود حبيب الله والمقدم والشيخ معاً فضل المولى ودبَرير الذي عايشت جزءاً كبيراً من حياته الفاضلة المليئة بنفح الذكر، ومحمد ود مالك وبخيت ود حمد والصديق ود رحمة المشهور بالقصَّير أو رجل الترعة الخضراء بالنيل الأبيض، رجل فكه ذو محبة وصدق.
ومن التلاميذ الأساتذه الذين زانت بهم هذه الحياة، تزان بالتسطير لهم صفحات هذا السفر رجلاً ترتفع به أحوال السلوك وتصرفاته الروحية إلى ما فوق التسميات والألقاب هو شيخٌ حقاً، وهو حسن ود الإزيرق المشهور بود أمغد من قرى الجزيرة بالقرب من قرية (ألْتي)، وهو رجل من ذوي المجاهدات والفتح وقد سمعت منه أشياء عزيزة في السلوك وتصرفات الروح لا تسمح صفحات السفر بالتسطير، لما فيها من أشياء قد لا يستسيغها الكثير وترى غير معقولة ،إلا أنها معقولة في فحوى عالمها الروحى وتفجيراته ،عالم الروح ومافيه لايخضع الى التصور العقلى ،لانه شئ فوق المعقول وجب الايمان باحوال غيبه، كان لنا معه صحبة وأخوة مع فارق السن نزوره في قريته ومعنا أخونا والعم معاً، العمدة عوض الكريم موسى كرادم الشاعر ذو الأداء واللحن المثير، نزوره لما يُجنى من الجلوس معه من فوائد الإنتفاع أدباً ومعرفةً بمعاني الطريق إلى الله، والمسارب الروحية، نظل نسمع ونحن نتأمل في هذه المعاني العالية نرى أنفسنا إلى جانبه كالأطفال وهذا حق، ونذكر نوعاً آخر وهو تلميذاً أمياً من رعاة الشاة وهو حسن ود الأطرش الحُمراني الذي كان مسكنه بالقرب من الشيخ ود حسونه ،وهو رجل من أهل الصدق، تكاد ترى وجهك في صفحة وجهه المضيء من سيماء الصفاء الروحي والسجود.
هؤلاء نوع فريد في سلسلة الحياة طهراً ونقاءً، رغم الواقع الإنساني الذي يجعل لكل إنسان زلة يعتذر منها أمام ربه خجلاً وحياءً من التقصير، ولكن فيما نرى ونعرف هؤلاء نفر قد تنزهت جوانبهم من قاذورات المعاصي التي تتمرغ فيها جوانبنا نحن الآن، ومن هؤلاء ايضا رجل أنموذج الأحوال والدأب، لا يفتر لسانه عن ذكر الله يوصف بالصمت لا تكاد تصحو في ساعة من ساعات الليل للكراية فى الخلوة التي كانت تقوم ما قبيل الساعة الثانية صباحاً إلا ونجده جالساً ماسكاً سبحته التي لا تزيد عن المائة حبه مصلياً بها على النبي ()، وتروعك جلسته وقلنوسته أى طاقيته الطويلة على رأسه فهو كأنه جبل لا يتحرك ولا يلتفت لما يجري ولا يهتم لما حوله هذا الرجل هو (موسى ودقب).
وقد ألزم التتبع لحياة التلاميذ أن لا أنسى الشيخ اليوزباشا عليّ صالح لعله كان من سكان بيت المال أو حي الملازمين أمدرمان مع بقية من جاءوا معه، وكانوا مثله في الوظيفة، اليوزباشا مطر وغيره، فكان عليّ صالح رجلاً عالي القامة جسيماً، فهو أول من أدخل العربة القرية في الثلاثينات كما يتحدثون ،وكان شيئاً غريباً في حياة الناس ينظرون اليها في غرابة وإستغراب، ويبدو أن الناس في القرية ولأول مره يرون العربة، أغتناها وجاء بها إلى الشيخ للبركة، فأمر أبنه الخليفة أبوشرى أن يركب معه، فكان الشيخ علي صالح ذو أحوال يعتريه جذب في بعض الأوقات، كان يأتى المسيد هو وزوجته وبناته وأبنه محمد رحمات الله عليهم.
والقلم بعد نشوة جذلة تجري تحبيراً لثلة فريدة في حياتها السلوكية والروحية صحبت وتتلمذت على الشيخ أبو قرون، عرفت منه الكثير، وكم يكون اليراع حزيناً لعدم المعرفة بأحوال وخصائص تلاميذ جنود مجهولين تعتمل في صدورهم أحوال الصدق والإخلاص، ورجوت بعد أحوال جرى بها اليراع نشواناً أن يكون الختام للتلاميذ رجلاً من قبائل الفرتيت هو المقدم (الشوية) لا يعرف أسم له أو لأبيه غير هذا اللقب الذي يدل على قصر قامته، فهو ذو شعر قرقدي بسيط المنبت رأسه يميل إلى صغر مع التكوير، بإحدى أذنيه فدوة فضيه أو قل أنها حلقة. كعادة قبائل الجنوب، وهو من سكان حي الملكية بملكال وقد التقيت بابنه حسن في زيارتي للمقدم خير السيد الذي كان عاملاً بالري المصري، وهو من التلاميذ الذين جاءوا مع الشيخ سعيد الذي مر ذكره، ولعل الشوية أستطاب الحياة بديوم الخرطوم بحري، التي كانت تسمى (القصير) آنذاك، وكان مع التلاميذ الذين يكوِنُون مجموعات بذلك الحي وغيره، وقد عرفته مع صغري وأنا طالب بخلوة (الكراية)(1) لا أتجاوز الثالثة عشر إلا قليل، أعرفه مع جملة التلاميذ الذين لهم شأنٌ في المسيد أيام الأعياد، ولعل هذه المعرفة التي أتيحت لي مع كثير من تلاميذ المسيد مع صغر سني لأن والدي الخليفة الحسن كان في وقته خليفة السجادة بعد أخيه الأكبر الخليفة أبوشرى، وهذا جعل التلاميذ مع فارق السن يكنون لي محبة، وتكون لي معهم صحبه، وكم كان لنا فرح وإبتهاج بمجيئهم أيام الأعياد حيث يدخل تلاميذ الملكيه المسيد من الناحية الغربية بكلمة التهليل من عند شجرة السمرة التي توجد الآن بالقرب من منزل أخونا الفكي محمد أبوشرى شيخ خلوة القرآن رحمه الله، وفي مقدمة الدفوف المقدم عبد الجبار ذو القامة الطويلة القاتمة السواد حاملاً عكاز الذكر والعصا يتمايل يميناً وشمالاً مع ضربة الدفوف، وبعد نزول القوم كان المقدم (الشوية) ينزل متاعه من حمارته المربدة الشعر بالخلوة المعدَ لهم، وبعد سلامه هو والذين معه على خليفة السجادة وأبناء الشيخ ،نكون فى انتظاره متى يخرج لنا هدايا التمر والفول، التي كانت في ذلك الزمن شيء عزيز تتوق اليه النفوس وتنتظره بفارق الصبر، فقد كان آنذاك كل شيء حلواً وعزيزاً ،ونذكر هدايا أخري لها أثرها في نفوسنا حتى اليوم، وهى الفتائل الزجاجية المربعة الزاوية أو المستديرة، أنواع مختلفة وهي التي تُفرغ من حبر الكتابة آنذاك في المكاتب الحكومية، ونستعملها نحن كذلك لمداد (العمار) لكتابة اللوح والدواية أسم شائع في خلاوى القرآن، وكنت أوزع منها على بعض أصدقائي الطلاب، وقد كان التتبع لحياة المقدم (الشوية) أكثر من غيره بهذه الكيفية، لحادث الفيل في غابات ملكال حيث تعرض له حيوان الفيل الذي كاد أن يودي بحياته، وقد نجا منه بأعجوبة خارقة رأها من أستاذه حيث شاهده فقد حال بينه وبين حيوان الفيل، ولعلها ملأت جوانبه يقيناً وطار بها فرحاً، وظل يقصها على التلاميذ، وقد سمعتها منه ولكن تلاشى حفظ كلماتها وبقيت صور معانيها في النفس ، وقد أحسن الشاعر أحمد ود مريود حيث وثقها فى قصيدته الشهيرة مطلعها:

ما بنمشى فوق الدرك درب الزلك أتوكل برك

منها قوله:
عـاين وراك عاين كــدام(1) ضـــــــــــرب كوراك
خايف برك فى فشك الفيل حلَ الشوية من الدرك
حـلــق المدائـح في مسيد الشيخ القادري:
ينتقل القلم متدرجاً في سلم تصاعدي يحكي تكوينات طريقة، وما كان من بناء صرحها، علينا ان لا يجرى بخاطرنا أن الإمور في المسائد الصوفية والقادرية التي نوثق لها بصفة خاصة تجري بعفوية من غير إرادة وتقدير ،لما كان لها من بناء إجتماعي وروحي عاش قروناً من الزمن، ولا يزال يجري في الحياة بحرارة من غير فتور.
وبعد الحديث عن وظائف وتلاميذ نتناول لوناً آخر في حركة البناء في المسايد، فهو حلق المدائح النبوية التي يمثل دورها عنصراً هاماً في المسايد لما في سماعها من أثر عميق في النفوس بسماع ذكرى النبي ()، ويطيب لى الحديث أن أذكر رعيل المدائح الذي كان ذا أثر في بناء ووجود تلك الحلق في مسيد الشيخ القادري، وأول من كانت منهم بداية الحلق ،المادح فضل المولى وابنه عمر المشهور بالمادح، كان رجلاً ظريفاً
طريف النكته فكه خفيف النفس على جلساء أنسه، أمتدت حياته معمراً أيام الأعياد وغيرها بالمدائح النبوية، وكانت بدايته المشهورة التي يستهل بها وهي مدحة المادح النقر:
الله السلومة(1) الله السلومة
إلى قوله ختاماً:
لى أبعلامة النقر ناظمه
وبعد المادح فضل المولى أو أثناء حلقه برز الشيخ الجيلى وزماله احمد ود البشير الشهير بود زهراء، وقسم الله عبد الزين وأحمد عبد الله دقيدق الشهير (بالمرين).
وكان لحلق المدائح النبوية وقتها، حيث تبدأ بعد قراءة المولد النبوي الساعة العاشرة مساء، ثم تأخذ الليل كله حتى الثالثة صباحاً كما هو معتاد حتى اليوم، وكانت حلق المدائح حلقة مفتوحة لكل مادح قبل بداية الشيخ الجيلي وزماله، كانت أيضا مشاركة أولاد الفحل الأمين ومصطفي، كان لهم زيارة ومشاركة ولا ننسى لمصطفي مدحته لأبي شريعة التي مطلعها:
وراجـــى حــــبــيـــب السراجى كنز الأيس
ومنها قوله:
لكــــن خايفو يقول نســاني بعد السبع المثاني فـماذ قـول لساني
من أولئك الذين كان لهم دور المشاركة في حلق المدائح الطيب ود البشرى رحمه الله فهو من أحفاد الشيخ الأمين ود بله، رجل يمتاز بحسن الصوت وفن الأداء في اللحن والمشية والإيقاع، أشياء لها جمالها الفني وذوقها الجاذب، وينضم في الحلق اليه أحمد ود البشير وقسم الله وتارة المرين، لهم أداءهم وألحانهم الشيقة طلاقةً وذوقاً تنطق عند سماعه البكم، كان للطيب البشرى خوة وصحبة مع أبناء الشيخ لصلة الأجداد والآباء، وهذه الرابطة جعلت الطيب البشرى لا يغيب عنهم كثيراً، وله علاقة خاصة مع والدنا الخليفة الحسن، وكان كثيراً يسمع منه هذه المدحة:
عليّ طال الشوق وحماني قط ما أروق للقبر شام وشروق ياحاج نوينا
الحلق الصوفي :
وقد كان للحلق الصوفي مادحيه وشعراءه، وهو لون يجري في قصائده ذكر الصالحين وأحوالهم ، ويعدُ هذا الحلق من الاساسيات التي تأتي بعد المدائح النبوية فى مسايد التصوف.
وأول الشعراء والمادحين فى هذا الحلق: الشكيرى وأحمد ودعبد الصادق وحمراني والد الصديق والبشير ود عبد القادر(طبقة)(1) وحاج أحمد رحمة الله ومحمد وعلي أولاد مصطفى وموسى أحمد أبو قصة وإبراهيم الأمين المشهور بود العائر وفضل الله ود المادح وخير الله حاج أحمد رحمة الله ومحمد ود بلل الشيب ومحمد ود خير وعباس ود خوجلى ، وقد كان ذكر هذا الاخير في مؤخرة الترتيب لورود نصوص من ملحمته الصوفية التي مطلعها:

فى الدار فاتون يابا السراى أهل الاجابة


السراى
أنت الواحد التواب ياحي ويا وهاب
ونسير سير الأصحاب نمسك درب الصواب
السراى
الجاتو الجبال ذهبا ثنيت بالأواب
لولاه نروح سيابا يوم واقفين تعاب
السراى
الصديق عمر الخطاب يجيب لوت الصحابة
الكرار الليث ما بهاب عثمان تإلى الأحزاب
السراى
فقد أستهل شاعرنا بما هو طبيعي من عقيدة المسلم الدعاء وسؤال الله وحده ويثني على صاحب الشرع محمد() بما هو أهلٌ له ،الشفاعة بانواعها التي لا ينالها ولا ينتصب لها غيره.
ويذكر شاعرنا عظماء الأمة أصحاب النبي محمد () على ترتيب أهل السنة والجماعة ، هذا النسيج الشعري ومافيه،يُخْبرنا بفقه وعقيدة الشيخ القادري التى أخذ مفهومها من عقيدة الأشعري وفقه مالك ومسلك الجنيد.
ونترك شاعرنا ينشدنا أبياتاً من ملحمته الصوفية،وتترى نداءه لأحب الناس اليه بعد الصحابة هم أولياء الأمة المحمدية وصالحيها، ويفرد في هذا قطب تدور حوله مسمى الولاية وهو الشيخ عبد القادر الجيلانى:
الجــــيلى الفى بغدادو الجـــــــيلى نادو نادو
وأبو السايحين زهادو الجـــــيلى أبو الأفراد
الســــراى
وأهل الجـــبهة المنيــرة فـــاتو أهــل البصيرة
فى الدار خلو الكسـيـرة فـــاتو أهــــل التدبيرة
الســــراى
فــــاتو أهــــل السلسلـة قـــالوا فـــــاتو الاجلة
فى الدار خلو المخـلّـــى أهـــل الجــبـهـة المهـله
الســــراى
الحـــاليــين نــســـائـــم فــــاتوا أهــــل العمائــم
فى الدار خلوني نـائـــم في الليل بعـد الهـجائــم
الســــراى
أهل الشرب المشنـوني يـــابا الـقــوم فـــــاتوني
فى الدار والدار خلـوني وأهل اللحظة المودوني
الســــراى
عــــدد النــبات عـمــيـم صــلي ورد الـتـسـليـــم
مــــن عـبـاس الغـشـيـم توصلّو في أم حـطــيـم
وقد جرى النداء فى هذه الملحمه عرفاً وعادةً نداء من يحب ويهوى ،ولذلك امثالٌ مثل قول شاعرٍ:
يا نسيم الليل جيب لي حديث ليلي الغزلية
هذا الشاعر ولحبه لليل ومافيه من فحوى تكريم فيتوسل اليه بياء النداء (يانسيم الليل ) هذا وغيره من النداء كثير في الشعر العربي نداء العاشق لمحبوبته أونداء إنسان لأخيه يشاركه الهموم، وماهو النداء الا وسيلةً لشفاعةٍ دنيوية أو إمورٍ أخروية، وجب علينا ان نفرق بين انواع النداء مثل (يارجلُ) هناك نداء عباده لايكون الا لله وحده ، ونداء وسيله لقضاء حوائجٍ عاديه وسيلةً بالنبى() الى الله تعالى ، وقد كان لاصحاب النار فى قاع السعير فقهٌ علموا ان الوسيلة بالانبياء والصالحين والمؤمنين لها فوائد فنادوا
ﮋ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﮊ[الأعراف:٥٠ ] ثم نادوا طلباً ان يكون اصحاب الجنه وسيلةً الى الله يخفف عنهم ماهم فيه من الويل والعذابﮋ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﮊ [غافر:٤٩ ] .
الشفاعة والوسيلة بمخلوق علمها أهل النار، بما وضح لهم في تلكم الدار أنها كانت جائزة وممكنة إذا توفرت شروطها وهو الإيمان بالله تعالى، وقد كان الحديث عن النداء وخواطر تجري في مخيلة شاعرنا تتفجر بالأحزان تجعله ينادي من يحب ، وفي نداءهم سلوى وبرهماً شافياً للجراحات الغائرة التي أحدثها فراق من خلت الديار من وجودهم فقد كانت أبيات القصيدة تعج بالتعبير الصادق منه بحرارة روحية عالية، ولعل الوجد الذي أنفعلت به أبيات القصيدة قدر أن تكون مليئة بالبكاء والتأوه والندب ،على أقوام سلفت وخلت محارب العبادة من وقوفهم في جنح الليل البهيم، وقد كانوا بحقٍ زينةُ حياةٍ وشفاءُ عللٍ ، ملؤا الوجود بأنفاس الذكر عطراً وشذىً، عزَ هذا النوع في الحياة، لعلّ شاعرنا الذي يرى حياته بين دور مليئة بالمخلفين عن أمر الدين والمقعدين عن معالي السير إلى الله تعالى والمُخلى هو الذي لا هم له، إلا هم بطني بطني إنه مثالاً يقال هم بطني عبطني، وله أن يبكي حياته لأن روحه المجوهرة الصافية لا ترضي القعود مع المخلفين من الأعراب، بل تطلب اللحوق بذلك الصنف العزيز والعيش معه، كما قال الصحابي بلال رضي الله عنه عند ساعة موته متشوقاً :
غــداً نـلـقي الأحبـة مـحـمـداً وصـحـبــه
نمـوذج ولـون من الشـعـراء:
إذا كان الشعر أحاسيس ومشاعر تنبعث وتفيض من نفس إنسان بما يعتمل فيها، فقد يكون لكل إنسان شاعريته، فقد يلتقي مع شاعر مثله في لون من الألوان، وقد تختلف ثقافة الإنسان ومجتمعه ولهذا أثره على ما تنبعث به الشاعرية في وحدة القصيد من مواضيع وأحاديث، وهذه الألوان بطبعها تجعل التباين حتي في شعراء المعركة الواحدة، وقد كان الشعراء الذين عنون لهم تختلف مقاطعهم الشعرية عن ما كان قبلهم من شعراء الطريقة، والشعر الصوفي هو يجري مكيفاً لباطنية الإنسان سلوكياً وروحياً يدفع في مصاعد السير إلى الله تعالى.
ومن هؤلاء الشعراء الذين نتحدث عنهم لا عن شعرهم حسب الرسول حماد الشهير (بـركب عودك)، فهو شاعر بالسليقة تكيفت ثقافته بروح العيش في مسيد الطريقة، على كل فهو رجل له آدابه السلوكية ويقظته الروحية، فهو في شعره إن كان في كثير يقصُره علي أستاذه كعادة الشعراء، إلا أنه يعمم كل الشيوخ الذين لهم الفضل في طريق الله تعالى، فهو شاعر كثير اللمس ووخز الابر الحار علي النفوس ولأمثال من شعره في هذا النمط، يمجد رجل من أهل الجد والإجتهاد مقارنة بما عليه الناس من كسل وتبطل عن بذل الجهد والمجاهدة للنفس في طريق الله تعالى.
والشاعر حاج أحمد ود رحمة الله، وهو رجل من أهل القرآن والفقه والصلاة على النبي ()، ذو ثقافة فقهية واسعة، فهو رجل من التجار وفتح الله عليه من خيرات الدنيا والدين، فهو ذو أدوار متعددة في المسيد، رجل ثقة صادق صدوق، فهو شاعر له قصائده الصوفية الطويلة، وله أيضاً مقاطع صغيرة يمتدح بها الشيخ وغيره من رجال التصوف الكبار الذين يري التأسي والإقتداء بأحوالهم ومن أشعاره قوله:
أنا ما شفتُ شفتَ الشـــــايفن لـــــــيلي لــيلك كيـــــــــفــنو
وزهدو المال والجَنى عايفن حرتو الكف والله خايفنو
والشاعر يقول: أنا الليل ما كابدته ولكن رأيت وعشت مع الذين عانوا قيامه زاهدين في المال والبنون ، لقوله تعالى: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} وله أمثال كثير من الشعر يضيق الحال عن الحديث عنها.
ومن الشعراء الشاعر حسن ود كرم الله، والشاعر حمِيد ود عوض الله المشهور بود دفاسة وهى من النساء الصالحات.
ولمسات أخيرة من شعر المقاطع القصيرة التي تمثل دور خاص في ايقاظ الهمم من هذا النموذج الشاعر (محمود العركي) ويعرف بهذا فقط ومن ياء النسب يبدو أنه عركياً سواء بالنسب النوعي أو الروحي، التقى بالشيخ أبو قرون لأول مرة بمسيد الشيخ ود بدر بأم ضبان في حياة الخليفة حسب الرسول رحمات الله على الجميع، فصحبه وذهب معه ولم يفارقه إلى وفاته، وقد توفي شاعرنا قبل استاذه الشيخ أبو قرون، ولوفاته حدث روحي عظيم لا يحكى الا مشافهة كما قال الشعراني، وهو شاعر مرهف الحس والمشاعر ذو شاعرية والحان مثيرة، وتمتاز أشعاره وأداءه بالحان وشدو رقيق خاص، وهو ما يسمى (بالطنّة) وهذا اللون له تأثير بليغ على أهل الذكر والسلوك ومن نماذجه:
يُمسِي الليل ويصبح ما فــيش درويش القـوم فيكم ما فــيش
يتخــــلـع من كــــــب الريش يوم الضحـــوي والتفـتـيــش
الأبيات ترمز إلى حقائق الدرويش ليس كما عليه نحن اليوم، وكلمة درويش فارسية تعني الزهد (1) فقد ظلت في الوسط الصوفي ترمز إلى تجوهر في بواطن الإنسان، على كلٍ للشاعر أبعاده الروحيه فيما تضمنته شطرات أبيات قصيدته.
حلـق الذكـر ومقـاديـم القيـادة:
ذكرنا وظائف المقاديم المساعِدة فى احوال اجتماعيه وهناك وظائف قيادية تخص حلق الذكر ، في أيام الأعياد وغيرها ، وقد جرت العادة في الحلق الصوفي أن يكون هناك مقاديم ينظمون أحوال الحلق، وبعضاً منهم يتقدمون الكوكبة المُشكلة من القصاد الذين يجُرُون ألحان الشعر وحداءه مع ضرب الدفوف والطبول تتغنى به طرباً وشوقاً شاعرية شاعرنا المجذوب:
صل يا رب على المدثر * (مختارات من قصيدة المجذوب ليلة المولد)
وتجاوز عن ذنوبي وأعني يا إلهي
بمتاب أكبر
فزماني ولع بالمنكر
رب سبحانك مختاراً قديراً
أنت هيأت القدر
ثم أرسلت نذيرا... للبشر
آية منك ونورا
ليلة المولد يا سر الليالي والجمال
وربيعاً فتن الأنفس بالسحر الحلال
موطني المسلم في ظلك مشبوب الخيال
طَافَ بالصَاري الذي أثمر عنقود سنى كالثريا
ونضا عن فتنة الحسن الحجابا
ومضى يخرجه زيّاً فزيّا
وزها (ميدان عبد المنعم(
ذلك المحسن حياهُ الغمام
بجموع تلتقي في موسم والخيام
قد تبرجن وأعلن الهيام
وهنا حلقة شيخ يرجحن
يضرب النوبة ضربا فتئن وترن
ثم ترفضّ هديراً أو تجن
وحواليها طبول صارخات في الغبار
حولها الحلقة ماجت في مدار
نقزت ملء الليالي
تحت رايات طوال
كسفين ذي سوار
في عُباب كالجبال

وتدانت أنفس القوم عناقاً واصطفاقاً
وتساقوا نشوة طابت مذاقاً
ومكان الأرجل الولهى طيور
في الجلابيب تثور.. وتدور
تتهاوى في شراك
ثم تستنفر جرحي وتلوب في الشباك
مثلما شب لهيب
وعلا فوق صدى الطبل الكرير
كل جسم، جدول فيه خرير
ومشى في حلقة الذكر فتور
لحظة يذهل فيها الجسم والروح تنير
وعيون الشيخ أُغمضن على كون به حلم كبير
والمقدم
يتغنى يرفع الصوت عليا وتقدم
يقرع الطبل الحميا
ورم الذكر وزمزم
واستقامت حلقته وانحنت حين انحنى
وهوت والطبل نار تتضرم
وتصدى ولد الشيخ وترجم
حيث للقطب حضور
وتداعَى وتهدم
وينادي منشد شيخاً هو التمساح
يحمي عرشه المضفور من موج الدميرة
ندبوه للملمات الخطيرة
شاعر أوحى له شيخ الطريقة
زاهد قد جعل الزهد غِنى
فله من رقع الجبة ألوانا حديقة
والعصا في غربة الدنيا رفيقة
وله من سبحة اللالوب عقد
ومن الحيران جند
وله طاقية ذات قرون
نهضت فوق جبين
واسع رققه ضوء اليقين
وفتى في حلبة الطار تثنى وتأنَّى
وبيمناه عصاه تتحنَّى
لعبا حركه المداح غنَّى..
رجع الشوق وحنَّا
وحواليه المحبون يشيلون صلاة وسلاما
ويذوبون هياماً
ويهزون العصيا
ويصيحون به أبشر لقد نلت المراما
صل يا رب على المدثر
وأعني وانصر
بشفيع الناس يوم المحشر
الذي يسقي صفاء الكوثر
وجرت العادة فى حلق الذكر أن يتقدم الشيخ هذه الكوكبة امام الدفوف ويطوفون داخل حلقة الذكر ويرددون كلمة الاسم الاعظم(الله الله الله)، وينوب الشيخ الذين أُنِيطوا وشاح (أى خرقت) وظيفة القيادة.
وكان من اولئك: الفكي إبراهيم فضل المولى أبن عم الشيخ ويعد الرجل الثاني في الطريقة، فهو من أهل السلوك والاجتهاد لا يفتر لسانه عن الذكر، وكان أيضاً الفكي عبد الله المهلاوي من الذين يقودون حلق الذكر، وكان شيخ العرب فضل المولي الفكي إبراهيم بعد والده وأثناء وجوده فهو إلى جانب مشيخة العرب ذو إمرة في حلق الذكر، وتولي بعده أبنه محمد الذي كان من حفظة القرآن ومن طلاب حلقة الشيخ إبراهيم ود حنضول مع زملائه، ويزين هذه الحلق ويترنح أمام رنين الطبول رجل من أهل الصدق وهو محمد ود الرميلة رحمه الله الذي كان له حال وجيشان روحي عميق في حركاته.
التكية ومصطلحاتها:
التكية هي ما يخصص لاعداد الأكل والشرب للضيوف والطلاب وهو مصطلح شائع في مسائد التصوف في السودان وغيره، وفي زيارتي سوريا رايتُ مخطوط على مبنى (تكية الشيخ محي الدين بن عربي) بجبل قاسيون تقع غرب مسجده بقليل، وهذا يرجع إلى شيوع الكلمة التي هي من مصطلح تركي.
تكل العواسة:
وهو الان يعنى (مطبخ) وهو أهم مكان في التكية على جانبيه عدد من الخلاوي أي الغرف لاحتياجات العمل، خزانة العيش والدقيق، ومكان العواسة، ويشرف على التكية مسئول خاص وهو وكيل التكية، وقد تعاقب على التكية عدد من الوكلاء: المقدم فرج الله، والمقدم بِلال، وقنديل الذي كان يقوم بملازمة الشيخ ، وبعده حسن الإمام الشهير بالجعلي، وكان يقوم معه بالعواسة عدد من الرجال في أيام الأعياد، أذكر من أولئك: الأمين ودهجوة وسعد ود الجمل وعباس حبيب الله وغيرهم من الرجال.
تكـل الطحـيـن:
لن تزال الذاكرة تحتفظ جيداً بمكان تُكل العواسة وشونة الحطب، وتكل طحين العيش وإلى جانبه كوخ (الام أم الليمون)، ويحوي غرفة التكل عدد كبير من المراحيك الحجرية التي رأيتها ، هذا السجل التاريخي تكتب أحرفه أسماء نسوة فضليات نزرن أنفسهن لشرف الخدمة، وقد حضرتُ منهن البعض ولم أحضر من سلفن عليهن الرحمات النامية، ولعل الذاكرة تتذكر حداءهن بابيات يضج بها تكل الطحين المضني :
ضرباً طِبـولُ الجيلان عرضاً خيــول الجيلان
الحداء هو الصوت المطرب يستنهضن به الهمم تقوية على درش وطحن جوالات العيش التي تزداد أكوامها أيام الأعياد ،الذى يعبر به من قولٍ انهن نساء مسلمات صادقات قانتات ذاكرات صالحات: ازدانت بصِلاحِهن وصدقِهن الأيام ، وفي تكل العواسة الذي كان يشرف على وكالته المقدم بِلال ثم إنتقل امر الوكالة لحسن الجعلي، لا أنسى تلك البراميل الخشبية الكبيرة المستديرة البارزة الوسط تجويفاً قليلاً.
وقد رأيت من هولاء النسوة اللائي نزرن انفسهن للخدمة بعضاً منهن في صغري وهن في عمر متقدم، ومنهن من تقاعد عن الخدمة لضعف الحال، وأذكر الأم (أم الليمون) وهي في عمرٍ لعله أقرب من التسعين ، تتوكأ على عصاها أمام كوخها المستدير، الذى يسمي (بالدردر) وكل بيت مستدير يسمي بذلك وهو معروف في اللهجة العامية وأتذكر شَعرها القرقُدي اللامع بالشيب المائل للخضره كشكل زغب أفراخ الطير الصغير، تلوك أسنانها من حالة الكبر، أو كأنها تمضغ شيئاً لا أدريه.
والأم( فضل الراجي) ذات اللكنة الأعجمية قصيرة القامة، وبنتها (فرجُ قريب) وابنها (كاب الدايح)، والأم (الربِ جود) والأم (شرفولة) الفُضلى مع شراسة ورفع صوت عالي حين تحس بكلمة من أحد، والأم (حوى معيلق) الأعجمية الدقيقة الحجم والأم (درشو) التي كانت تسكن ديم بحري، هي والأم (حميراء) بكسر الحاء بدون سكون على الياء ، والأم (مستورة) التي كانت لها صولة وجولة، وحصلت منها خارقة إذا كانت ايام العيد وسمعت الطبول تأخذها حال جذب شديد، حتى تحمل النار بين كفيها مباشرةً من غير ساتر يقيها حر ذلك، حتى يضربها الشيخ بالسوط ضرباً شديداً حتى تفيق.
ألم أقل أنهن نساء نموذج صالحات ذاكرات، والأم بنت (مَجَلِي) من ديوم بحري يبدو من أحوالها أنها من أسرة تعيش في حالة من الرخاء النسبي مقارنة بغيرها، تأتي أيام الاعياد ومعها بعض الزائرات وهي تقوم بشد الملاح للضيوف الخاصين، وأذكر بيت الحبوبة (فاطمة بنت إبراهيم) تسمى ام الفقراء زوجة الشيخ الكبرى التي كان بيتها مضيفة للنساء، وإلى جوارها زينب بنت (الجِّرك) والدة العم شيخ العرب التي تسكن في حجرة واسعة ومع هذا تضيق أيام الأعياد، هذا كله يجري من الذاكرة ثراً محفوظة جوانبه من حياة مسيد الشيخ القادري.
قطار العيش من الجزيرة ووادي الحاف:
قطار العيش أعني به أعداد الجمال المقترنة بعضها وراء البعض تحمل جوالات العيش للتكية، ولعل الذاكرة تذكر منهن جمل (أبو الْكيلِكْ) من الشوتلاب يتبرع به لنقل المؤن مع بعض من يتبرعون من التلاميذ، ويقود مسيرة القطار رجل أشتهر بذلك وهو (الزبير الجمالي) من قرية أم سنيطة عهد اليه بنقل العيش الذي كان يزرع في ترس(1) الشيخ المسمى ود أفرش، مع ما يجمعه الفقراء، يحمل هذا القطار البهيج (المونة) التي كان ينتظرها الناس وهم أشد ما يكونون حاجة، ولم تبخل التكية عطائها على طالب أو قاصد أو صاحب حاجة.
وقطار ثاني خفيف التكوين والنقل لجلب الدقيق بعد ظهور آلة الطاحونة، وهذا القطار الخفيف كان قائده العم (أحمدين مصطفى) ، والعم (بابكر ود أحمد نور) و(سعد ود الجمل) والعم (جاد الله ود البشير العبدلابي) والعم (بخيت ود عبوده) وأخيراً (عليّ ود العبد) الذي كان آنذاك طالباً بخلوة القرآن ، وكان ايضاً يقوم بمهمة الآذان للمكتوبة، و(أبكر أحمد ود شبعة) الشاعر الجزل و(القمر ود البشير ود حسب الله) و(بخيت ود كلمون) و(موسى ود الدليتي) و(بابكر ود نووين)، وغيرهم ممن نزروا أنفسهم لخدمة المسيد في مجالاته المختلفة، زراعة التروس وجوز المويه وجلب مونة العيش.
خلوة الكراية أو القراية(1):
جرى كثير في اللغة العامية تبديل حرف القاف بحرف الكاف أو غير ذلك من تبديل في الحروف، وعرفاً يجري نطقه عند طلاب الخلوى، وحاولنا إثبات هذه اللهجة تدويناً يحفظ أحوال المسيد وخلوة القرآن في حقبها الماضية العامرة بالطلب والطلاب، ويسوقنا الحديث في هذا إلى تاريخية خلوة الكراية بمسيد الشيخ أبو قرون الذي نتحدث عنه، وتُعد الخلوى امتداداً لخلوة والده الفكي يوسف ود عليّ ود أبزيد التي كانت بالغابة الواقعة الآن بين أم ضبان وقرية أبو قرون، وتأسيس الخلوة بمكانها الحالي وهو ما يزيد على المائة وأربعين سنة وهذا التقدير الزمني قد يزيد، وكان التقدير لزمنها بأعمار الذين درسوا فيها،من هؤلاء اولاد الشيخ نفسه الخليفه ابشرا والخليفه الحسن والخليفة الجيلي ، وقد توفي على مائة عام، هذا التقدير يقرب من بداية تاسيس الخلوة.
الخلوة (الفكي أو شيخ الطلاب):
تحت هذا العنوان مصطلحات تتعلق بخلوة القران فى تلك الحقبه من الزمن يطلق على معلم الخلوة لقب (الفكي) وهي تعني (فقيه) ومصطلح (الفكى) كان أكثر إستعمالاً، وأول من تولى التدريس في هذه الخلوة الفكي عبد الرحمن المهلاوي وكان شيخاً لخلوة الفكي يوسف بالغابة ،وقبلاً بخلوة الشيخ محمد بدر ام ضبان ، ثم تولى التدريس بعده الفكي محمد عليّ والفكي أحمد ود قسم الله ثم الفكي محمد أبشرا الذي مكث في الخلوة طويلاً وحفظ عليه كثير من الطلاب، وتُرُوِع الطلاب صرامته ورفع صوته عالياً، أكروا هوي يا مطاميس، والغالبُو لوحو يقوم جاي لأم سعد الله ، ومساعده الفكى محمود ود مساعد البطحاني الذي حفظ معه على الفكي أحمد ود قسم الله.
مصطلحات تدور في مجتمع خلوة القرآن:
كان علينا تسجيل مصطلاحات في مجتمع خلوة القرآن: اللوح ،والدواية ،والعمار، وأم سعد الله ،وسوط العنج ،والعِشوية ،والسبع، والدغشية ،و العودة المرة ،ونير القرآن، والشرافة ،والزيق، والفزعة، والبطالة ،وكرامة الأربعاء .
1- اللوح: وهو معلوم لشيوعه و(اللوح) يصنع من الأخشاب .
2- الدواية: قد أشرت اليها سابقاً وهي من الفتايل الزجاجية.
3- العمار: وهو معجون الصمغ مع الكربون الأسود الذي يتجمع على ظهر طست العواسة من النار، ويكون من معجونه المداد الذي يكتب به على اللوح، وتكتب به المصاحف الخطية وجميع الكتب العلمية آنذاك.
4- وسوط فكى الخلوة: وهو ما يسمي بسوط العنج عله شاع في زمن مملكة العنج ويبدو انه كانت تحمله شرطة مملكة العنج ، وهو شرائح من أجسام الحيوانات، الكرينتيه.
5- أم سعد الله: وهي عصا غليظة طويلة يقارب طولها متر ونصف على رأسها شعقة مثل الشعبة، وفي وسطها حبل يربط به أرجل الذين لم يحفظوا اللوح والجلد بعصايا السّلم، أو السوط الغليظ عقاباً اليماً، وكم يرهبنا منظرها إذا كانت بجانب عنقريب الفكي شيخ الخلوة.
6- العِشوية: وهي الكراية بين المغرب وآذان العشاء.
7- السُبع: وهي دورة قراءة جديدة بعد صلاة العشاء وتناول العشاء، على قداحة الحراز الكبيرة والكسرة خميرة بالماء عليه ملح أو شيء من التوابل، ويعد السبع مراجعة من الطلاب لما حفظوا من أجزاء وسور.
8- الدُغشية: كلمة عامية تعني وقت السحر، وما أصعبها وأثقلها على الطالب وأسخنها على العيون من دخان النار الموقدة بالأخشاب.
9- العودة المُرة: وهي بداية القرايه من الناس صعوداً إلى البقرة وهي مُرةً حقاً لصعوبتها على الطالب وهو يتتعتع في قراءة بعض الآيات مثال ﮋ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﮊ [هود:٢٨] ﮋ ﮞ ﮟ ﮠ ﮊ [الحاقة:١٩] وغيرها من كلمات صعبة تحتاج إلى معاونة (الفكي )توضيحاً لحروفها وفكا لرموزها.
10- نار القرآن: توقد بالحطب للإستضاءة ويدور حول حلقتها المستديرة الطلاب تنشيطاً للطلاب من طول القعود، ومن الدوران حول نير القرآن.
سمعت حديثاً غريباً أن رجلاً من السلفية جاء من الكويت وكان يحاضر في منزل بعض المنتمين للسلفية فى القريه ونقل الحديث عنه فى محاضرته قال وجدت الناس في السودان يعبدون النار أي يطوفون حولها، أني أستغربت من داعية لم تمكنه ثقافته الدينية من معرفة الفرق بين العبادة لله التي تعني الصلوات الخمسة والصيام والحج والزكاة وغيرها من عبادة النار التي كانت تعبدها مجوسية فارس.
11- الشرافة: وهي نقوش فنية من مبتكرات خلاوي القرآن، إذا وصل المبتدئ سورة¬) لم يكن( أو) عمّ( أو) تبارك(، يأمر شيخ الحيران أحد الطلاب الذين لهم ملكة نقوش الشرافة فيزخرف لوح الطالب كحافز، وكان في ذلك الزمن يمر صاحب الشرافة ومعه بعض زملائه الطلاب ببيوت القرية يعرضون لوح الشرافة على أهلها، فيعطونهم ما تيسر تشجيعاً، ويبدو هذا العرف جارياً في بعض الخلاوي حتى الآن في غرب السودان.
12- الزيق: وهو رسم الحروف بخطوط كبيرة في أول أسطر الكتابة ثم يكتب بقية اللوح حروف رقعة صغيرة تمييزاً، الزيق كما يسمية طلاب الخلوة، وهو يكون في اليوم الأخير من الدراسة ثم تبدأ العطلة أو البطالة كما تسمي في الخلوة، وتكون البطالة قبل وبعد عيد الفطر وعيد الأضحى، ولا تزيد على عشرين يوماً.
13- الفزعة: وهي جمع الحطب من الأشجار لوقود نار القرآن، كل طالب يأتي بحزمة من الحطب ينظر فيها شيخ الخلوة، ثم توضع على شونة الحطب بجانب الخلوة.

















7- شعراء المدايح
جرى القلم عن أستاذ الطريقة ود بدر رحمه الله، وما كان من الشيوخ الذين أثروا الحياة الصوفية بالعمل المخلص في الأوساط الإجتماعية، وإلى جانب هؤلاء لا ينسى ما كان للشعراء من دورٍ كبيرٍ انتفع به الناس، ويجي الحديث في السفر عن بعض الشعراء، لأنه يصعب علينا إحصاء كل شعراء الطريقة.
ويمكن تقسيمهم إلى ثلاث طبقات:
طبقة ود بولاد وصاحبه الشكري رحمهما الله ونذكر ابيات من شعر ودبولاد:
حَبَاب فمو الزكي الوالداه ريا
حباب درقة حجاي من البلية
حَبَاب الشيخ حَبَاب إيدو السخية
حَبَاب قدمو البطوف بكرة وعشية

وقوله:
سألت العارفين يوروني دارك
وهذا العيدُ ليك يوماً مبارك
من أمي وأبوي هولك حوارك
ساقيتك تسوق وسمح ثمارك

قال:
امَلاك الجليل فوق الخلوق حفو
لا الحاكم بميل ولا البينه بنحرفوا
في ذاك اليوم يبين الحَـرَت كـفـو
يات من كان هناك أدوه سِجل صُحفو

ولود بولاد تنقله فى حدائق الشعر فتجود قريحته السيّالة بما يبدو له:
المـذهب مالك
شافع مع مالك
تسلك السالك
السلسلة الوثيقة
حـنفي وحنبلي
في الأربع مذاهب

فكان ود بولاد مع أميته إلا أن المعايشه مع أستاذه أعطته المعرفة بالمذاهب التي ينبغي على إنسان الطريقة المعرفة بها، لاخذ ما يحتاج اليه من معرفة العبادات .
ونذكر ابياتاً للشكري قالها امام الشيخ ود بـدر في حادثة الجردة سببها وقوفه مع الإمام المهدي، بعد حديث دار عن احوال المعركه قال الشكرى له يا سيدي لا نخشى الموت ولكن نخشى سبي النساء والذراري ثم انشد فقال:
يا حلال بعيد ليله الكبس والضيق
من بعد الجمع ما بنرضى بالفُريق
والرأي إنبهم اصطنتو يا عقال
السر إنقبض أو إنخطف إنشال
يا حبر الطريق المو سماح الزيق
شمر يا حبر شيل الحمول إطبيق
إتلمو البوادي مع ناس الحلال
الحبر التقيل الفي الذكر قدال



8- الشــاعــــر ود أبو كســاوي:
هو الشيخ عبد القادر أبو كساوي العقلي سلك الطريقة على الشيخ ود بدر عام 1281هـ، ثم البسه شارة المشيخة ، وأدخله خلوة اعتكاف فأرسل إلى الشيخ فقال: الواردُ منعني الوردَ فقال له اترك الوردَ للوارد.بمعنى وارد المدائح منعنى اوراد الذكر،
وكان الشيخ أبو كسـاوي رحمه الله رائد طبقة شعرية جديدة، أدخل على شعر الطريقة ما استفاد منه المادحين والشعراء بعده .






9- الحاج الطيب
الحاج الطيب الشيخ محمد بدر حفظ كتاب الله تعالى، واكرمه الله أن يكون معلماً بخلوة والده، رغم أنه لم يعيش طويلاً إلا أن حياته كانت سجلاً حافلاً بأعمال الخير، حفظ على يده خمسمائة طالب غير الذين جودوا الكتابة والقراءة، وكان سيره على طريق أهل المجاهدات الكبرى، وله خلوة تحفظ فيها هذه الآثار.

10- المادح محـمد حياتي
الشيخ حياتي الحاج حمد ولد بقرية أم ضبان 1290هـ، وكان والده من أوائل تلاميذ الشيخ محمد بدر، وبعد إستشهاده في واقعة الحلفاية عند حصار الخرطوم 1301هـ- 1884م، اشتهر الشيخ حياتي رحمه الله بمدح النبي() كعادة أهل الصوفية، وعناية بيوتها ومساجدها بنشر السيرة العطرة بالشعر المدائحي. وقد كانت الألحان والأداء الفني الجميل وسيلة من وسائل توصيل المدائح للناس، فقد كانت لحظات حياة الشيخ محمد حياتي جلها لتلاوة القرآن الكريم، والمدائح النبويه(). وللشيخ حياتي ديوان يحوي مدايحه وقد اخترنا من مدائحه:
تاج الأصفياء الفاق الخليل
الأف الصلاة لي ابقدراً جليل

ومنها قوله:
طهرت به الأرض أغوار ونجودَ
كالشاكي الغزالة بالنبي صار نجود
روح الكائنات إنسان عين وجوده
تخضع له الحجار وله الأشجار سجودَ

ومن مدائحه:
هل ما بي بيك جرى
ليل يا ساري
برق العقيق جرجرا

ومنها قوله:
في خـدمة الما افترا
شانئه هـو الأبترا
سبحان ونون والبرا
في النجم وآخر برا
حرفية ولاحقة الترا
والعب فوق الترترا
مـن هاهنا اتكـنترا
وحـيد الشأن يا ترا
في مدحو قال من برا
والشـاهـد الأكبرا
صـلوات حياتي أكتر
ينجـاب من دعترا

استعراض هذه الأبيات يحدثنا عن شيخٍ من شيوخ شعراء المدائح، وكان ذلك تسجيلاً للمفخرة التي زانت بها مدرسة المدائح النبويه، يمدح الشيخ حياتى بقلبٍ مملوء بالثقة يمازجه الحب العميق للنبى() والرجاء بشمول الشفاعة في الدارين ويتجلى هذا في مدحته:
تيمني وخـلاني أبـوبي
حصن وحراسي عن ديرة راسي
أمن عن طلبي يوم سلبي وصلبي
سيد ما هياتي حين صرف ياتي
أنا حـب محـبوبي
لولا النبراسي شن قعري وراسي
نوم عيني وقلبي حين أعدم قلب
صليت حياتي لي روح حياتي











11- الشــيخ أحـمـد ســليمان
الشيخ أحمد من اسر قبيلة الجموعية ومسكنه مدينة الفتيحاب، وبها مسجده وهو من الشعراء المجُـيدين، وحفظ القرآن في خلوة الشيخ محمد بـدر، وسلك الطريقة على الخليفة أحمد بدر. وقام بمسجده على تحفيظ القرآن الكريم والإرشاد، وإلى جانب ذلك كان له كثير من المدائح النبوية ومن تلك المدائح نذكر:
أعطوك الشفاعة وحوضك المورود
ضي الليالي السود

صاحب اللوا المعقود

وفيها كثير من الأبيات التي ذكر فيها عظيم العطايا والمنن الإلهية التي خص بها الله رسوله(). ويقول:
لولاك يا الرسول الآخرة ما بانت
لولاك يا الرسول عروضنا ما إنصانت
لولاك يا الرسول خربت البلدان
لولاك يا الرسول من يعبدالرحمن
ناجـاك الإله خـصاك بالمثاني
وقال قومك يدخل بالباب اليماني
لولاك يا الـرسول الدنيا ما كــانت
لولاك يا الـرسول أمورنا ما هـانت
لولاك يا الرسول ما يكون ولا قد كان
لولاك يا الـرسول من يخمد النيران
يا سيد الرسول فوقك حكى لساني
يوم هول القيامة اعطاك كرم ثاني


وقد حافظ أبناؤه وأحفاده على موروث مدائحه وأدائه الرائع، ونداوة اللحن التي خصت بها مدائحه، وكان للمادح علي المبارك عليه رحمات الله دور كبير في اثراء المحافل الروحية بمدائح الشيخ أحمد، وقد ظل خلفاءه والأحفاد يحافظون على مسار المدائح النبويه التى ورثوها جزاهم الله خيراً كثيراً.

12- المادح الشيخ الجيلي أبو قرون
تربى الشيخ الجيلي تحت رعاية والده وقرأ القـرآن فى خلوة والده ، يجيد القراءة.جميل الخط وكان لا يفارقه مصحفه الخطي في سفره وحضره. وهو فقيهٌ علي المذهب المالكي، ويعد من كبار رجال الطريقة القادرية في وقته، وهو موسوعة ومرجع كبير في آدابها، وأفنى زهرة الشباب إلى الشيخوخه في مدح النبي()،وله مدرسته الخاصة في المدائح لحناً وأداءً ، يتمتع بمقدرة كبيرة على نثر المعجزات والخصائص المحمدية في مدائحه ومن مدائحه الرمزية:
على صاحب المعجزات دائما
صـل يا قــديم الذات

الناجي شاف الذات

ومن مدائحه:
روحـي يــــاروحي لي أم سور قومي بي شــروح قــبل ما تـــروحــي

ثني يا روحي فوق رسول الله متني وشروحي

شافع الأمة الوجه مطروحي كم شفي مسو وأبرء مجروحي

من هنا نعنى فوق رسول الله نذكر المعنى

للسمع والشاف والحضر معنا في ظل ذاك تاجُ أجمعنا

إلى قوله:
خيرة الله في العباد ولسان حجة الله

أعظم الرسل صفوة الله واقربٌ زلفة قدرُ إلى الله

الصلاة الحافلة لضريح أم سور توصل النافلة

تصلح أحوالنا وترفع السافلة أبقرون والقوم يأتوا في قافلة

فقد أوقفنا الشيخ فى مدحته عند معلمٍ وصفي يستحق أن نقف عنده تاملاً،وهو قوله فى المدحة السابقهنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةخيرة الله في العباد ولسان حجة الله)، فهذا التناول الحُجِي ووصف النبي() بإقامة الحجة على الخلق، فهو أبلغ وصف استعارته أدبيات شاعرنا من مفهوم عالمية الرسالة المحمدية، وحجتها على البشر أبيضهم وأسودهم، وهذا الإنتقاء الفني يبرز مقدرة شاعرنا البلاغية في اختيار صفات الكمال الإنساني الذى مدح به النبى ()، هذا الذوق الأدبي الرفيع أعطى مدائح شاعرنا تمييزاً فى اللحن والأداء ، فكانت شاعرية مدائحـه تمثل مدرسةً بعيدةً عن التقليد. وكان مدحه لجميع الصحابة رضوان الله عليهم، ورؤيته لجمعهم بالفضل والتقـديم على من سواهم، ورتب الخلفاء الراشدين على نهج اهل السنه والجماعه .
معلوماتي ومن مواضيعي
رقم العضوية : 632
عدد المشاركات : 1,992
بمعدل : 1.62 يوميا
عدد المواضيع : 184
عدد الردود : 1808
الجنس : الجنس : ذكر

__________________
اللهم صلي على حبيبنا ونبينا واشرفنا
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
خالد محمد خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب هذا محمد في موسوعة جينيس عن أكبر كتاب بالعالم .. زهرة الريف الســـــــيرة النبويـــــــــه 3 03-31-2012 08:41 PM
كتاب مراجعات في الفكر الإسلامي للنيل ابوقرون سيف اليزل ملف الشيعة في السودان 3 01-11-2012 01:32 PM
ليس دفاعا عن أنس محمد الحسن يا ود عكر ويا القعقاع زنقة زنقة المنتدي العــــــــــــــــــام 11 08-09-2011 03:54 PM
ثاني اثنين اذهما في الغار منقول من كتاب الاستاذ محمد النيل الرحال الســـــــيرة النبويـــــــــه 15 09-30-2010 08:54 AM
من روائع الخليفه الحسن ابوقرون!!! المحاسبي سعد ابوقرون الصوتيات والمرئيات 11 07-28-2010 10:20 AM


الساعة الآن 02:34 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd ala7laam4.com
استضافة الاحلام ديزاين